تشهد مصر خلال الأيام القليلة المقبلة انعقاد القمة الحادية والعشرين لتجمع السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي (الكوميسا)، والذي يضم 21 دولة منها خمس دول عربية هي: مصر التي انضمت إليها عام 1998، والسودان وليبيا وتونس والصومال.

وكانت مصر قد صدقت في شباط/ فبراير الماضي على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية التي دخلت حيز النفاذ بنهاية أيار/ مايو 2019، إلا أن نصيب أفريقيا من التجارة الخارجية المصرية، حسب بيانات المصرف المركزي المصري خلال العام المالي الأخير (2020/2021) بلغ 1.1 في المائة فقط، حيث ما زالت التجارة المصرية تتركز مع الاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية والعربية والولايات المتحدة الأمريكية.

ويظل السؤال: بعد أكثر من 20 عاما على انضمام مصر للكوميسا إلى أين وصلت التجارة المصرية مع دولها، والتي تتضمن دولا تمثل أهمية حيوية لمصر مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا وزامبيا والكونغو؟

وسوف تتضمن كلمات المسؤلين المصريين في المؤتمر المرتقب؛ أن دول الكوميسا قد استوعبت نسبة 7.2 في المائة من الصادرات المصرية في العام الماضي، كما جاءت منها نسبة 1.2 في المائة من الواردات، لتشارك المنطقة بنسبة 2.9 في المائة من التجارة المصرية.

ويمكن أن يضيف هؤلاء المسؤلون أن نصيب الكوميسا من الصادرات لم يقل عن نسبة 6 في المائة خلال السنوات الخمس الأخيرة، بل إنه تخطى نسبة الثمانية في المائة قبل خمس سنوات، كما حققت مصر فائضا تجاريا مستمرا مع دول الكوميسا.

منافسة دولية بالأسواق الأفريقية

إلا أن تلك البيانات بها تضخيم متعمد، حيث يتم احتساب تجارة مصر مع كل من ليبيا والسودان ضمن تلك البيانات، رغم أنهما يشتركان مع مصر بعضوية منطقة التجارة الحرة العربية، وليسا بحاجة للكوميسا لنفاذ تجارتهما مع مصر بلا جمارك. وعندما نجد أن صادرات مصر إلى كل من ليبيا والسودان قد مثلت نسبة 56 في المائة من إجمالي صادرات مصر لدول الكوميسا، بل كانت النسبة أكبر من 60 في المائة عام 2019، ندرك أن التجارة مع دول الكوميسا ما زالت محدودة.

فبدون ليبيا والسودان كان نصيب دول الكوميسا من الصادرات المصرية ما بين 2.8 في المائة إلى 3.2 في المائة خلال السنوات الخمس الأخيرة، كما كان نصيبها من الواردات المصرية ما بين نسبة ثمانية بالألف إلى الواحد في المائة، ليصل نصيبها من التجارة المصرية ما بين 1.2 إلى 1.5 في المائة خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وتتعدد الأسباب لضعف تلك التجارة مع دول الكوميسا ما بين صعوبات النقل البحرى ووجود دول برية يصعب الوصول إليها مثل أوغندا، وصعوبات تتعلق بالعمليات المصرفية والتأمينية المصاحبة للتجارة لضمان وصول المستحقات المصرية، إلى جانب المنافسة الضارية من قبل منتجات دول أخرى مثل الهند واليابان وتركيا وغيرها.

ولم يكن رخص ثمن المنتجات المصرية النسبي عاملا حاسما، حيث يفضل الكثيرون هناك قلة التكلفة على حساب الجودة، في ضوء رخص المنتجات الصينية عنها، إلى جانب الصورة الذهنية عن الدول والتي تنعكس على شراء منتجاتها، مثلما يحدث مع المنتجات المصرية في إثيوبيا.

مساعدات دولية مرافقة للتجارة

وتتكرر الصورة في التعامل التجاري المصري مع باقي دول القارة الأفريقية والتي تضم 14 دولة برية، بالإضافة إلى الارتباط التاريخي بين كثير من الدول الأفريقية والدول التي كانت تستعمرها، مثل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وغيرها، إلى جانب المساعدات المرافقة للتجارة والتي تقدمها دول مثل الولايات المتحدة والصين وغيرهما، بينما لا تملك مصر سوى وكالة للتنمية في أفريقيا محدودة الموارد.

والنتيجة بلوغ النصيب النسبي للصادرات المصرية إلى أفريقيا غير العربية، نسبة 2.1 في المائة من مجمل الصادرات المصرية في العام المالي الأخير، وبلوغ نصيب أفريقيا من الواردات المصرية نسبة ستة بالألف، أي أقل من الواحد في المائة.

