مستشفيات التأمين الصحي في عهد الانقلاب اسم على غير مسمى فهي لا تقوم بعلاج المرضى ولا تقدم لهم دواء بل تجبرهم على الدخول في مستنقع معاناة كعب داير من هنا إلى هناك ومن هناك إلى هنا، وهكذا تتزايد الآلام والأوجاع على المرضى وقد تنتهي بهم هذه الرحلة إلى الانتقال إلى الدار الآخرة إيمانا بأن ما عند الله خير وأبقى من هذه الكوارث الانقلابية التي تغرق الشعب المصري كله في دوامات لا تنتهي ولا تتوقف  .

يشار إلى أن في مصر قرابة 40 مستشفى تأمينيا و249 عيادة شاملة منتشرة في أنحاء الجمهورية من المفترض أنها تتولى علاج أكثر من نصف سكان مصر، حيث وصلت نسبة المترددين على هيئة التأمين نحو 58٫5٪ من المصريين منهم مليون موظف وعامل وأصحاب المعاشات والمرأة المعيلة، 14٫5 مليون طفل منذ الولادة حتى سن المدرسة، بالإضافة لنحو 20٫6 مليون تلميذ وطالب في المراحل التعليمية المختلفة قبل الجامعي .

كما تتعاون الهيئة مع 676 مستشفى بوزارة صحة الانقلاب ومستشفيات جامعية وقوات مسلحة وشرطة وقطاع خاص، بالإضافة إلى 731 معملا طبيا ومركز أشعة ومركز غسيل كلوي، ورغم أن كل هذه العيادات والمستشفيات دورها الوحيد هو توفير الرعاية الصحية للمترددين عليها إلا أنها  تتحول إلى داء وليس دواء في الوقت الذي يزعم فيه نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي أن الميزانية المخصصة للتأمين الصحي وصلت إلى قرابة 7 مليارات جنيه ولا يعرف أحد أين تذهب هذه الأموال إذا كانت أوضاع المستشفيات بهذه الصورة المُزرية؟.

 

سبع دوخات

المواطن عبدالمنعم أمين 65 عاماًمريض بالظهر ويعاني تآكل في الغضاريف القطنية، يمثل حالة من ملايين المصريين الذين تعاملوا مع التأمين الصحي واكتشفوا أنه لا يقدم علاجا ولا دواء.

يقول  أمين إنه" لكي يتم تشخيص مرضه وكتابة الدواء اللازم لحالته المرضية داخ السبع دوخات، حيث اضطر أن يتوجه لعيادة عرابي للتأمين الصحي من أذان الفجر لحجز موعد للكشف عند طبيب المخ والأعصاب، الذي عادة ما يعتذر عن الحضور بعدما ينتظره المرضى أكثر من 7 ساعات، لافتا إلى أنه استمر في المجىء عند موعد حضور الطبيب لأكثر من سنة لكنه لا يأتي، مما تسبب في تدهور حالته الصحية، لذلك نصحه بعض المقربين أن يحصل على خطاب تحويل من العيادة لأحد مستشفيات التأمين ليستطيع الكشف عند الطبيب.

وأشار إلى أنه "لم يكن الحال أفضل من عيادة عرابي كثيرا فأغلب موظفي هيئات التأمين الصحي متشابهون، فعندما أراد الحصول على التحويل، فإن موظفي العيادة لم يسارعوا في إنهاء إجراءات التحويل وظلوا يتصنعون حججا وهمية للهروب من أداء أعمالهم، كما أن بعضهم غير متواجد في محل عمله في موعده وحتى وإن جاء مبكرا يرحل بشكل سريع أو يبقى في مكانه ويختلق الأعذار للتهرب من أداء مهامه".

 

تعنت وإهمال

وأضاف « أمين» أن مستشفى التأمين كان على نفس درجة الإهمال والتعنت في إنهاء الخدمة، فعندما ذهب بخطاب التحويل للكشف عند طبيب المخ والأعصاب، أخبره الموظفون بعد مماطلة ساعات طويلة، أن يأتي بعد شهر لكي يتم عرضه على الطبيب المختص لفحصه، مشيرا إلى أنه بمجرد أن سمع المدة المحددة من الموظفة المسئولة كاد أن يغمى عليه من الصدمة، حيث إنه شعر باليأس من أن يعالج".

وأشار إلى حظه العاثر اضطره إلى للجوء إلى التأمين الصحي، بعدما كان يعتمد على الكشف في العيادات الخاصة، لافتا إلى أن العديد من الأطباء الذين كان يتابع معهم على نفقته الخاصة أخبروه بضرورة إجراء عملية جراحية أسفل ظهره وثمنها لا يقل عن 30 ألف جنيه، مما جعله يتردد مرة أخرى على عيادات ومستشفيات التأمين الصحي للمتابعة مع الطبيب المختص وإجراء العملية.

