خلال سبع سنوات من جمهورية عصابة الديكتاتور  عبدالفتاح السيسي الجديدة انفردت المخابرات والأجهزة الأمنية في التعامل مع الإعلام؛ فبات شكل التعامل الوحيد هو هاتف "السامسونج" الذي في يد "الرقيب" الجديد بالشكل الذي يمكنه من إلغاء المجلس الأعلى للصحافة وفرض شخصيات بعينها داخل نقابة الصحفيين واستعراض قوانين تزيد من خنق المنافذ وقمع الحريات وقصف الأقلام وإغلاق الفضاء الالكتروني أو تأميمه لصالح إدارة ملف الاعلام بجهاز المخابرات.

 

رجال الأعمال

وتشير الإجراءات الأخيرة إلى فرض منظومة إعلامية محددة، على الالتزام بضم كل القنوات وأخيرا قناة المحور بعد ضغوط على حسن راتب وإزاحته،  بعد شراء جهاز المخابرات صحيفة "المصري اليوم"، بالقبض على صلاح دياب ثم إزاحته.

وبدأ الإقصاء بـ"طارق نور"، فسارع بالتصالح مع "السيسي" وأقرّ نور صراحة بتدخل بعض أجهزة الدولة للاستحواذ على كيانات إعلامية قائمة واستحداث كيانات جديدة، ولكنه ادعى أن ذلك "إنقاذا لهذه الكيانات من السقوط وبطلب من ملاكها أنفسهم أحيانا".

أما نجيب ساويرس فأكد أنه اضطر للتخلي عن مجموعته الفضائية “أون تي في” لأنها سببت له صداعا وأغضبت الحكومة والقوى السياسية، رغم حرصه على تأكيد أنه لم يتعرض لضغوط مباشرة لبيعها.

https://twitter.com/ajmubasher/status/1374843225077395459
 

هاجس البداية

تقول ورقة نشرها "الشارع السياسي" أن انطباع السيسي عن إعلام رجال الأعمال، أخذه في 2014، عندما بثت القنوات الفضائية السالفة وغيرها مشاهد اللجان الانتخابية الخاوية والفارغة من الناخبين منتصف عام 2014. رجال الأعمال وظفوا الإعلام لإحراج السيسي بمشاهد العزوف الانتخابي، ورفض الشعب للسيسي، وتأكيد أن نتائج الانتخابات محسومة سلفا.

وفي أمثلة أولية، أحصت صحيفة "الوطن" تغطية أول خطاب للسيسي تحت عنوان “أربعون خطأ لغويا في خطاب السيسي الأول”. وأوقفت الأجهزة السيادية طبع بعض الصحف، منها "الوطن"، اعتراضا على موضوعات داخل العدد أو عناوين الملفات. وأوقفت المطابع عمليات طباعة نسخ الجريدة، حتى إجبار فريق التحرير على إدخال تعديلات، مع إعدام عشرات الآلاف من النسخ.

كما تحدثت الإعلامية المقربة من السلطة لميس الحديدي، خلال برنامجها على فضائية سي بي سي، منتقدة مجلس نواب العسكر بالقول، إن كل نائب خلفه جهاز يتحكم فيه ويزوده بالمعلومات، لكن ما لم تصرح به "الحديدي" أن مقولتها تلك تنطبق بشكل حرفي على مجتمع الإعلاميين أنفسهم، قبل أن تنطبق على نواب الانقلاب. وعلق السيسي على إشارات عجزه من قبل الإعلام، بالتهديد، قائلا: "هو القطاع بتاعكم ده مفيهوش مصايب ولا إيه"، وبقوله: "الإعلام مش فاهم حاجة"، وصولا إلى إشادته بإعلام عصر الستينيات.

https://twitter.com/amrelhady4000/status/1039925479313039361

إزاحة المستهلكين

تقول الورقة إن "إعلام خاضع لسيطرة الحكومة وموالية بشكل تام لجمال عبد الناصر"، لم تكن سخرية أو همسات من السيسي، ولكنها كانت بمنزلة إشارة البدء لخطة أُدخلت الإعلام المصري إلى عصر جديد، أو تُعيده إلى عصر قديم إن توخينا الدقة، عصر لم تكن فيه وسائل الإعلام مناصرة للسلطة فحسب، ولكنها مؤممة بشكل تام لخدمة مصالحها وترويج سردياتها الدعائية، وبدون أدنى قدر من التسامح مع أي خطاب مخالف أو معارض، ولو جاء على سبيل حفظ ماء الوجه.

