في ذكرى مرور سبع سنوات على تولي الجنرال المصري حكم البلاد، في حزيران/ يونيو 2014، هبت موجة إعلامية للإشادة بالإنجازات التي حققها، وذلك من قبل من وضعهم النظام الحاكم على رأس المؤسسات الإعلامية حفاظا على مواقعهم ومكاسبهم، وربما لكي يلفتوا أنظار الناس عن مشكلة سد النهضة بعض الوقت، مطمئنين إلى غياب الرأي الآخر الذي يكشف مزاعمهم ومبالغاتهم في الإشادة، في ظل استمرار المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

لكن تلك الهوجة كان لها أثرها المعاكس لدى كثير من المصريين، حين راجعوا ما تعرضوا له من قرارات مجحفة اقتصادية وسياسية واجتماعية، وزيادات بأسعار السلع والخدمات، وتزايد سيطرة الجيش على النشاط الاقتصادي على حساب القطاع الخاص المشغل الأكبر للعمالة، وتراجع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وزيادة الضرائب والرسوم المتنوعة، وتكميم الأفواه، حتى إن خطبة صلاة الجمعة أصبحت موحدة بعد أن أصبح موضوعها محددا من قبل وزارة الأوقاف.

وبينما توجد وزارة للتخطيط ضمن الوزارات المصرية، إلا أن العشوائية في اتخاذ القرارات الاقتصادية قد زادت معدلاتها، وأصبحت قرارات الجنرال هي المرجعية التي يجب على الجميع الانصياع لها، بداية من إنشاء تفريعة جديدة لقناة السويس قالت جمعية الملاحة الدولية إنها لم تطلبها، كما تقرر إتمامها خلال عام واحد مما اضطر للاستعانة بكراكات من أنحاء العالم بتكلفة أعلى، للوفاء بالتنفيذ بالموعد المحدد، رغم أن حركة التجارة العالمية حين ذاك كانت متراجعة.

لكن لا صوت يعلو على صوت الجنرال، وعندما تحدث محافظ المصرف المركزى حينذاك هشام رامز عن أثر تلك التفريعة السلبي على سعر صرف الجنيه أمام الدولار، كان مصيره الاستبعاد قبل انتهاء فترته بعام كامل، ليتعلم الجميع الدرس بتنفيذ الأوامر في الحياة المدنية وعدم النقاش، كما يحدث بالمؤسسة العسكرية، تحت شعار "نفذ الأمر ولو غلط".

54 في المائة من الموازنة لتكلفة الدين

ومن هنا فلا مجال للاعتراض على إنشاء عاصمة جديدة في بلد تزداد ديونه المحلية والخارجية، ولا مجال للاعتراض على إنشاء أكبر مسجد وأكبر كاتدرائية وأطول برج في أفريقيا، في بلد يشترك به أكثر من ثمانية ملايين شخص من سكانه في حمام واحد بالمكان الذي يسكنون به، كما جاء بتعداد السكان الأخير، ويبلغ عدد الفقراء فيه ثلث السكان حسب البيانات الرسمية وأكثر من ذلك حسب بيانات دولية.

ولتنفيذ ما يعنّ على ذهن الجنرال من أفكار مثل المقر الصيفي للحكومة في مدينة العلمين، وإقامة دار أوبرا جديدة في العاصمة الإدارية، والتوسع في بناء القصور الرئاسية وشراء الطائرات الرئاسية، وغير ذلك، لم تكف الموارد الحكومية فكان التوسع في فرض الضرائب والرسوم وخفض الدعم على المحروقات والغذاء، والتوسع في الإقتراض الداخلي والخارجي، رغم ما حصل عليه النظام من معونات خليجية.

وتسبب التوسع في الاقتراض الحكومي في ارتفاع قيمة فوائد الدين الحكومي في الموازنة الحكومية، من 173 مليار جنيه في العام المالي 2013-2014 إلى 568 مليار جنيه مصري في العام المالي 2019-2020، كما زادت أقساط الدين الحكومي من 107.5 مليار جنيه إلى 455.5 مليار جنيه بنفس فترة المقارنة، لتزيد تكلفة الدين الحكومي في الموازنة من فوائد وأقساط؛ من حوالي 281 مليار جنيه إلى 1024 مليار جنيه، ولترتفع نسبة تكلفة الدين إلى إجمالي الاستخدامات في الموازنة من 34 في المائة إلى 53.6 في المائة بنفس فترة المقارنة.

وهكذا لنا أن نتوقع كيف تسير باقي بنود الاستخدامات فب الموازنة من أجور ودعم واستثمارات، وشراء مستلزمات لإدارة دولاب العمل الحكومي ومساندة للهيئات الاقتصادية الخاسرة، في موازنة تستحوذ تكلفة الديون على أكثر من نصفها، حين تصبح الأولوية لدى صانع القرار المالي الوفاء بفوائد وأقساط الديون حتى يمكن الاستمرار في الاقتراض لسد العجز المزمن بالموازنة، والذي ارتفع من 255 مليار جنيه للعجز الكلي إلى 463 مليار جنيه في نفس فترة المقارنة.

ولهذا لم يتم الوفاء بما تقرر من استثمارات حكومية خلال السنوات المالية منذ تولي الجنرال، رغم تغني المسؤولين بتلك الأرقام والتي لم تتحقق بأي عام مالي خلال السنوات المالية السبع الأخيرة. والنتيجة تردي مستوى الخدمات، خاصة التعليمية والصحية والرياضية والشبابية والنظافة ومحو الأمية وغيرها.