ويذكر « أمين» أنه بعد المدة التي حددتها الموظفة بالمستشفى والتي وصلت لقرابة شهر، ذهب في الموعد المحدد للطبيب حيث خرج من بيته مع أذان الفجر حتى يستطيع أن يحجز دورا متقدما في الطابور الطويل الذي ينتظر أمام المستشفى للكشف، وعند وصوله للمستشفى كانت الساعة أوشكت على الـ 6 صباحا فانتظر حتى الساعة التاسعة إلى أن جاءت الموظفة وقامت بجمع البطاقات التأمينية من المرضى لترتيب أدوارهم في كشف الانتظار لحين وصول الطبيب الذي عادة ما يصل بين الساعة الواحدة بعد الظهر إلى الثالثة عصرا.

 

أشعة وتحليل

وقال "بعد انتظار دام لأكثر من 8 ساعات، جاء الطبيب في تمام الساعة الـثانية والنصف بعد الظهر، وبدأ يتردد عليه مريض تلو الآخر إلى أن جاء دوره، والذي لم أعرف حتى الآن كيف وصلت لرقم 30، رغم أني كنت من أوائل المنتظرين، ولكنني لم أدقق كثيرا في هذا الأمر، بل كان ما يهمني أن أدخل للطبيب الذي تحملت عناء وشقاء الوصول إليه".

ولفت « أمين» إلى أنه "بعد دخوله وفحصه في عيادة الكشف، طلب منه الطبيب مجموعة من التحاليل والأشعة، وهذا جانب آخر من المعاناة يطول الحديث عنه (حسب كلامه)، مشيرا إلى أن كل أشعة وتحليل في جهة بعيدة عن الأخرى، فاستعوضت الله في صحتي خاصة أني رجل لا حول ولا قوة لي وعاجز عن الحركة، فلا أستطيع المشي إلا خطوات قليلة ثم أسارع بالجلوس".

وأوضح أنه «لولا مساعدة ولاد الحلال من جيرانه ما كان أنجز الأشعة والتحاليل التي استغرقت نحو 10 أيام بعد إلحاح ودفع ما يلزم من أموال للموظفين للإسراع في استلام الفحوصات المطلوبة، لافتا إلى أنه تعرض لنوع جديد من المعاناة عندما زار عيادة الهرم الشاملة بمنطقة الهرم، حيث تردد عليها لاستلام الحزام الطبي الذي أوصى الطبيب به بعد فحص الأشعات والتحاليل التي أجراها وعرضها عليه في موعد حددته إحدى الموظفات".

وأشار « أمين» إلى أنه بمجرد وصوله للعيادة بمساعدة أحد جيرانه، شعر بالدوار وقلة الحيلة فليس هناك بالمكان شخص يوجه أحد أو يُعرّفه بالإجراءات الواجب اتباعها لاستلام الحزام، موضحا أنه بعد ساعات من الحيرة نصحه أحد المرضى بأن لابد أن ينهي الأوراق الخاصة باستلام الحزام في مركز خدمة العملاء ثم عليه بعد ذلك التوجه لمخزن الأدوية بالعيادة.

 

مركز خدمة العملاء

مركز خدمة العملاء الذي ذكره «أمين» خلال رحله معاناته للحصول على الحزام الطبي، بمثابة جحيم، فهو مكان يتسم بدرجة كبيرة من العبثية والروتين، حيث يتكدس مئات المرضى في مساحة صغيرة بعضهم يجلس وآخرون يقفون نظرا لأن أعداد الكراسي بالمكان أقل من المتواجدين فيه، ويعتبر التكدس بمثابة قنبلة تكاد أن تنفجر في وجه الجميع خاصة أن بعض هؤلاء المرضى مصاب بـ«كورونا»، وبعضهم يأتي للمركز لإنهاء الإجراءات لعمل تحاليل أو لاستلام الأدوية أو لتحويله لمركز طبي آخر يتابع فيه حالته.

 ويلزم المركز جميع المتعاملين معه بالانتظار من 3 إلى 5 ساعات لإنهاء الإجراءات التي تتمثل في إمضاءات أو استلام ورقة تمكّن المريض من صرف الأدوية والمستلزمات الطبية المكتوبة له، بينما مركز الأدوية المختص بتسليم المستلزمات الطبيبة يفتح أبوابه من الساعة 9 إلى 1.30 ظهرا أي عادة ما يعجز المريض عن استلام ما يلزمه في نفس اليوم، فيضطر إلى المجىء يوم آخر.

Facebook Comments