وتنفيذا لهذه الرؤية، خرج من المشهد بشكل كامل، "توفيق عكاشة" وقناة الفراعين، كما حدث مبكرا مع "باسم يوسف" وبرنامجه "البرنامج" ثم حدث مع يسري فودة وريم ماجد من قناة "أون تي في"، التي كانت مملوكة في ذلك التوقيت لرجل الأعمال نجيب ساويرس، وصولا إلى إيقاف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى على قناة "القاهرة والناس"، بعد ممارسة ضغوط مكثفة على مالكها قطب الإعلانات الشهير طارق نور، وأخيرا استبعاد أبو لمونة خالد صلاح ثم تامر مرسي.

https://twitter.com/gamal_helal/status/1141149767185195008

تشريعات ضاغطة

ويرى مراقبون أن السيسي وجه إلى تحجيم دور الإعلام في الفترة المقبلة، فانشأ ترزية القوانين تضييقا على الإعلام من خلال تشريعات، ومحاولة تكبيد خسائر في سوق الإعلام عمومًا، لإجبار بعض الوسائل المعارضة أو التي تتجه للمعارضة على الإغلاق بسبب أزمات مالية طاحنة.

وأعاد السيسي ترسانة قوانين تحد من النشاط الإعلامي، مثل قانون الإرهاب الذي يعاقب بالحبس على نشر أي أخبار تخالف البيانات الرسمية في الأحداث التي تعتبرها الحكومة إرهابية، وقانون الكيانات الإعلامية الموحد المثير للجدل.

 

أسفل السلم العالمي

أجواء رقيب الستينيات جعلت مصر بتصنيف منظمة مراسلون بلا حدود في المرتبة 161 من بين 180 دولة في سلم احترام حرية التعبير والصحافة، كما وصل عدد المواقع الإعلامية المحجوبة في مصر إلى حد الآن نحو 600 موقعا بينها 116 موقعًا صحفيًّا و349 موقعًا لتجاوز الحجب، بحسب بيان صدر في نوفمبر الماضي، طالبت برفع الحجب عن المواقع ووقف شراء “معدات الرقابة على الحريات” وقالت إن مصر بذلك تنتهك الحق في المعرفة والتعبير، مطالبة بإلغاء النصوص التي تحجب المواقع باتهامات فضفاضة.

ويقبع في سجون الانقلاب نحو 80 صحفيا، قالت منظمة مراسلون بلا حدود الدولية إنهم يعيشون ظروفا صعبة في السجون، بظل تفشي وباء كورونا الذي ينذر بكارثة إذا وصل للسجناء.

 

استحواذ مقابل الحجب

وتستحوذ الشركة المتحدة للإعلام (شركة المخابرات) بشكل غير مباشر، على قنوات “أون تي في”، و”الحياة”، و”سي بي سي”، وقنوات الملحقة، وقناة “العاصمة”، و”تايم سبورت”، وقناة “الناس”، وقناة “مصر للقرآن كريم”. كما محطات راديو مثل “نغم إف إم”، و”ميغا إف إم”، و”راديو هيتس”، و”أون سبورت إف إم”، كما استحوذت على قنوات “دي إم سي”، و”راديو 9090″، وراديو “شعبي إف إم” وكلها مملوكة بشكل مباشر للمخابرات.

وتتعاون مع الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو) في تسيير قنوات “أون تايم سبورتس”، و”تايم سبورتس”، والقناة الأولى الرسمية.

وتحتكر إنتاج الدراما من خلال شركتي “سينرجي” و”سينرجي فيلمز”، وانضمت إليهما عن شركة ingredients التي تعمل بجانب شركة media hub، التي كان يتشارك في ملكيتها محمد السعدي وإيهاب جوهر، وشركة pod التي كان يملكها عمرو الفقي.

وتستحوذ الشركة على منصات البيع الإلكتروني، من خلال شركة “تذكرتي” لتنظيم مؤتمرات وحفلات، ومنظومة بيع تذاكر، ومنصة "Watch It " أو "شاهد" دراما – باشتراك مالي.

وبسوق الإعلام المكتوب، تستحوذ الشركة على صحف “اليوم السابع”، و”الوطن”، و”صوت الأمة”، و”الأسبوع”، و”الدستور”، موقع “مبتدأ”، وموقع “انفراد”، وموقع “دوت مصر”، و”وكالة الأخبار العربية” ANA ومجلات “بيزنس توداي”، و”إيجيبت توداي”، و”أموال الغد”، وتطبيق للهواتف يقدم خدمة إخبارية هو “زاجل". وبسوق الدعاية والإعلان تمتلك "المتحدة" شركة “بريزنتيشن سبورتس” وتحتكر الأنشطة الرياضية، وضمت “بريزنتيشن” شركة “استادات” بزعم تطوير منظومة الملاعب.

ويرى المراقبون أن التأميم سبقه خطوات احتكارية "مقننة" بتشريعات خادمة من السيسي ونوابه، وأن ذلك كشف الخلل في طريقة تفكير من يملكون القرار، كما كشف عن امتلاك الأجهزة السيادية سريًا للعديد من المؤسسات الإعلامية التي كانت تدعي الاستقلال منذ سنوات.

Facebook Comments