استمرار ارتفاع كثافة الفصول التعليمية

وها هي بيانات مركز معلومات وزارة التربية والتعليم تشير إلى ارتفاع متوسط كثافة الفصول بكافة المراحل التعليمية خلال سنوات تولي الجنرال، حيث ارتفع متوسط الكثافة من 41 تلميذا بالفصل في العام المالي 2013/2014 (قبل توليه السلطة رسميا)، إلى 49.5 تلميذ في العام الدراسي 2020-2021، وهي معدلات تنعكس سلبيا على مدى استيعاب التلاميذ للدروس إلى جانب أضرارها الصحية.

وزاد متوسط الكثافة في التعليم الابتدائي من 44.3 تليميذ إلى 55.1 تلميذ، في نفس فترة المقارنة. كذلك في التعليم الإعدادي زادت الكثافة من 41.4 تلميذ إلى 50.3 تلميذ، وهو ما تكرر مع الفصول بمرحلة الثانوي العام والثانوي الصناعي والثانوي الزراعي والثانوي التجاري، وغيرها من المراحل التعليمية، وذلك بسبب عدم استطاعة النظام رصد المبالغ الكافية لتقليل الكثافات في الفصول، ولاستيعاب الداخلين الجدد للمدارس في ظل معدل مواليد بلغ بعد انخفاضه 2.3 مليون طفل سنويا.

وبينما تتحدث التصريحات الرسمية عن استهداف تنفيذ عشرة آلاف فصل دراسى سنويا، وتم رفعها إلى 15 ألف فصل خلال العامين الأخيرين، لكن زيادة عدد الفصول الفعلية حسب مركز معلومات وزارة التربية والتعليم بلغ 31 ألف فصل خلال السنوات السبع، أي بمتوسط سنوي 6577 فصلا.

وفي المجال الصحي، أشارت بيانات جهاز الإحصاء الرسمي إلى انخفاض عدد المستشفيات الحكومية، من 659 مستشفى عام 2014 إلى 652 مستشفى عام 2019، رغم زيادة عدد السكان، كما انخفض عدد الأسرّة في المستشفيات الحكومية من حوالي 98 ألف سرير إلى أقل من 93 ألف سرير في نفس فترة المقارنة، والتي انخفض فيها عدد الأطباء البشريين في المستشفيات الحكومية من 96 ألف طبيب إلى 93 ألف طبيب.

194 ألف شقة مقابل 953 ألف زيجة

وانعكس الأمر على المساعدات والمعاشات الحكومية للفقراء، حيث ظل معاش الضمان الاجتماعي ثابتا، منذ نيسان/ أبريل 2014 وحتى الآن، بمبالغ هزيلة لا تتناسب مع مستويات الأسعار، حيث تصل إلى 323 جنيها في الشهر للأسرة المكونة من فرد واحد، و360 جنيها للأسرة المكونة من فردين و413 جنيها للأسرة المكونة من ثلاثة أفراد، و450 جنيها للأسرة المكونة من أربعة أشخاص فأكثر.

وتسببت عوامل انحسار دور القطاع الخاص بالنشاط الاقتصادي وزيادة البطالة وزيادة الأسعار والضرائب الرسوم، في تراجع القوى الشرائية، ما زاد نسبة الفقر حسب البيانات الرسمية من 27.8 في المائة عام 2015 إلى 32.5 في المائة خلال عام 2017-2018. وذكرت السلطات أن النسبة قد انخفضت إلى 29.7 في المائة خلال العام 2019-2020، لكنها لم تذكر أنها استبعدت فترة انتشار وباء كورونا من تلك الدراسة، وبما يعني أن الواقع الحالي للفقر والذي زاد بعد كورونا أكبر مما تذكره السلطات في تصريحاتها.

ومن الآثار الاجتماعية لذلك تراجع أعداد ومعدلات الزواج، وفي نفس الوقت زيادة أعداد ومعدلات الطلاق، حيث انخفض عدد عقود الزواج من 953 ألف عقد في عام 2014 إلى 928 ألفا عام 2019، لتنخفض النسبة من 10.8 في الألف إلى 9.4 في الألف، وعلى الجانب الآخر زادت معدلات الطلاق من 180 ألف حالة عام 2014 إلى 226 ألفا عام 2019.

وفي ظل تلك الأعداد لحالات الزواج والطلاق، نجد بيانات جهاز الإحصاء الرسمي، تشير إلى بلوغ عدد الوحدات السكنية المنفذة خلال عام 2019-2020، نحو 194 ألف وحدة سكنية؛ ساهم القطاع الخاص بنحو 109 آلاف وحدة منها، والقطاع العام الحكومي بنحو 85 ألف وحدة سكنية.

ورغم أن عدد الوحدات السكنية الجديدة أقل كثيرا من عدد حالات الزواج السنوية، فإن المشكلة الأكبر هي ارتفاع أسعار تلك الوحدات، حتى إن أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي المدعومة من الحكومة تصل إلى حوالي ربع المليون جنيه، وهو ما يعجز عنه غالبية الشباب.

………………………

نقلا عن: عربي 21

Facebook Comments