استخلص د. أحمد ذكر الله في دراسة له بعنوان "الاقتصاد المصري 2022 ـ 2025 قراءة استشرافية" نشرها له موقع المعهد المصري للدراسات 36 نتيجة لأبرز ملامح وأوضاع الاقتصاد المصري، خلال السنوات الثلاث المقبلة في ظل المتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية في مرحلة ما بعد كورونا.
وركزت النتائج على أوضاع الموازنة العامة، وموارد النقد الأجنبي، ومؤشرات المعاملات والديون الخارجية لمصر،
وتوصلت الدراسة إلى ما اختصرناه من النتائج كالتالي:

معدلات النمو

1    يبدو معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي المستهدف في الموازنة العامة منطقيا، في ضوء توقع عودة معظم إيرادات القطاعات الرئيسة التقليدية في الاقتصاد إلى نشاطها الاعتيادي، واستدرك أنه يجب التذكير بأن معدلات النمو المرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي في مصر، لا تعني بالضرورة ارتفاعا في مستوى معيشة المصريين بشكل عام، وذلك نظرا للتباين الحاد في دخول الطبقات المختلفة.

2    هذا النمو المتوقع يعود إلى ارتفاع معدلات التضخم العالمية، واستدرك أن معدل النمو المتوقع يبدو اسميا وليس حقيقيا إلى حد كبير، وأن خصم معدل التضخم المحلي سينقص معدل النمو المعلن للعامين الأخيرين بمقدار 1% في المتوسط، بخلاف وجود نقاط يصعب حسابها مثل التضخم المستورد والمبالغة في إنتاجية بعض القطاعات وفي مقدمتها الخدمات الحكومية والتجارة الداخلية.

قطاعات وتحديات
3    القطاع العائلي لا يزال هو المحرك الرئيس للنمو خلال السنوات العشر الأخيرة، مع نمو طفيف لمساهمة الاستثمار.
4    مجموع مساهمة قطاع التشييد والبناء والعقارات يبلغ 16.6% من الناتج المحلي الإجمالي، كنتيجة للمشروعات الحكومية الإنشائية والخدمية الكبيرة، وبالتالي من المتوقع أن تنخفض هذه النسب حال انكماش دور الدولة، لا سيما في ظل التراجع المتوقع لإيرادات القروض الخارجية الصافية، وبالتالي نقص قدرات الدولة على التمويل، وربما تنخفض كذلك في ظل جور الدولة والأجهزة السيادية على القطاع العقاري الخاص، إضافة إلى تراكم غير مسبوق للوحدات التي بنتها الدولة، لا سيما مع تناقص غير مسبوق أيضا في الطلب بسبب تزايد نسب الفقر وتآكل الطبقة المتوسطة و ارتفاع أسعار الوحدات، وسيزداد الأمر سوءا حال تنفيذ الدولة تهديدها بوقف البناء لعشر سنوات مقبلة.

5    هناك تحد خطير للأمن القومي المصري متمثلا في بناء سد النهضة و اكتماله، الأمر الذي إذا ما حدث سيترتب عليه نقص حاد في الموارد المائية، سيؤثر بشكل حاد على حجم الإنتاج الزراعي المصري  وأثار اقتصادية و اجتماعية مدمرة نتيجة ارتفاع نسبة البطالة.

6    من المتوقع أن تشهد السنوات الثلاث القادمة انتعاشا لمساهمة قطاع البترول في الناتج المحلي كنتيجة مرحلية لزيادة إنتاج وتصدير الغاز المصري، لكن سيكون مردودها ضعيفا على الموارد الدولارية نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد البترول، وعموما سرعان ما ستخبو هذه الزيادة كنتيجة لتآكل احتياطي الغاز الطبيعي.

7    يتوقع أن تستمر عائدات السياحة في التحسن التدريجي خلال الأعوام المقبلة، إذا لم تحدث أية مستجدات محلية أو إقليمية أو دولية تؤثر على هذا النشاط، وأن مردود الافتتاحات العالمية لبعض المشروعات الأثرية من المتوقع أن يكون محدودا، في ظل غياب العناصر الإستراتيجية الأخرى.

8    لا توجد إرهاصات حقيقية للتحول نحو الإنتاج تنبع من خطط شاملة، تدفعها إرادة سياسية جادة، لكن ما نراه هو مجرد استمرار لمشروعات مبعثرة لا يجمعها رابط تنموي، و ليس لأغلبها أولوية حقيقية، تنطلق أساسا من الخدمات، وسيطرة الجهات السيادية وتهميش دور القطاع الخاص، وهي النقاط التي ترجح أن القطاعات الإنتاجية المصرية ربما لا تشهد نموا كبيرا خلال السنوات الثلاث المقبلة.

9    في ظل التطورات العالمية بتراجع سياسات التيسير الكمي والتوجه نحو رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم العالمي، من المتوقع أن يتناقص حجم الأموال الساخنة الداخلة للبلاد بشكل حاد، مما سيؤدي إلى ضغوط كبيرة على سعر الجنيه وعلى احتياطي البنك المركزي بالعملة الصعبة، وبالتالي سيؤدي إلى تناقص قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المختلفة بالعملة الصعبة، وتوقعت تزايد الضغوط على الإدارة المالية، وستضطر لرفع معدل الفائدة على أذون الخزانة، تماشيا مع الأوضاع العالمية، وهذا الرفع سيزيد أعباء خدمة الدين المحلي، كما سيزيد العجز المقدر للموازنة عن الحدود التي تقول بها الحكومة.

عجز الموازنة

10    ستواجه الدولة ذلك التزايد في العجز من خلال ابتكار المزيد من الإيرادات العامة، ولن تجد الدولة سوى رفع الرسوم وزيادة الضرائب، ورفع أسعار السلع المدعمة، ورفع سعر الخبز واستكمال إزالة ما تبقى من دعم اسمي على المشتقات البترولية، وهو الأمر الذي يزيد من معاناة الطبقات الفقيرة.

11    انخفضت القيمة الاسمية والحقيقية لإجمالي مخصصات الدعم، على الأخص مخصصات الدعم السلعي والطاقة، في ذات الوقت الذي زاد الدعم الموجه إلى كل من الغاز الطبيعي والكهرباء، بتكلفة تبلغ 11 مليار جنيه سنويا، يستفيد منها القطاع الخاص.
12    محدودية الزيادة المتوقعة في عجز الموازنة للعامين الحالي والقادم، في حالة عدم حدوث تطورات مفاجئة، ستكون بسبب إجراءات دعم الإيرادات، بما في ذلك قانون الجمارك الجديد، وزيادات الرسوم المختلفة وتحديث النظام الضريبي، ولكن بعد ذلك ربما نشهد العودة إلى تنامي عجز الموازنة بصورة أكبر.

13    قضايا التحكيم الدولية قد تشكل تهديدا يزيد من احتمالات زيادة العجز في الموازنة العامة، لا سيما في ظل عدد القضايا الكبير المرفوع على الدولة المصرية، وفشل المفاوضات مع بعض الشركات الكبري لتسوية المنازعات والتي تبلغ قيمة تعويضاتها مليارات الدولارات.

14    تشير النظرة السريعة لتوزيع مخصصات مشروع حياة كريمة للعام المالي الحالي إلى تحميل الدولة للمشروعات الاستثمارية للموازنة العامة على نفقات المشروع.
15    بلغ الإنفاق على التعليم في موازنة العام الماضي 157.6 مليار جنيه، ورغم زيادة مخصصاته في العام الحالي بنحو 15 مليار جنيه، ليبلغ 172.6 مليار جنيه، إلا أنها لم تصل إلى نصف الحد الأدنى الذي نص عليه الدستور.

تأثير الواردات
16    تزايد الواردات المصرية بأكثر من ثلاثة أضعاف زيادة الصادرات أدي إلى اتساع عجز الميزان التجاري من 36.5 مليار دولار عام 2019/2020 إلى 42 مليار دولار تقريبا عام 2020/2021، وهو الأمر الذي  من المرجح أن يزيد من فجوة النقد الأجنبي سواء للعام القادم أو العامين التاليين له.

17    تؤكد الزيادة الكبيرة والمتواصلة في الواردات المصرية حتى في عام كورونا على ضعف القدرات الإنتاجية المصرية صناعيا وزراعيا، علاوة على تنامي السلع المستوردة اللازمة للمشروعات الخدمية المتزايدة.

18    لا شك أنه من المنطقي أن تزايد صادرات الغاز الطبيعي ستنعكس حتما على تزايد عائدات الصادرات الكلي، وبالتالي تناقص عجز الميزان التجاري والفجوة الدولارية، ولكن تشير البيانات إلى تذبذب إنتاجي كبير، يعود إلى مشاكل فنية طبقا لبعض الخبراء، الذين يشيرون كذلك إلى أن طفرة إنتاج وصادرات الغاز الطبيعي ربما تكون مؤقتة إلى حد كبير.

19    تنامي الواردات وبالتالي عجز الميزان التجاري كان من الممكن أن يتسع أكثر لولا الضغط الحكومي الكبير على قدرات الاستهلاك المحلية في أعقاب برنامج الضبط المالي مع صندوق النقد الدولي بنهاية عام 2016، بالإضافة إلى تداعيات فيروس كورونا عالميا ومحليا.

الفجوة الدولارية
20    هناك تحديا جديدا لفجوة الموارد الدولارية المصرية من زاوية قطاع السفر، وهو المتعلق بتزايد نفقات القطاع بالعملة الأجنبية حتى بلغت 3 مليار دولار في المتوسط خلال الأعوام الثلاثة ما قبل كورونا، وأن انخفاضها إلى 2.7 مليار دولار في العام 2020/2021، يدلل على استدامة هذ الإنفاق، لا سيما في ظل عودة أنشطة العمرة والحج.

21    صافي الاستثمارات الأجنبية إلى مصر يبدو ضئيلا إلى حد كبير، وتوجه النسبة الأكبر منه لقطاعات النفط، وحصة الشريك الأجنبي تتراوح بين 35% و40% من صادرات النفط، وأن مشروعات الإسالة عوائدها للشركات الأجنبية.

22    تتركز مصادر الاستثمارات المتدفقة إلى مصر في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي باستحواذهم على 50% في المتوسط منها، وأنه لا تزال الاستثمارات العربية المتدفقة إلى مصر ضئيلة للغاية رغم تحسنها الملحوظ خلال الأعوام الأخيرة.

23    حدوث طفرات في أرقام الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال الأعوام الثلاث القادمة أمر يصعب تصوره ، وحصيلة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر لن تغير كثيرا في أوضاع إيرادات وفجوة مصر من النقد الأجنبي خلال السنوات الثلاث المقبلة.

24    تحويلات العاملين المصريين بالخارج تكاد تفوق وحدها مجموع إيرادات مصر من كل من قناة السويس والإيرادات السياحية ، وتشكل أكثر من ثلث إيرادات مصر من النقد الأجنبي،  ويؤثر سلبا عليها، أزمة انخفاض أسعار النفط في دول الخليج العربي ، وتداعيات فيروس كورونا، عدم حدوث تدهور على المستوى الأمني في منطقتي الخليج و ليبيا، يمكن توقع ثبات نسبي لقيم هذه التحويلات.

الدين الخارجي
25    تشير قفزات الدين الخارجي طويل الأجل بوضوح إلى حرص مدير الدين المصري إلى ترحيل الاستحقاقات للديون الخارجية إلى أبعد فترة ممكنة، كما أن تزايد إجمالي الدين الخارجي، قد أدي إلى تزايد كبير في نصيب الفرد المصري من هذا الدين، حيث تزايد هذا النصيب من 786.4 دولار فقط في عام 2016/2017 إلى 1272.9 دولار للفرد بنهاية العام المالي الفائت، رغم الزيادة الكبيرة في عدد السكان.

26    تضاعفت أعباء خدمة الدين الخارجي مقوما بالدولار، حيث زادت من 7.3 مليار دولار عام 2016/2017 إلى 13.3 مليار دولار في العام التالي له مباشرة، قبل أن تقفز إلى 17.2 مليار دولار في عام 2019/2020، لتستقر عند 15.9 مليار دولار بنهاية العام المالي 2020/2021.

27    سيبقى القطاع المصرفي المصري الضخم أسيرا للديون بالعملة المحلية، كما أنه يعاني من انخفاض في صافي الأصول الأجنبية، كنتيجة لاستخدامها لتمويل الحساب الجاري وتغطية الالتزامات الخارجية المستحقة، ودعم احتياطيات البنك المركزي المصري بشكل غير مباشر.

28    التذرع باتجاه ديون العالم إلى الارتفاع، فيجب مناقشته في إطار انعدام المساندة الحكومية للمواطن المصري لمواجهة تداعيات الفيروس، فحزم المواجهة الرئيسة على ضعفها وجهت نحو الشركات والمؤسسات وتجاهلت الأفراد، والقرارات الحكومية المتزامنة مع تداعيات الفيروس زادت وطأتها على المصريين.

29    الالتزامات المصرية المقبلة جراء هذا الدين لا توجد موارد كافية لمواجهة أعباء خدمتها، حتى في ظل أرقامها المعلنة حاليا، وستبقى استدامة الاقتراض من مصادره المختلفة هو الملاذ الوحيد للالتزام بسداد أقساط وفوائد الديون السابقة.

30    من المنطقي توقع تزايد الديون الخارجية خلال العام المقبل بصورة كبيرة، بل ربما تتضاعف أو أكثر خلال ثلاث سنوات قادمة، وسيتوقف ذلك إلى حد كبير على تعافي الاقتصاد العالمي من أزمة كورونا ومتحوراتها، وعلى مدى رشد الإدارة الحكومية في تخير المشروعات الجديدة، والذي يبدو أنه لا يجب أن نعول عليه كثيرا.

بيع ورهن وتآكل
31    اللجوء إلى أسواق التمويل عالي التكلفة سيكون المسار المطروح خلال الأعوام الثلاث المقبلة، بما يعني الخضوع لاشتراطات الدائنين من حيث سعر الفائدة وطرق وزمن السداد، وربما تقديم المزيد من الضمانات للحصول على القروض بالعملات الأجنبية.

32    الكثير من منظمات التصنيف الائتماني تعتقد أن الظروف النقدية العالمية أصبحت أقل ملاءمة للاقتصادات الناشئة ومن بينها مصر، وبذلك ستبقى تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر رهينة الاستقرار العالمي، حيث ستضغط أية صدمة ثقة أو تحول في ظروف السيولة العالمية ليس فقط على سيولة النقد الأجنبي وإنما أيضا على أسعار الفائدة وسعر الصرف.

33    استمرار جمود سعر الصرف يولد مخاطر على استقرار الاقتصاد الكلي وأداء الحساب الجاري على المدى المتوسط، كما يساهم في تآكل جزء كبير من مكاسب تخفيض قيمة الجنيه بنهاية عام 2016، بالإضافة إلى المزيد من التحميل على موارد النقد الأجنبي للبنوك واضطراراها إلى الاستدانة.

34    مصر بحاجة إلى برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، وقد يشجعها على ذلك وجود برامج لدى الصندوق تعرف ببرامج “حالات صدمات السيولة” وهو نوع من البرامج مخصص للدول التي تعتمد بكثافة على التدفقات النقدية الخارجية، والتي تتعرض لمشكلات كبيرة حال انقطاع أو ذبذبة تلك التدفقات، وإذا حدث هذا الأمر ستضطر الحكومة للاستجابة للمزيد من اشتراطات الصندوق بأشكال مختلفة مما سيزيد من معاناة المواطن البسيط بشكل أكثر حدة.

تعويم متوقع

35    ربما نشهد كذلك خفضا لقيمة الجنيه مرة أخرى، وتجدر الإشارة إلى أن هذا التخفيض كما هو الحال في المرة الأولى لن يرتقي إلى مرتبة التعويم الكامل، بل سيظل في إطار التخفيض التدريجي المدار من قبل البنك المركزي.

36    الدين المحلي مؤهل للمقاصة الأوروبية ومفتوحا أمام عدد أكبر من المستثمرين الأجانب خلال أشهر، من خلال تداول الديون المصرية المحلية في بورصة يورو كلير الأوروبية، و هو ما يعني استحواذ من يسمون “مستثمرون دوليون” (المضاربون الدوليون) على تلك الديون، في مقابل ضمانات معينة تعني في النهاية نوعا من رهن أصول الدولة المصرية مقابل تلك الديون، مما قد يمهد للاستيلاء على تلك الأصول مستقبلا، حال العجز عن السداد، كما يفتح باب المخاطر لشراء أفراد أو شركات تابعة لدول قد تهدف للإضرار بالمصالح المصرية أو على الأقل التحكم بقرارها.

https://eipss-eg.org/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a-2022-%d9%80-2025-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a9/

Facebook Comments