تسبب قرار حكومة الانقلاب، بتخفيض إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة بزعم التغلب على أزمة انقطاع الكهرباء، وتقليل ساعات التخفيف، التي كانت توزع على كافة المناطق بأنحاء الجمهورية، في ارتفاع أسعار الاسمدة بصورة جنونية، حيث سجل سعر طن الأسمدة في السوق السوداء إلى ١٤ ألف جنيه.
وحذر الخبراء من أن تؤثر تخفيضات الإمدادات على مصانع الأسمدة التي يستخدمها المزارعون بشكل أساسي في زراعتهم ، حيث زاد من صعوبتها عدم وجود جدول زمني محدد لانتهائها.
وكشف بعض منتجي الأسمدة عن انخفاض في الإمدادات بنسبة 20%، الأمر الذي كان له وجه آخر على مصانع إنتاج سماد اليوريا أحد المكونات الأساسية في الزراعة، مما يُنذر باشتعال أسعار الأسمدة خلال الفترات القادمة.
وطالب الخبراء بمزيد من الرقابة على الأسواق السوداء وبمزيد من الدعم للفلاح باعبتاره الحلقة الأضعف والأهم في تحقيق الأمن الغذائي المصري.
يذكر أن الطاقات الإنتاجية السنوية للأسمدة تبلغ ٧.٨ مليون طن من الأسمدة النيتروجينية، و٧ ملايين طن من صخر الفوسفات، و٤ ملايين طن من الأسمدة الفوسفاتية، وصدرت مصر أسمدة بقيمة ٢.٧ مليار دولار في عام ٢٠٢٢.
ارتفاع الأسعار
من جانبه قال حسين أبو صدام نقيب الفلاحين: إن “أي زيادة في أسعار الأسمدة في السوق الحر تضر التنمية الزراعية بصفة عامة، مطالبا بمزيد من الرقابة والاهتمام بالسوق الحر، مشيرا إلى أن الاتفاق بين حكومة ومصانع الأسمدة كان قائم على توريد ٥٥٪ من إنتاج مصانع الأسمدة لوزارة زراعة الانقلاب كسماد مدعم و١٠ ٪ للسوق الحر”.
وأضاف أبوصدام في تصريحات صحفية ان مصانع الأسمدة تبيع في السوق الحرة بالسعر العالمي ما يزيد الأعباء على كاهل المزارع المصري، موضحا أن المستأجرين يوثقون في عقود الإيجار التزام المالك بتوفير الأسمدة حتى لا يكونوا أسرى للسوق السوداء.
وأوضح أن الفلاح يحصل على كميات تصل إلى ٣ أجولة وزن ٥٠ كيلو جراما من الأسمدة للفدان الواحد في الموسم الصيفي ومثلهم في الشتوي بإجمالي ٦ أجولة في السنة، وتصل أسعارها إلى ٣١٠ جنيهات للواحدة، ولكن في حالة تأخر الأسمدة أو من لا يملكون حيازات زراعية أو المستأجرون يلجأون إلى السوق السوداء التي تضاعف أسعار الأسمدة لتصل إلى ٧٠٠ جنيها للواحدة .
تكاليف الإنتاج
وقال الدكتور إسلام جمال الدين شوقي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي: “الأسمدة تُعدُ من أحد أهم مدخلات الإنتاج الزراعي، وبالتالي فإن أي تأثير يحدث في هذه الصناعة الاستراتيجية سيظهر تأثيره مباشرة على المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة”.
وأضاف شوقي في تصريحات صحفية : تتطلب صناعة الأسمدة كميات كبيرة من الطاقة أو بالأدق الغاز، حيث يمثل الغاز الطبيعي ٧٠ ٪ من مكونات الأسمدة الآزوتية كمادة خام لإنتاج الأمونيا والمنتجات النهائية من اليوريا والنترات، محذرا من أن أي تخفيض في حصة ضخ الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة سيؤثر بالتبعية بشكل عام على العملية الإنتاجية.
