يعتمد المغرب بنسبة 57 في المائة من استهلاكه للطاقة على النفط، ولكونه دولة غير منتجة للنفط فإن واردات الوقود تشكل نسبة كبيرة من الواردات، وترتفع تلك النسبة بارتفاع أسعار النفط كما هو الحال في العام الحالي، مع بلوغ متوسط سعر خام برنت إلى 70 دولار للبرميل بشهر آب/ أغسطس الماضي مقابل 42 دولار في العام الماضي.

كما ارتفع سعر الفحم الأسترالي وفحم جنوب أفريقيا في العام الحالي لحوالي الضعفين بالمقارنة بأسعار العام الماضي، وهو الوقود الذي شكل نسبة 32 في المائة من موارد الطاقة في العام الماضي، مما يزيد من فاتورة الواردات.

ولكون المغرب دولة مستوردة للحبوب خاصة القمح والذرة والشعير، فإنه سيتأثر بارتفاع سعر القمح إلى 276 دولارا للطن في الشهر الماضي مقابل 228 دولارا في العام الماضي، وكذلك ارتفاع سعر طن الذرة إلى 257 دولارا مقابل 165.5 دولار في نفس فترة المقارنة، وكذلك ارتفع سعر السكر، وهو ما يزيد من فاتورة الواردات.

ورغم زيادة سعر صخور الفوسفات إلى 137 دولارا للطن مقابل 76 دولارا في العام الماضي، وهو ما يساهم في زيادة الصادرات باعتبارها دولة مصدرة للفوسفات والأسمدة، إلا أن الوزن النسبي للفوسفات من مجمل الصادرات ليس كبيرا، وبما يؤدي في المجمل إلى استمرار العجز في الميزان التجاري، وهو العجز التجاري السلعي المستمر بلا انقطاع خلال العشرين عاما الماضية، مع تراجع نسبة تغطية الصادرات للواردات من أكثر من 60 في المائة، في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، إلى أقل من ذلك في السنوات الأخيرة. ورغم تحسن نسبة التغطية في العام الماضي، إلا أن ذلك ارتبط بتراجع الواردات نتيجة انخفاض أسعار النفط وتأثير فيروس كورونا على التجارة الدولية.

التغيرات المناخية وتذبذب النمو

ورغم تحقيق المغرب فائضا مستمرا في ميزان التجارة الخدمية بسبب الإيرادات السياحية، إلا أن العجز التجاري السلعي عادة ما يكون أكبر من الفائض الخدمي، بما يؤدي إلى العجز المستمر في ميزان السلع والخدمات. ورغم ما يحققه المغرب من إيرادات من تحويلات العمالة المغربية في الخارج والمعونات الخارجية، إلا أن العجز يصيب ميزان المعاملات الجارية منذ عام 2007 وحتى العام الماضي، وتوقع صندوق النقد استمرار ذلك العجز حتى عام 2026.

عامل آخر مؤثر في الاقتصاد المغربي وهو عدم استقرار التغيرات المناخية، حيث تعتمد الزارعة على سقوط الأمطار، وهي النشاط الذي يشكل نسبة جيدة من الناتج المحلى الإجمالى، كما يستوعب حوالي ثلث العمالة، وهكذا تؤثر فترات الجفاف كما حدث بالعام الماضي على نقص إنتاج المحاصيل الزراعية، وتعويض ذلك بالإستيراد علاوة على تأثر الصادرات الزراعية.

وحقق النشاط السياحي إيرادات جيدة خلال السنوات الأخيرة، حتى بلغت 8.2 مليار دولار عام 2019، لكن تداعيات فيروس كورونا أدت إلى تراجع تلك الإيردات بنسبة 54 في المائة خلال العام الماضي، مع انخفاض عدد السياح الواصلين بنسبة 78.5 في المائة.

وانعكس تراجع النشاط الاقتصادي وتأثره بحالة الانكماش في العديد من الدول الأوروبية؛ على معدل النمو خلال العام الماضي ليسجل انكماشا بنسبة 7 في المائة، وهو أمر لم يحدث خلال العشرين عاما الماضية، فرغم ظروف الجفاف في بعض السنوات والتي تؤثر عادة على انخفاض معدل النمو، إلا أنه ظل موجبا طوال تلك السنوات العشرين.

أوروبا الشريك التجاري والسياحي الأول

وتمثل أوروبا بحكم القرب الجغرافي والعلاقات التاريخية الشريك التجاري الأكبر، حيث بلغ نصيبها من التجارة الخارجية في العام الماضي 66 في المائة، ونصيبها من السياحة الأجنبية الواصلة 78 في المائة، كما تستوعب الدول الأوروبية الكم الأكبر من العمالة المغربية بالخارج، وبالتالي النصيب الأكبر من تحويلات تلك العمالة.

