ما أحوج الفلسطينيين بعد ربحهم معركة سيف القدس إلى قيادة تؤمن بالمقاومة، وتحتقر التنسيق والتعاون الأمني مع كيان العدو الصهيوني، إلا ان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لا يسأم من تكرار تلك العبارة "التنسيق الأمني مقدس، وسوف يستمر سواء وافقنا على السياسة أم لم نوافق.
هكذا صرح عباس عام 2014 أمام حشد من الصهاينة، وهو يتحدث عن التنسيق الأمني بين قوات أمنه وحكومته وهو شخصيا من جهة، وبين قوات الاحتلال الصهيوني من جهة أخرى.
ينقل التصريح الكاتب ناثان ثرال، كبير محللي الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، وصاحب كتاب اللغة الوحيدة التي يفهمونها، الذي يركز على تحليل الوضع الفلسطيني الصهيوني.

الولاء للمحتل
بين دفتي الكتاب وعلى رأس فصل مخصص للحديث عنه ورد فيه التصريح السابق، يتحدث ناثان عن عباس بصفة خاصة، وعن كيف خرج في وادي المقاومة الفلسطينية ومن بين الشعب المفطور على كره الاحتلال ومحاربة إسرائيل سلطة أمنية تدين بالولاء للمحتل، وتنسق معه ضد شعبها عامة، وضد المقاومة خصوصا، ورغم أن تلك السلطة لا تمثل إلا نفسها، إلا أنها باقية منذ سنوات كممثل رسمي ومعترف به للشعب الفلسطيني.
غياب الدور الفاعل لعباس قائد حركة فتح، أشارت إليه صحيفة جيروزاليم بوست الصهيونية التي قالت بنبرة احتقار واضحة إن " عباس فقد اهتمام الفلسطينيين فيما كثيرون في المجتمع الدولي لم يعدوا يرونه لاعبًا ذا صلة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني".
وأضافت الصحيفة أن الفلسطينيين غاضبون من عباس بسبب فشله في مساعدتهم في القدس وقطاع غزة، كما أنهم مستاؤون منه بسبب التنسيق الأمني المستمر في الضفة الغربية بين قوات السلطة الفلسطينية وكيان العدو الصهيوني.
ويواصل عباس البطل المناضل الشهيد مرتين مع رئيس وزراء العدو الصهيوني حمامة السلام بنيامين نتنياهو حرامي المناشف، ليعرض عليه خبراته في الوفاق الوطني ويرفع بذلك مستوى التعاون بينهما كي تنعم تل أبيب بالاستقرار أخيرا ويعود التنسيق الأمني كما كان وأحلى ليقبض على من تبقى من سكان الضفة الغربية!
السؤال الذي يجدد نفسه باستمرار: ما هي مهنة السيد محمود عباس الشهير باسم "أبو مازن" والقاطن في رام الله؟ هو في الإعلام، وفي الخطاب السياسي الرسمي، يسمى رئيس السلطة الفلسطينية، أي رئيس فلسطين، كما يريدها كيان العدو، لكنه في الواقع، ومن دون أي افتراء عليه هو مدير مزرعة التنسيق الأمني في رام الله، تلك المزرعة التي تذهب كل منتجاتها وعوائدها إلى الاحتلال الصهيوني، ويتبقى بعض الفتات لعباس والذين حوله.
هذا الرجل سكت طويلا جدا، عن جرائم الاحتلال في حق سكان حي الشيخ جرّاح، وأهل القدس المحتلة والمسجد الأقصى، وسكت أيضا عندما امتدت يد الإجرام إلى مناطق فلسطينية أخرى، وسكت حين قررت غزة أن تهب لنصرة القدس ونجدة المقدسيين، وسكت حين قصف الكيان الصهيوني غزة ثم أخيرا نطق، وظهر أنه لا يزال حيا يرزق في المزرعة التي يعيش فيها ويتعيش على حاصلاتها، عندما لقنت المقاومة المحتل الصهيوني الدرس، وأوجدت معادلة جديدة في المواجهة، وحولت مناطق الاحتلال إلى مدن أشباح، واستيقظ الشارع العربي كله على ملحمة مقاومة وأسطورة صمود.
هنا فقط، هرول محمود عباس صعودا إلى مسرح الأحداث، لينطلق لسانه بالسفسطة، في تزامن مع انطلاق جولات مقاولي التهدئة، من عرب كامب ديفيد القدامى والمستجدين، والواقفين على الأبواب في انتظار الدخول إلى نادي التطبيع.