وأوضح أن صدور قرار من حكومة الانقلاب بخفض توريد الغاز الطبيعي الذي يتم توريده لمصانع الأسمدة العاملة في مصر بنحو ٢٠٪، سيؤدي بالتبعية إلى تخفيض إنتاج الأمونيا بنسبة ٢٠ ٪، وتراجع صادرات الأسمدة الآزوتية والفوسفاتية بنحو ٢٠٪ خلال فترة تخفيض الغاز الطبيعي.
وأكد “شوقي” أنه سيترتب على ذلك ارتفاع أسعار الأسمدة خاصة في ظل ارتفاع معدلات الطلب على الأسمدة في الموسم الصيفي، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وتقارب فترات الري، وبالتالي فإن أي ارتفاع لأسعار الأسمدة سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع أسعار السلع الغذائية خلال الفترة المقبلة.
وطالب حكومة الانقلاب بفرض رقابة صارمة على الأسواق في ظل وجود بعض التجار الانتهازيين الذين يقومون بتخزين الأسمدة في هذه الفترة من أجل تعطيش السوق ومن أجل فرض زيادة سعرية جديدة لتحقيق مصالح وأهداف شخصية هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك بعض عمليات التهريب للأسمدة المدعمة للسوق السوداء والتي يتم توزيعها عن طريق الجمعيات الزراعية وبالتالي يجب مواجهة ذلك بشيء من الحسم.
إمدادات الغاز
وقال الدكتور جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة : “الأسمدة تعتبر ضمن أهم عناصر الإنتاج الزراعي، خاصة أنها عامل يزيد خصوبة التربة ويزيد من إنتاجية المساحات المنزرعة فمثلا فدان مساحة ٤ آلاف و٢٠٠ متر يحتاج ٣ أجولة وزن ٥٠كجم من الأزوت أو اليوريا، حيث ترفع إنتاجية محصول القمح من ١٢ إردبا وزن ١٨٠ كجم إلى ١٨ أردبا، مشددا على ضرورة تأمين كميات مناسبة للفلاحين لإمداد النباتات بالعناصر التي تفتقدها التربة.
وأشار صيام في تصريحات صحفية إلى أن صناعة الأسمدة عملت على توطين احتياجاتها من مدخلات الإنتاج، مع اعتماد ضئيل على المواد والمدخلات المستوردة، مما دعم مستويات الإنتاج والتصدير في الصناعة، متوقعا أن تقفز أسعار الأسمدة في السوق المحلية على المدى القريب، مع خفض إمدادات الغاز الطبيعي، مما يعني أن المصانع لن تعمل بطاقاتها القصوى، مما يؤدي إلى نقص في المعروض.
وأكد أن رفع البنك المركزي المصري لأسعار الفائدة ١٠٠ نقطة أساس يشكل ضغوطا على منتج الأسمدة، خاصة وأن معظم المصانع تعتمد على التمويل المصرفي، موضحا أنه رغم أن مصر لديها فائض من الأسمدة الأزوتية وتصدر كميات تصل إلى مليار ونصف دولار سنويا من اليوريا، لكن صناعة الأسمدة واجهت ارتفاعا في أسعار الطاقة مثل الغاز الطبيعي مما زاد من كلفة الإنتاج.
وشدد “صيام” علي ضرورة تأمين احتياجاتنا وتأمين حصص الراضي الزراعية من الأسمدة .
الإرشاد الزراعي
وقال خبير الإرشاد الزراعي، حسام رضا، إن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على القطاع الزراعى كبيرة، بداية من اشتعال أسعار مدخلات الإنتاج من البذور والتقاوي والمبيدات وصولا إلى الأسمدة التي تحتاج إلى زيادة مخصصات الدعم لها وتوفيرها للمزارعين حتى تساهم في زيادة خصوبة التربة ومن ثم زيادة الإنتاجية.
وأضاف رضا في تصريحات صحفية : نحتاج عودة دور الإرشاد الزراعي لمساعدة المزارعين في تحديد الكميات المطلوبة لكل صنف زراعي والعودة لاستخدام السماد العضوي الناتج من روث الثروة الحيوانية، لأنها الأكثر أمنا وأقل خطورة، وذلك لن يزيد إلا من خلال زيادة الثروة الحيوانية.