فى العامين الدراسيين: 1982، 1983 سكنتُ فى «المبنى رقم 8» بالمدينة الجامعية بجامعة القاهرة، وكان يسكن معنا فى المبنى ذاته زميل (من قسم العلاقات العامة)، يسبقنا بدفعتين، من الدقهلية. كان هذا الشاب يصلى بنا إمامًا بقصار السور، غير أنه كان عذب الصوت، خطيبًا مفوهًا، وكان حليقًا، وسيمًا جسيمًا يلفت الانتباه بأناقته وحيويته. ولتمرُّسه فى الإلقاء كان يخطب الجمعة -أحيانًا- فى بعض مساجد منطقة «بين السرايات»، وكنا -طلبة المبنى- نحضر معه هذه الخطب؛ دعمًا له، وافتخارًا بزميلنا الذى يرتدى القميص والبنطلون ولديه هذه الموهبة التى يفتقدها كثير من المشايخ التقليديين..

وتخرَّج هذا الشاب/ الشيخ فى عام 1983، وافتقدنا صحبته وحضوره، وتخرَّجنا نحن كذلك وتفرقت بنا السبل وليس هناك أثر لهذا الداعية الصغير.. ثم علمنا أنه سافر إلى «السعودية» بعقد عمل مجزٍ فى إحدى شركات البترول الشهيرة.. ثم بعد سنوات ظهر فجأة فى وسائل الإعلام المصرية؛ شيخًا وقورًا خافض الطرف، يلبس جلبابًا ويضع على رأسه «شالًا أبيض»، ذا لحية كثة طويلة بشكل ملحوظ.. وسرعان ما صار هذا «الشيخ» نجمًا تلفزيونيًّا، له أشرطة وأسطوانات توزع بالملايين، وله مساجد يدرِّس فيها، وله أنصار وحواريون، كما له أملاك، وزوجات، وقناة فضائية، وسيارة «هامر» و«بودى جاردات»..

ماذا جرى؟ هذا هو السر فى «صناعة المشايخ» كما يُصنع مشاهير الصحافة والفن والسياسة، ولو كانوا متواضعى الموهبة، تصنعهم الأنظمة لحاجة فى نفسها، بالتلميع والإبهار، والترويج والدعاية لهذا «البطل/ البطلة» حتى يصير فى الصدارة، زعيمًا وموجهًا، ذا مكانة وتأثير. وهذه الصناعة معقدة؛ حيث تمر بمراحل عدة لضمان جودة «المنتج» فيما بعد، وأن يكون رهن «الجهة السيادية»، لديه القدرة على التلون والتمثيل، والتبرير والخداع؛ فيتم اختيار الطموحين المتطلعين ممن ليست لهم انتماءات ومبادئ، فيغدقون عليهم بالمال ويغرقونهم فى النعيم حتى يألفوه، ثم يعبِّدون طريقهم إلى الشهرة كما ذكرنا، ويعطونهم فوق كل ذلك ألقاب شرف -وهم ليسوا أهلًا لها-؛ فهذا «أعلم أهل الأرض»، وذاك «شيخ المشايخ» إلخ.

و«إسلام هؤلاء المشايخ» هو الإسلام «الوسطى الجميل»، الخالى من السياسة، منزوع الإصلاح والتغيير، ليس فيه حديث عن «أمراض المجتمع»، المحصور فى أبواب: فقه الطهارة والصلاة، والخطبة والزواج، والغسل والتكفين وغيرها من أبواب تزكية الأنفس و«إيثار السلامة»؛ من ثم تبعهم خلق كثير ممن يريدون إسلامًا بلا تكاليف، مهتمًّا بأمور العبادات والهدى الظاهر، وهذا عينُ ما تريده الأنظمة ويحثُّ عليه دعاتها الرسميون.

ولـ«هؤلاء المشايخ» أدوار لا يخرجون عنها، تحددها «الجهة السيادية»؛ فهم مكلفون بالإلهاء، ومكلفون بتبرير الظلم والاستبداد، وتمرير الطغيان، وتخدير العوام بنصوص قاموا بإخراجها عن سياقها بدعاوى خادعة مثل حديث طاعة الحاكم ولو جلد الظهر وأخذ المال، فضلًا عن الصمت التام إزاء المذابح التى تقع على المسلمين، فى الداخل والخارج. أما أهم أدوارهم والذى لم يعد سرًّا فهو مواجهتهم للجماعات الإسلامية الإصلاحية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، بتشويه رموزها، والتشكيك فى أهدافها، وإظهار المنتمين إليها كأنهم متطرفون أو خوارج، وانتقاص علمهم وعباداتهم، وهذا ما يجرُّهم إلى الدفاع عن علمانية الأنظمة، بل الدفاع عن مبادئها الرافضة لفكرة الدين من الأساس.

وإذا كانت هذه «اللعبة» تُمارَس منذ عقود فإنها لم تظهر للجمهور إلا عقب «الثورة» ثم «الانقلاب»؛ حيث وضحت حقيقة هؤلاء «المشايخ» بعد صدام النظامين بالشعب، فاستُحضر «المشايخ»، فأما زميل «مبنى رقم 8» فقد خرج إلى «ميدان التحرير» ينهاهم عن الثورة، ويحذرهم من الخروج على «ولى الأمر» (الذى سرق 70 مليار جنيه من أموال الثائرين)، وتتالت خيبات ومفاجآت «المشايخ» حتى بلغت أقصاها مع أحداث الانقلاب ووقوع المذابح المتكررة؛ فتأكد أنهم ليسوا حرَّاسًا فقط لتلك الأنظمة المجرمة، بل خطرًا على الدين ذاته؛ إذ حاربوا التيار الإسلامى فى السنة التى حكم فيها حربًا لا أخلاق فيها ولا مروءة حتى ألَّبوا الناس عليهم، ووضعوا أيديهم فى أيدى القتلة، ودعموهم بالمقال والفعال، وحتى الذى تعفف منهم عن الخوض فى دماء المسلمين قصر محاضراته وقت نزيف الدماء على موضوعات من مثل الإجابة عن سؤال: «هل يجوز أكل القراميط؟»!

لست متعاطفًا مع كل من تخلى عن المظلومين، أو شق صف الأمة وخدع الشباب، أو جزأ الإسلام فآمن ببعض وكفر ببعض، أو شوه الدين وأظهره للعامة كأن به تناقضًا وريبًا.. لست مع من كسروا هيبة الشرع وانتقصوا صورة الدعاة إلى الله؛ باستسلامهم وتفريطهم وتشجيعهم للأنظمة المستبدة على النيل من إخوانهم.. بل إننى سعيد بانكشاف غطاء الستر عمن خدعونا وآذونا وأعطوا الفرصة لأكابر المجرمين، من العلمانيين وغيرهم، للتقول على الدين.

Facebook Comments