شهدت انتخابات أقاليم فرنسا عدة مؤشرات بالغة الدلالة بشأن تنبؤات الانتخابات الرئاسية المرتقبة العام المقبل؛ حث كان العزوف الجماهيري عن المشاركة في التصويت هو العنوان الأبرز ، لكن الأهم أن اليمين المتطرف بزعامة ماريان لوبان وكذلك حزب "الجمهورية إلى الأمام" الذي يقوده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد تلقيا لطمة قوية من الناخبين الفرنسين في الجولة الثانية التي جرت الأحد 27 يونيو 2021م.

نتائج   انتخابات الأقاليم كشفت عن فشل اليمين المتطرف في تحقيق فوز عريض كانت بعض استطلاعات الرأي قد توقعته لكن مرشحيه خسروا في جميع المناطق حتى منطقة "بروفانس ــ ألب كوت دازور" التي كانت متقدما فيها في الجولة التي أجريت الأحد 20 يونيو 2021م.  في ذات السياق، لم يحقق أي من مرشحي حزب الرئيس ماكرون "الجمهورية إلى الأمام" أي انتصار، الأمر الذي يطرح علامات استفهام ضخمة بشأن حظوظ ماكرون في الانتخابات الرئاسية المقررة بعد 10 أشهر من الآن.

وتدنت نسبة الإقبال بصورة غير مسبوقة، وبلغت نسبة الامتناع عن التصويت نحو 68.5%، في الجولة الأولى على الرغم من تزامن الانتخابات مع انتهاء نحو سبعة أشهر من القيود الصارمة على الحريات المدنية بسبب جائحة كورونا ووسط طقس مشمس. وتوقع البعض أن ترتفع نسبة الإقبال في الجولة الثانية، مع تكثيف المرشحين والأحزاب لحملاتهم الهادفة لخروج الناخبين والتوجه نحو مراكز الاقتراع. لكن ذلك لم يفلح، واستمر عزوف الفرنسيين عن الإدلاء بأصواتهم، في مؤشر على عمق الأزمة التي تواجهها الجمهورية الخامسة في فرنسا والتي أسسها شارل ديغول، بحسب المحللين.

ويرى محللون ومراقبون أن العزوف الجماهيري يمثل مؤشرا بالغ الخطورة يخص العملية الديمقراطية برمتها في الجمهورية الخامسة التي أصبحت في مأزق حقيقي بسبب عزوف الناخبين عن التصويت بتلك النسبة القياسية في التدني.

ويعزو كثير من المحللين أسباب هذه العزوف عدم حدوث تغيير حقيقي في السياسات وعدم تحقيق المرشحين لوعودهم؛ فالأحزاب التقليدية مثل الحزب الاشتراكي (يسار) وحزب "الجمهورية" يمين قد فقدت كثيراً من أرضيتها الشعبية، بينما فشل اليمين المتطرف "التجمع الوطني" في حشد أنصاره للخروج إلى صناديق الاقتراع، باستثناء الانتخابات الرئاسية.

ولا يمتلك حزب ماكرون "الجمهورية إلى الأمام" شعبية جماهيرية في الأقاليم بفرنسا، لأن الحزب الذي أسسه ماكرون قبل انتخابات الرئاسة التي فاز بها عام 2017 لم يضِف جديداً للحياة السياسية في البلاد، وأن الحزب هدفه الرئيسي "خدمة ماكرون وليس خدمة العملية السياسية في البلاد".

وبحسب نتائج الانتخابات فإن تيار اليمين المتطرف، الذي تعتبر ماريان لوبان رمزه الرئيسي، كان الخاسر الأكبر في الجولة الثانية من انتخابات الأقاليم، وقد أقرت لوبان نفسها بهذه الحقيقة. فقد أقرت لوبان بالخسارة مساء الأحد وقالت: "هذا المساء، لن نفوز بأي منطقة"، متحدثة عن "أزمة عميقة على صعيد الديمقراطية المحلية"، لكنها شددت على أن "التعبئة هي مفتاح الانتصارات في المستقبل"، في إشارة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وأظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة إيفوب حصول اليمين المتطرف على 44.2% من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات في بروفانس ألب كوت دازور مقابل 55.8% لتيار المحافظين. وأظهر استطلاع آخر أجرته مؤسسة أوبينيان واي أن اليمين المتطرف حصل على 45% من الأصوات مقابل 55% لمنافسيه. وفي منطقة أوت دو فرانس الشمالية، أظهرت استطلاعات الرأي أن بطاقة يمين الوسط برئاسة المحافظ كزافييه برتران، وهو مرشح آخر للانتخابات الرئاسية لعام 2022، تتجه لتحقيق فوز مريح على اليمين المتطرف.

وتشير هذه النتائج تساؤلات جدية حول مدى نجاح استراتيجية لوبان في تحسين صورة حزبها المناهض للهجرة والمشكك في منطقة اليورو، من أجل محاولة كسب أصوات الناخبين من تيار اليمين التقليدي. ومع ذلك، يقول محللون إن الفشل الواضح للوبان وحزبها في الفوز في اثنين من معاقل اليمين المتطرف ينبغي ألا يتم إسقاطه على الانتخابات الرئاسية العام المقبل، بحسب تقرير لفرانس24.

ذات الأمر ينطبق على حزب إيمانويل ماكرون "الجمهورية إلى الأمام" الذي أبدى خيبة أمله في أعقاب ظهور النتائج الأولية للانتخابات، فحزب "الرئيس" لم يفز بأي منطقة، وهذا مؤشر خطير بالنسبة إلى "خيبة أمل للغالبية الرئاسية" وذلك قبل عشرة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وفق رئيس الحزب ستانيسلاس غيريني.

وكان حزب الرئيس الفرنسي الذي أنشئ في عام 2017 ولا يملك قواعد شعبية في المناطق، قد تلقى نكسة كبيرة في الدورة الأولى من الاستحقاق التي أجريت الأحد الماضي، إذ لم يتمكن من الفوز بأي من المناطق الـ13.

ويرى فريق من المحللين أن الفشل في انتخابات الأقاليم ليس معيارا لما يمكن التبؤ به في الانتخابات الرئاسية المقررة بعد عشرة شهور؛ لأن الاستحقاق الرئاسي له أحكامه وقواعده الخاصة وعادة ما يحمل مفاجآت لما بها من تحالفات. ويستند هؤلاء على أن العزوف الجماهيري عن المشاركة الذي وقع في انتخابات الأقاليم لن يتكرر ـ على الأرجح ــ في الانتخابات الرئاسية من ناحية، كما أن عدم وجود شخصية سياسية تحظى بشعبية واضحة على الساحة الفرنسية قد يصب في صالح ماكرون، كما حدث في انتخابات 2017 التي فاز بها.

ويتوقع البعض أن يتكرر مشهد انتخابات الرئاسة في 2017م إذا لم تحدث مفاجآت كبرى خلال الشهور المقبلة،  لتنتهي الجولة الأولى بوصول ماكرون ولوبان إلى الجولة الثانية الحاسمة. معنى ذلك أن الفوز بالرئاسة المقبلة قد يكون مفتوحا على كافة الاحتمالات لأن ماكرون حسم الصراع المرة الماضية بعد أن حظى بدعم اليسار واليمين التقليدي المحافظ  والناخبين المسلمين لكن ماكرون قد خسر أصوات اليسار والمسلمين بسياساته العنصرية البغيضة المعادية للإسلام بعدما أثار غضب الجميع بتصريحاته عما وصفها بـ"الانعزالية الإسلاموية".

Facebook Comments