ومن هنا فقد توقع صندوق النقد الدولي عودة النمو الموجب بنسبة 4.5 في المائة للاقتصاد المغربي خلال العام الحالي، متأثرا بتحسن الظروف المناخية خلال العام، والنمو المتوقع في الدول الأوروبية، كما توقع الصندوق استمرار النمو الموجب خلال السنوات القليلة المقبلة ولكن بنسب أقل.

ودفع نقص قيمة الصادرات السلعية والخدمية في العام الماضي بالمقارنة للعام الأسبق، إلى زيادة الاقتراض الخارجي خاصة من صندوق النقد الدولي، حتى بلغت قيمة الديون الخارجية حسب بيانات البنك الدولي 61.7 مليار دولار بنهاية عام 2020، مقابل 54.7 مليار دولار بنهاية 2019.

واستمر الدين الخارجي في الارتفاع ليصل إلى 63.7 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام الحالي، بينما بلغت قيمة احتياطيات النقد الأجنبي حوالي 36 مليار دولار بنهاية عام 2020. وتزيد بيانات الدين الخارجي حسب البنك الدولي عن بيانات المصرف المركزي المغربي وبيانات صندوق النقد العربي الخاصة بالدين الخارجي.

وتعاني الموازنة المغربية من العجز المستمر منذ عام 2009، لكن تداعيات فيروس كورونا، وبرامج المساندة الحكومية للقطاعات المتضررة، أدت لزيادة نسبة العجز ف في الموازنة في العام الماضي إلى 7.6 في المائة، وهي نسبة غير مسبوقة، مما زاد من الدين العام المحلي. وتوقع صندوق النقد الدولي استمرار العجز في الموازنة المغربية خلال السنوات الخمس المقبلة، مع توقعه انخفاضا تدريجيا لنسبة العجز حتى يصل إلى 3.4 في المائة عام 2026.

نسب عالية للأمية

ورغم احتلال المغرب المركز 53 في مؤشر سهولة الأعمال عام 2020، والمركز 75 في مؤشر التنافسية الدولية عام 2019، إلا أنه احتل المركز 121 في مؤشر التنمية البشرية لعام 2019، والمركز 80 في مؤشر الفساد لعام 2019، وهو المؤشر الذي يشير إلى أن ارتفاع رقم الترتيب يعني معدلا أكبر من الفساد.

وجاء هذا الترتيب المتأخر في مؤشر التنمية البشرية نظرا لارتفاع نسبة الأمية إلى أكثر من 26 في المائة، وتصل إلى 35 في المائة لدى الإناث، كما تصل نسبة التسرب التعليمي في مرحلة التعليم الأولى إلى 3.1 في المائة، وترتفع نسب الفقر إلى 15 في المائة حسب بيانات دولية، بينما تقل عن ذلك حسب البيانات المحلية.

وتصل كثافة الأطباء إلى سبعة أطباء لكل عشرة آلاف شخص، مع وجود سرير بمستشفى لكل ألف شخص. كما تصل نسبة مياه الشرب النقية المُحسنة في الريف إلى 79 في المائة، وتصل نسبة الصرف الصحي المُحسن في الريف إلى 81 في المائة.

وحسب البيانات الحكومية، فقد بلغت نسبة البطالة ف العام الماضي 11.9 في المائة، مقابل نسبة 9.2 في المائة عام 2019. وترتفع نسبة البطالة في الحضر إلى 15.8 في المائة مقابل 5.9 في المائة بالريف، كما ترفع نسبة البطالة لدى الإناث إلى 16.2 في المائة مقابل 10.7 في المائة للذكور.

وتصل نسبة بطالة الشباب من سن 15 إلى 24 سنة 31 في المائة، مما يزيد من معدلات الهجرة للخارج. وتبلغ نسبة البطالة بين الحاصلين على شهادة دراسية 18.5 في المائة، بينما تقل إلى 5.6 في المائة بين غير الحاصلين على شهادات.

وتطالب تقارير دولية بإصلاح نظام التعليم والقضاء والصحة، وضرورة مواجهة ارتفاع نسبة البطالة والفقر والأمية وعلاج الخلل بمعدلات توزيع الدخل، وإعطاء صلاحيات أكبر للحكومات المنتخبة في ضوء هيمنة القصر الملكي على معظم الصلاحيات.
 

Facebook Comments