سيف القدس
فتحت سيف القدس، وستفتح الباب رحبا، لانقلابات كبرى في المشهد الداخلي الفلسطيني، فمركز ثقل هذه القيادة والقرار فلسطينيا، انتقل من رام الله إلى غزة، وحركة حماس، سجلت فوزا بالنقاط على حركة فتح والسلطة الوطنية، بعد أن امتلكت قرار الحرب والسلم، وهي وحدها عن الجانب الفلسطيني، من يدير عمليات التفاوض حول التهدئة ووقف إطلاق النار، وشروط الصفقة التي يجري العمل على بلورتها، في حين بدت فتح وسلطة عباس، في موقع المراقب، العاجز عن مواكبة التطورات من حوله، واتسعت الفجوة بين القيادة والرأي العام الفلسطيني، الواسعة أساسا، والتي زادها اتساعا، قرار عباس قبل بتأجيل الانتخابات العامة، بالضد من رغبة الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين.
لقد استخدمت حماس تكتيكا ذكيا هذه المرة، فهي إذ بادرت بفتح "جبهة غزة" ضد كيان العدو الصهيوني، وانتصارا للقدس والأقصى والشيخ جراح، فإنها تكون قد أعلنت خروجها من "قمقم" القطاع المحاصر، حيث ارتضت وارتضى العالم لها، أن تتولى شؤونه بحكم الأمر الواقع، من دون أن تكون السلطة والقرار في رسم وجهة التحرك وسقوف المواقف الفلسطينية.
اليوم، تدخل حماس إلى قلب النظام السياسي الفلسطيني من "باب العامود" و"الشيخ جراح"، و"صواريخ القسام"، ولا شك أن الحركة باتت أكثر اقتناعا، بقدرتها على تغيير نظرة المجتمع الدولي حيالها، وبالذات الولايات المتحدة، وهي تتابع عن كثب، ومن الدوحة، حيث مقر قياداتها في الخارج، فإنه لم يعد خافيا على أحد، أن حماس تنخرط مع أطراف أوروبية وعالمية أخرى، في اتصالات مباشرة وغير مباشرة، في السر والعلن، وعلى المستوى الأمني، حين يتعذر المستوى السياسي.
وتجد حماس في تركيا وقطر، وغيرهما، حاضنة إقليمية، تدفعها للاندماج في النظام الفلسطيني، توطئة لقيادته في مرحلة لاحقة، فهي الجهة الأكثر قوة وتماسكا على الساحة الفلسطينية، بعد أن ضرب الترهل والشيخوخة والتشقق، منافستها حركة فتح، وبعد أن أصاب الفساد وسوء الإدارة مؤسسات السلطة، وبعد أن وصل خيار "التسوية التفاوضية" و"حل الدولتين" إلى طريق مسدود.
حماس تلقت نصائح من الدوحة وأنقرة بالمشاركة في الانتخابات الفلسطينية، والانخراط في النظام الفلسطيني، ووفرت لها "سيف القدس"، الفرصة للولوج إلى هذا النظام، من أوسع بواباته.
حصدت حماس شعبية واسعة في أوساط الفلسطينيين، وخسرت فتح الكثير من رصيدها، وستتعمق انشقاقاتها، العميقة أصلا، والتي كانت سببا رئيسا وراء قرار تأجيل الانتخابات، أما عباس، فربما ينتظره مصير مماثل لمصير نتنياهو، في حين أن نسبة الفلسطينيين الذين يطالبونه بعدم خوض غمار الانتخابات الرئاسية القادمة في تزايد، وقد بلغت ثلثي الفلسطينيين، وفق استطلاعات للرأي سابقة للأحداث الأخيرة ولقرار تأجيل الانتخابات.
ثمة ملامح انقلاب في المشهد الفلسطيني، ليس على المستوى الفصائلي فحسب، بل وعلى مستوى الأجيال كذلك، فالذين فجروا "سيف القدس"، هم من الشباب، من جيل ما بعد أوسلو، والذين خرجوا في المدن والبلدان داخل الخط الأخضر، هم أيضا من الأجيال الشابة، وشباب الضفة الغربية الذين خرجوا انتصارا لغزة بالضد من إرادة قيادة السلطة، هم من الجيل ذاته، أما القيادة الشائخة والمترهلة لمنظمة التحرير والسلطة وفتح، لم تعد توفر النموذج الجاذب للجيلين الثالث والرابع للنكبة.

Facebook Comments