وحاولت مصر خلال السنوات الأخيرة اتخاذ عدة خطوات لزيادة تجارتها مع أفريقيا، كإنشاء وحدة أفريقيا بمجلس الوزراء المصري في أيار/ مايو 2015، وتأسيس شركة مصرية لبنانية في شباط/ فبراير 2016 لتسويق المنتجات المصرية فب أفريقيا، والسعي لتأسيس شركة لضمان مخاطر ائتمان الصادرات في أفريقيا منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، والسعي بين وزارة قطاع الأعمال العام والقطاع الخاص لـتأسيس شركة جسور للمعاونة في خدمات النقل البحري مع أفريقيا، إلى جانب تواجد بعض الشركات المصرية في عدة دول أفريقية، مثل شركة "المقاولون العرب"، للمساهمة في عمليات البناء والمقاولات، وشركة السويدي للكابلات لتصنيع الكابلات والأدوات الالكترونية وشركة العربي لتصنيع الأجهزة المنزلية، وتكوين بعض مجالس الأعمال المشتركة مثل مجلس الأعمال المصري السنغالي في آب/ أغسطس 2019.

تراجع التجارة المصرية مع أفريقيا

إلا أن كل تلك الخطوات لم تسفر عن تقدم ملموس، حيث انخفضت قيمة الصادرات المصرية إلى أفريقيا خلال العام المالي 2018/2019 عن العام السابق له، كما استمر هذا الانخفاض خلال العام المالي التالي، كما تراجعت قيمة الواردات المصرية من أفريقيا فيما بعد العام المالي 2016/2017 لمدة ثلاث سنوات مالية متتالية وبنسب انخفاض عالية؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط باتخاذ بعض الإجراءات، فقضية التجارة الدولية محكومة بمصالح الدول الكبرى، التي تحرص على استمرار مصالحها ودوران مصانعها وتشغيل عمالتها، خاصة مع وجود عجز تجاري لدى كثير منها، وهو العجز الذي بلغ في العام الماضي 976 مليار دولار للولايات المتحدة، و232 مليار دولار لبريطانيا، و96 مليار دولار للهند، و94 مليار دولار لفرنسا، و50 مليار دولار لتركيا.

ومن هنا نجد أنه في مرحلة مصر الناصرية في النصف الثاني من الخمسينات والستينات من القرن الماضي، والتي اتجهت تجارتها إلى الدول الشرقية، فقد حرصت الدول الغربية على أن يكون لها مكانا متقدما في واردات مصر خلال تلك السنوات.

وها هي خريطة الواردات المصرية خلال السنوات العشر الأخيرة، تشير إلى تراوح مركز ألمانيا فيها ما بين الثاني والثالث غالبا، ومرة واحدة في المركز الرابع وأخرى وحيدة في المركز الخامس، وتراوح مركز الولايات المتحدة ما بين الأول قبل أن تشغله الصين، وبين الثاني والثالث ومرة وحيدة في الخامس في السنوات العشر.

وحرصت إيطاليا أن تكون دائما من السبع الأوائل، وظلت فرنسا وإنجلترا ضمن العشرين الأوائل، وهو أمر يهم الحكام حتى تتغاضى تلك الدول عن تجاوزاتهم في ما يخص حقوق الإنسان، وتخفيف لهجة انتقادهم بوسائل الإعلام الدولية ومساندتهم في الحصول على القروض الخارجية لسداد قيمة الواردات وللقيام بمزيد من الاستيراد.

وهكذا يسعى الحكام بدول العالم الثالث على إرضاء تلك القوى الكبرى حرصا على بقائهم على كراسي الحكم، فمن أسباب مساهمة العديد من دول الغرب في القوات التي ذهبت للعراق للتخلص من صدام حسين، أنها كانت متضررة من قراره بتركيز صادرات العراق على الدول المناصرة له مثل روسيا.

كما توجد عوامل أخرى تجعل أفريقيا في مؤخرة الخيارات لرجال الأعمال المصريين، فقرب السوق العربي الأكثر استهلاكا والأكثر ضمانا للدفع يجعله مفضلا، وإذا كانت الكوميسا تتيح نفاذ الصادرات المصرية بدون جمارك لدولها، فهناك اتفاقيات تجارة حرة لمصر عديدة: مع الاتحاد الأوربي والدول العربية ودول الأفتا في آسيا، وتركيا ودول الميركسور بأمريكا الجنوبية، والكويز مع الولايات المتحدة، بينما توجد دول عديدة فقيرة بالكوميسا، مثل جزر القمر وجيبوتى وإريتريا، ولهذا كان النصيب النسبي لصادرات الكوميسا البالغة 98 مليار دولار؛ نسبة ستة بالألف من الصادرات العالمية في العام الماضي، كما بلغ نصيب وارداتها البالغة 178 مليار دولار نسبة 1 في المائة من العالم، كما بلغ نصيبها النسبي من التجارة الخدمية في العالم نسبة ثمانية بالألف في العام الماضي.

…………

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments