أزمة السماد في مصر أزمة خطيرة للغاية لكن حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي لا تدرك خطورة الملف أو تدرك لكنها تتواطأ مع مافيا التصدير في ظل تفشي الفساد على نحو مرعب في جميع دواوين الحكومة وقطاعاتها. ففي ظل هذه الأوضاع المتدهور والغلاء الفاحش، وعدم قدرة صغار الفلاحين والذين يمثلون الغالبية العظمى من الفلاحين على مواجهة أعباء الحياة، قررت حكومة السيسي يوم الخميس 18 نوفمبر 2021 رفع أسعار سماد اليوريا المدعوم للفلاحين بنسبة 50%. وهذا يمثل زيادة بواقع 1500 جنيه على السعر القديم. وهو ما يعرقل قدرة الفلاحين على مواصلة مهنة الزراعة في ظل الخلل الرهيب في الأمن الغذائي واعتماد مصر على استيراد نحو 70% من احتياجاتنا الغذائية من الخارج.
ويؤكد الدكتور نادر نور الدين، الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، أن إنتاج الغذاء يعتمد على مدى خصوبة التربة وتوافر العناصر الغذائية للنباتات النامية خاصة فى ظل التقدم التكنولوجى وإنتاج التقاوى والأشجار العالية الإنتاجية والتى تسحب بشراهة من خصوبة التربة لملاحقة تغذية محصولها المرتفع. مؤكدا أن العنصر الأهم والأكثر استهلاكا من جميع المحاصيل والأشجار والأعلاف وهو عنصر النتروجين الذى لا توجد فى الترب الزراعية ولا يوجد أى مكون فى الترب الزراعية تحتوى عليه. ومع الثورة الصناعية بدأ إنتاج الأسمدة الكيميائية ومنها الأسمدة النتروجينية السريعة الذوبان والتى لا تحتاج وقتا للتحلل فى التربة كما فى السباخ وبمجرد إضافتها يأخذها النبات فورا ويزدهر وينمو ويزّهر ويثمر، لذلك فهذا النوع فقط من الأسمدة الكيميائية هو الذى أطلق عليه الفلاح اسم الكيماوى أى الأسمدة النتروجينية ولا يطلق على أى نوع آخر من الأسمدة الفوسفاتية أو البوتاسية وغيرها. ولذلك فعندما يشكو الفلاح من نقص الكيماوى فهى يعنى نقص السماد النتروجينى السريع الامتصاص ومحور حياة النبات ومحصوله دون غيره والذى يتحتم إضافته خارجيا مع كل زرعة.
وحتى ندرك خطورة الموقف فإن تقارير لمنظمة الأغذية والزراعة تنصح الدول الفقيرة المستوردة لنسب كبيرة من غذائها أن تهتم قبل كل شيء بتوفير الأسمدة النتروجينية لمزارعيها وبالكميات الموصى بها لزيادة إنتاجها من الغذاء وتقليل وارداتها بالعملات الأجنبية وتحسين ميزانها التجاري؛ لأن عدم توافر الأسمدة أو ارتفاع أسعارها واضطرار الفلاح إلى إضافة نصف الكمية المفترض إضافتها من الأسمدة النتروجينية فإن المحصول ينقص بنسبة 30%، وعند عدم إضافة الأسمدة كليا فإن المحصول يتراجع بنسبة 50%، وفى كلتا الحالتين فإن الدول الفقيرة سوف تضطر إلى استيراد ذات الكميات من الخارج بما يضغط على مواردها من العملات الأجنبية ويرفع أسعار السلع فى الأسواق المحلية بسبب تكاليف الشحن البحرى والتفريغ فى الموانى والنقل الداخلى والتخزين وغيرها. لكن الحكومة تشجع تصدير السماد للخارج لجلب الدولار. رغم أنها ستضطر إلى دفع أضعاف ذلك لاستيراد فوارق الغذاء.
لكل هذه الأسباب فمن الأفضل للدول المستوردة لنسب كبيرة من غذائها أن تهتم قبل كل شىء بتوفير الأسمدة النتروجينية لمزارعيها وبالكميات الموصى بها لزيادة إنتاجها من الغذاء وتقليل وارداتها بالعملات الأجنبية وتحسين ميزانها التجاري. ولهذا السبب ومع اندلاع الأزمة الأوكرانية سافر رئيس الاتحاد الافريقى إلى روسيا وطلب من الرئيس بوتين بإيجاد حلول عاجلة لإعادة تصدير روسيا للأسمدة النتروجينية إلى الدول الإفريقية الفقيرة والتى لا تتحمل تراجع إنتاجها من الغذاء بما يضطرها إلى زيادة وارداتها الغذائية فى وقت اشتعال أسعار الغذاء عالميا ومعه مضاعفة أسعار الشحن البحرى بسبب ارتفاع أسعار البترول، حيث تتحكم روسيا وحدها فى تصدير نحو 17% من إجمالى صادرات الأسمدة فى العالم، و40% من صادرات الغاز لأوروبا والمستخدم فى إنتاج الأسمدة.
ويرى نور الدين أنه على الرغم من تميز مصر فى إنتاج الأسمدة النتروجينية ووجود وفرة تصديرية، واتفاق وزارة الزراعة مع مصانع الأسمدة على توريد نحو نصف إنتاجها من الأسمدة للوزارة لمصلحة الفلاحين وتصدير النصف الآخر، إلا أن أغلب المصانع تنظر إلى أرباحها من التصدير والتى تفوق مثيلاتها من البيع محليا، متناسية أن المبدأ هو تصدير الفائض عن احتياجات السوق المصرية وليس تصدير الإنتاج كاملا سواء بالتحايل وتصدير مكونات تصنيع الأسمدة من الأمونيا السائلة والتى يحتاجها الغرب بشدة سواء لإنتاج الأسمدة أو لإنتاج البلاستيك معتبرة أن هذه ليست أسمدة من تلك المحظور تصديرها إلا بتصريح. فتصدير كامل إنتاج الأسمدة لبعض المصانع بما فيها مصانع المناطق الحرة يعتبر استنزافا لموارد الدولة من غاز وكهرباء وخامات دون عائد على الدولة ولا يسمى ذلك استثمارا بل استغلال.
ورغم إلزام المنتجين (مصانع السماد) بتوجيه 65% على الأقل من إنتاجهم للسوق المحلية، على أن يتم بيع 10% بسعر السوق و55% بالسعر المدعوم البالغ 4500 جنيه، إلا أن معظم المنتجين رغم فائض الإنتاج الذي يصل إلى 11.5 مليون طن يفضلون التصدير لتحقيق مكاسب أكثر على حساب السوق المحلي. وكان وزير الزراعة قد كشف قبل أيام عن وجود عجز يصل إلى 60% من احتياجات أسمدة المزارعين للموسم الصيفى الحالى والذى يضم الذرة وبذور زيوت دوار الشمس وفول الصويا والقطن والأرز، وأيضا للموسم الشتوى والذى أصبح على الأبواب والذى يضم القمح والشعير والبرسيم والفول والعدس وبنجر السكر والبطاطس والبصل والطماطم وغيرها، فإن هذا يعنى تراجعا كبيرا فى إنتاجنا الزراعى وبالتالى زيادة وارداتنا من هذه الحاصلات وبالعملات الأجنبية وبمبالغ تفوق ماحصلنا عليه من تصدير الأسمدة، خاصة مع احتمالات اختناق السوق العالمية للغذاء وفرض حظر على تصدير الحبوب والزيوت.
فهل من مصلحة مصر توفير الأسمدة للداخل أولا لزيادة إنتاجنا من الغذاء أم تشجيع تصدير الأسمدة للحصول على عملة أجنبية سريعة وهى نظرة غير صائبة، حيث يعود العائد على شركات الأسمدة فقط بينما تتحمل خزينة الدولة مبالغ أكبر ينبغى تدبيرها لاستيراد المزيد من الغذاء بسبب تراجع الإنتاج وأخرى لتدبير الارتفاع المتوالى فى أسعار الغذاء وفى أسعار الوقود والطاقة حيث تمثل الطاقة نحو 30% من تكاليف إنتاج الغذاء.
ولأن الكيماوى ـ بحسب نور الدين ــ هو رغيف خبز الزرع والفلاح فينبغى للدولة عدم تطبيق زيادات أسعار الغاز على مصانع الأسمدة حفاظا على أسعارها فى متناول جميع المزارعين، محذرا من أن مصر ستتكلف فروق أسعار فى زيادة استيرادها للغذاء بسبب نقص الأسمدة بمبالغ أكبر كثيرا من عائدات تصدير الأسمدة، وعلينا أن نحسم الأمر، هل نوفر عملات كثيرة من استيراد الغذاء بإضافة كامل كمية الأسمدة الموصى بها، أم نربح مبالغ أقل من تصدير معظم إنتاجنا من الأسمدة وليس الفائض عن احتياجات إنتاجنا للغذاء مع تدهور إنتاجيتنا وعدم الحفاظ على خصوبة وصحة الأراضى الزراعية المصرية.