لم يكن دور محمد البلتاجي وأسامة ياسين وصفوت حجازي دورا عاديا في ثورة 25 يناير (2011).. كان هذا الثلاثي هو النواة الصلبة لميدان التحرير، ولكل منهم طريقته في قيادة وإلهاب الميدان، وشحذ الثوار، فكان البلتاجي منسق العلاقات بين القوى الثورية المختلفة، وكان ياسين هو القائد الميداني الذي يشرف على الحشد والعمليات اللوجستية في الميدان مكلفا من جماعته (الإخوان المسلمين)، وكان حجازي هو الخطيب الأبرز، و”دينامو” الميدان.

ولذا كان متوقعا على نطاق واسع أن يكون نصيب هؤلاء من تنكيل الثورة المضادة هو الأكبر من كل أقرانهم. وقد مثل الحكم الأخير من محكمة النقض بحقهم، برفقة تسعة آخرين في ما عرف بقضية فض رابعة، ذروة التنكيل، حيث أصبح الحكم نهائيا ينتظر التنفيذ في أي لحظة.

هذه القضية بحد ذاتها (قضية فض رابعة) نموذج صارخ للقضاء الهزلي، فالاعتصام السلمي الذي شهده ميدان رابعة لمدة خمسين يوما تقريبا انتهى بمذبحة مروعة، راح ضحيتها بين الألف والثلاثة آلاف شهيد بحسب الروايات المتباينة، ووُصفت تلك المذبحة الأبشع في تاريخ مصر بأنها “جريمة ضد الإنسانية” في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية. ورغم الاتهامات المتتالية من النظام وأذرعه الإعلامية عن اكتظاظ الاعتصام بأنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، إلا أن وزير الداخلية اعترف بضبط 14 قطعة سلاح خفيف فقط خلال عملية الفض. وبدلا من محاكمة المسئولين عن قتل مئات المعتصمين السلميين، أحال النظام المعتصمين الضحايا إلى جناة، وحكمت محاكمه المنتقاة بإعدامهم أو سجنهم لفترات طويلة.

أكثر من 700 معتصم أحيلوا للقضاء بتهمة التجمهر المسلح وقطع الطرق وتعطيل مصالح المواطنين، ضاقت بهم قاعات المحاكم، وتعذر حضورهم أكثر من مرة بسبب ضيق المكان، فتم نصب المحكمة في ساحات تابعة لوزارة الداخلية التي نفذت المذبحة بالتعاون مع الجيش، وحكمت محكمة الجنايات على 75 منهم بالإعدام في أيلول/ سبتمبر 2018، ثم أيدت محكمة النقض الإعدام بحق 12 منهم، بخلاف أحكام المؤبد والسجن المشدد لمئات آخرين، رغم أن الاعتصام هو عمل قانوني مشروع، ورغم أنه لا يمكن اعتباره مسلحا لوجود 14 قطعة سلاح خفيف، لكن الأهم أن من ارتكبوا المذبحة وقتلوا قرابة الألف بحسب التقارير الرسمية؛ لم تتم محاسبتهم حتى الآن، بل تمت مكافأتهم، وترقيتهم في وظائفهم، كما أصدر السيسي تشريعا بتحصين جنرالاته الذين شاركوا في تلك المذبحة وغيرها من المذابح من أي مساءلة.

في آب/ أغسطس 2016 وقف الشاب محمود الأحمدي أمام المحكمة مدافعا عن نفسه في مواجهة اتهامات باطلة بقتل النائب العام في 2015، وكان مما قاله للمحكمة التي ادعت أنه اعترف في التحقيقات بالتهمة؛ إن هذه الاعترافات انتزعت تحت التعذيب، وأنه وزملاءه في القضية تعرضوا للصعق بالكهرباء لفترات طويلة حتى امتلأت أجسامهم بشحنات كهرباء تكفي مصر لمدة عشرين عاما!! وتحدى رئيس المحكمة بأنه قادر على دفع أي شخص للاعتراف بقتل السادات لو أنه (أي محمود) امتلك نفس الصاعق الكهربائي الذي عذبه.

لم تشفع تلك المرافعة المؤثرة لمحمود في حينه، حيث أصدرت المحكمة حكمها بإعدام محمود وشقيقه وعدد آخر من رفاقه في القضية، ثم أيدت محكمة النقض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 الحكم بإعدام تسعة شباب، ليتم التنفيذ في شباط/ فبراير 2019.

ولم تشفع أي من المرافعات والأدلة الدامغة في إنقاذ معتصمي رابعة من حكم الإعدام والأحكام المشددة الأخرى، فقد انعقدت نية النظام على هذه الأحكام لإكمال الانتقام من المعتصمين، فمن لم يم يمت برصاص الجيش والشرطة خلال عملية الفض، فإن الموت ينتظره على أعواد المشانق، أو موتا بطيئا في السجون.

لك أن تعلم عزيزي القارئ أن ستة من المحكومين بالإعدام في قضية فض رابعة لم يشهدوا لحظة الفض، حيث كانوا بالفعل في قبضة الأجهزة الأمنية محبوسين على ذمة اتهامات أخرى قبل ثلاثة أسابيع من عملية الفض، ومع ذلك شملتهم الأحكام الجائرة.

97 مصريا تم إعدامهم على خلفيات سياسية منذ انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 وحتى الآن، بخلاف 81 صدرت بحقهم أحكام نهائية وينتظرون التنفيذ في أي لحظة، لتتبوأ مصر المركز الثالث عالميا في تنفيذ أحكام الإعدام، زاحفة بسرعة إلى المركز الأول، غير عابئة بأي انتقادات دولية، سواء ما صدر عن هيئات تابعة للأمم المتحدة أو مؤسسات دولية أخرى، في تحد واضح للرأي العام الدولي، بينما هي في مسيس الحاجة للدعم في أخطر تحد يواجهها وهو السد الإثيوبي.

وبمناسبة أزمة السد الإثيوبي، فإن من الواضح أن النظام المصري لا يعطي أولوية لتلك الأزمة بل الأولوية هي تأديب شعبه، وتحديدا من يطالبون بالحرية والديمقراطية، ولقمة العيش الكريم، ومن طليعته الثورية الساعية للتغيير، وخاصة من قادوا أو شاركوا في ثورة الخامس والعشرين من يناير (2011)، والذين يقبع الآلاف منهم من مختلف المشارب في غياهب السجون، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، منهم من صدرت بحقه أحكام مغلظة، ومنهم من ينتظر، ولا تزال دائرة الانتقام منهم تتسع يوما بعد يوم.

وفي الوقت الذي تحتاج فيه مصر إلى توحيد صف أبنائها وحشد كل طاقاتها لمواجهة الأزمة المصيرية الخاصة بشريان الحياة (نهر النيل)، فإن النظام الحاكم يواصل خطواته لنشر الكراهية و”المكارثية” في البلاد، كما أن الدماء التي تسيل سواء في الشوارع أو على أعواد المشانق تحفر في جسم الوطن المزيد من الأخاديد، وتمهد التربة لاستنبات المزيد من الإرهاب، الذي يدفع ثمنه الجميع.

………………….

نقلا عن: عربي 21

Facebook Comments