في أعقاب نجاح الانقلاب العسكري في مصر يوليو 2013م، اعتبرت الآلة الإعلامية للنظام العسكري ما فعله السيسي (الخنوع والمذلة أمام الرئيس الشهيد محمد مرسي) جزءا من خطة خداع إستراتيجي، متجاهلة أن الخداع الإستراتيجي إنما يستخدم ضد العدو، وليس ضد رئيس منتخب بإرادة الشعب الحرة، والوصف الدقيق لما فعله السيسي هو الخيانة العظمى وفق كل الشرائع والقوانين، وتدفع تلك التجربة إلى التشكيك  والتحذير من نوايا نظام السيسي تجاه غزة ،والمقاومة الفلسطينية التي تتشكل في أغلبيتها من حركتي حماس التي تنتمي إلى مدرسة الإخوان المسلمين التي يصنفها نظام السيسي تنظيما إرهابيا، ويزج بعشرات الآلاف من قادتها وأبنائها في السجون بتهم سياسية ملفقة.  

قد تكون التحولات الأخيرة في الموقف المصري من المقاومة خلال جولة "سيف القدس" (10 ـ21 مايو 2021م) مقارنة بموقفه في حرب 2014م التي أبدى أعلى صور الانحياز المطلق للكيان الصهيوني مبنية على تقديرات موقف تتعلق بالمصالح، خصوصا في أعقاب التقارب الإسرائيلي الإماراتي الذي  يزيد من تهميش الدور المصري إقليميا ،والإضرار بالأمن القومي المصري على النحو الذي نراه في ملفات بالغة الخطورة كسد النهضة، وإنشاء قناة موازية لقناة السويس،وإقصاء مصر من تحالفات غاز شرق المتوسط.

لكن تجاربنا مع نظام السيسي تدفعنا إلى تحذير المقاومة ،والنصح المستمر بأنهم يتعاملون مع ثعبان مبين وأفعى امتلأت سما وغلا ضد كل ما هو إسلامي؛ فالسيسي في حقيقته هو الأداة التي تستخدمها إسرائيل وأميركا من أجل إخضاع مصر والمنطقة للإملاءات والأجندة الأميركية الإسرائيلية.

يبرهن على ذلك عدة أدلة:

أولا، حظي موقف نظام السيسي بثناء كبير من جانب حكومة الاحتلال، وقد حرص نتنياهو على توجيه الشكر للسيسي، لدور بلاده في قيادة جهود الوساطة التي أفضت إلى وقف إطلاق نار فجر الجمعة بعد 11 يوماً من العدوان، وكشفت وسائل الإعلام العبرية أن المخابرات المصرية لعبت دورا مهما في تقليص المخاطر التي تعرض لها العمق الإسرائيلي أثناء الحرب عبر الضغط على حركات المقاومة في غزة لعدم إطلاق الصواريخ في أكثرَ من محطة من محطات الحرب، وتنقل صحيفة "يسرائيل هيوم"، أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارا والمقربة من نتنياهو، عن مصادر في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" قولها إن مسار الحرب دل على أنه لا يوجد بديل عن الوساطة المصرية في الحروب ،والمواجهات مع حركة "حماس". وحسب "أمان" فإن إسرائيل لا يمكنها الاستغناء عن الدور المصري، لا سيما في كل ما يتعلق بالعلاقة مع قطاع غزة والمواجهات مع "حماس".

ثانيا،  أثنت السفيرة الإسرائيلية في مصر أميرة أورين على موقف نظام السيسي وقالت إن "التقاء المصالح الإستراتيجية بين إسرائيل ومصر يعتبر عامل استقرار في المنطقة؛ ولذلك جاءت زيارة وزير الخارجية غابي أشكنازي إلى القاهرة ناجحة، كما أن استئناف الرحلات الإسرائيلية الى سيناء تحرك إيجابي للغاية، رغم الالتزام بالإجراءات الأمنية". وأضافت أورين في لقاء مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن "زيارة أشكنازي إلى القاهرة هي الأولى لوزير خارجية إسرائيلي منذ 13 عاما من الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، ولذلك جاءت هذه الزيارة مهمة للغاية لمصر، وقد رأينا دورها الحاسم الذي لعبته مؤخرا في التهدئة بغزة، حيث لعبت دائما دور الوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين". وأوضحت أن "هناك لقاء مصالح بين البلدين، وهناك أمل في مزيد من التنسيق والتعاون الاقتصادي، لأننا نريد أن يزيد زخم وتكثيف العلاقات مع مصر، ومصر تلعب دائما دورا قياديا مؤثرا يجب الاعتماد عليه في المنطقة، وعلاقات السلام معها رصيد استراتيجي لإسرائيل، رغم أن مصر شهدت عقدا صعبا من الزمن، غير مستقر، لكنها الآن باتت تحوز مزيدا من التركيز في القضايا الإقليمية، خشية أن يأخذ مكانها جهات أخرى تحاول القيام بذلك".

ثالثا، يرى المستشرق الإسرائيلي إيهود يعاري، محرر الشؤون العربية في التلفزيون الإسرائيلي، أن  الدور المصري يمثل مصلحة كبرى لإسرائيل،  وأضاف في مقاله على موقع القناة 12، أن "الكثير من الابتسامات والتعبيرات عن حسن النية طغت على محادثات رئيس المخابرات المصرية عباس كامل في القدس ورام الله وغزة، لكنه عاد إلى القاهرة، وربما أبلغ السيسي بالفعل أن الاشتباك الذي يتعين عليه حله ليس بسيطا على الإطلاق".  كما يرى عيران ليرمان، نائب رئيس معهد القدس (المحتلة) للاستراتيجية والأمن، بمقاله على موقع القناة 12، أن تعظيم الدور المصري على الدورين التركي والقطري ثمثل مصلحة عليا لإسرائيل قائلا:" إن القراءة الإسرائيلية لانكسار الجليد بين واشنطن والقاهرة، وبمبادرة من الرئيس جو بايدن، جعلت من السيسي العامل الأساسي الذي أدى إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس". وأضاف ليرمان أن الاحتلال رأى في القاهرة "العنوان السياسي الوحيد، بعد أن صدرت صراحة في أحيان سابقة محاولات من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري للترويج للوساطة التركية والقطرية".

الشواهد على أن الدور المصري مرسوم برعاية أمريكية ومباركة إسرائيلية كثيرة ولا يبقى إلا الحذر. 

Facebook Comments