مع مرور عام على انطلاق طوفان الأقصى وحرب الإبادة الصهيونية التي أدت إلى تدمير قطاع غزة واستشهاد وإصابة أكثر من 150 ألف فلسطيني، بدأ بعض المتصهينين العرب توجيه اتهامات للمقاومة الفلسطينية وتحميلها مسئولية ما حدث في القطاع وفي لبنان أيضا على أساس أنها هي التي بدأت الهجوم على دولة الاحتلال ما دفع الصهاينة إلى الرد.
ويزعم المتصهينون أن حركات المقاومة الفلسطينية أخطأت في حساباتها، وتسببت في خسائر بشرية باهظة ونكبة ثانية لحقت بالشعب الفلسطيني .
ويتجاهل هؤلاء أن الهجوم على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 “طوفان الأقصى” كان غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وأنه لم يكن هناك خيار آخر لمواجهة المحاولات الصهيونية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية والسيطرة على الأرض وتهويد المسجد الأقصى، ولذلك كان من الطبيعي أن تتعامل معه دولة الاحتلال بوصفه تهديداً وجودياً لها، وبالتالي شنت حرب “إبادة جماعية” على قطاع غزة.
ضربة قوية
كانت حركة “حماس” قد أكدت أنها أرادت بعمليتها وضع حد لكل جرائم الاحتلال التي يرتكبها دون حساب وإنهاء زمن الاحتلال الصهيوني.
وقالت “حماس”: إن “دولة الاحتلال دنست المسجد الأقصى وارتكبت مئات المجازر بحق المدنيين، وبالتالي جاء طوفان الأقصى حتى يفهم العدو أنه قد انتهى زمنه”.
وأكدت أن الهجوم كان خطوة ضرورية واستجابة طبيعية لمواجهة ما يحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية والسيطرة على الأرض وتهويدها وحسم السيادة على المسجد الأقصى وإنهاء الحصار الجائر على القطاع .
وأشارت “حماس” إلى أن الهجوم كان يهدف إلى التخلص من الاحتلال واستعادة الحقوق الوطنية وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
حصار خانق
من جانبه شدد أحمد جميل عزم المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة قطر على أن هجوم السابع من أكتوبر يجب أن يتم تفسيره ضمن سياقه، مشيرا إلى أن غزة كانت تتعرض لحصار خانق، وكانت دولة الاحتلال تسعى لتهويد الأقصى، والاستيطان يتسارع والأسرى منسيون وإسرائيل ترفض أي عملية سياسية لإنهاء احتلالها .
وقال عزم في تصريحات صحفية: إن “كل ذلك كان يحدث في ظل تعاظم القوة العسكرية للمقاومة الفلسطينية من دون أن تستغلها، وبالتالي أصبح وجودها موضع إحراج بسبب عدم استخدامها”.
وأكد أن الرد الفلسطيني على إسرائيل كان حتمياً، لكن حجمه وطبيعته كما حصل في هجوم السابع من أكتوبر كان مفاجئاً للجميع .
وعن تحقيق الأهداف التي رفعتها المقاومة الفلسطينية من هجومها، أشار عزم إلى أن الحصار على غزة لم يفك والمسجد الأقصى لا يزال يتعرض للتهويد، موضحا أن المقاومة الفلسطينية أرادت بهجومها إعلان رفض استسلام الشعب الفلسطيني للمشاريع التهويدية ، ودفع العالم للتدخل من أجل إنهاء الاحتلال الصهيوني .
وطالب بالتعقل في إدارة الصراع مع إسرائيل، وأن يكون هناك كيان وطني فلسطيني موحد، مؤكداً أن الفراغ القيادي وغياب الوحدة الوطنية الفلسطينية وعدم فعالية منظمة التحرير الفلسطينية، كلها أدت إلى هذه النتائج.
قواعد الاشتباك
وأكد فواز جرجس المتخصص في العلاقات الدولية بجامعة لندن أن المقاومة الفلسطينية حققت أهدافاً عدة رغم الخسائر الباهظة التي تكبدها الفلسطينيون في غزة .
وقال جرجس في تصريحات صحفية: إن “هجوم المقاومة الفلسطينية شبه الانتحاري تمكن من تغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل، وخلط الأوراق ليس في فلسطين وإسرائيل فقط، لكن في الإقليم كله”.
وأضاف أنه للمرة الأولى تقوم حركة مقاومة بالهجوم وليس الدفاع، مشيراً إلى أن الهجوم غير من طبيعة النظام الجيوسياسي والجيواستراتيجي في المنطقة، وقطع الطريق على المضي بمشروع السلام مع إسرائيل.
وأكد جرجس أن طوفان الأقصى وضع فلسطين على الخريطة العالمية والدولية، مشيرا إلى أن ما نشهده في العالم من تضامن مع الفلسطينيين أصبح حركة عابرة للقارات، كما أن دولة الاحتلال هزمت بين الرأي العالمي وشدد على أن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” تمكنت من تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى من عملية طوفان الأقصى غير المسبوقة .
محطة مهمة
وقال رائد الدبعي المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة النجاح في نابلس: إنه “من المبكر وضع أحكام نهائية على نتائج الهجوم قبل انتهاء الحرب، مشددا على ضرورة خضوعه للتقييم والدراسة”.
وأضاف الدبعي في تصريحات صحفية أن الهجوم لم ينجح حتى الآن في تحقيق أهداف المقاومة الفلسطينية المعلنة في وقف العدوان على المسجد الأقصى أو تحرير الأسرى في السجون الإسرائيلية.
ووصف الهجوم بأنه محطة مهمة في النضال الفلسطيني، وهناك بين الفلسطينيين من يراه عملاً بطولياً، وآخرون يعدونه قفزة في الهواء ومغامرة كبرى .
وأشار الدبعي إلى أن المقاومة الفلسطينية لم تتوقع أن ترد إسرائيل بشن حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، وممارسة أساليب اجرامية لم نسمع عنها إلا في الحرب العالمية الثانية .
وأوضح أن ما يحصل يجب أن يكون درساً للمقاومة الفلسطينية بأن القضايا الوطنية الكبرى يجب ألا تكون محصورة بقرار حزبي، وإنما يجب أن تحظى بإجماع وطني .
سيناريوهات الحرب
في المقابل قال الباحث الأردني في الدراسات الأمنية والاستراتيجية عامر سبايلة: إن “المقاومة الفلسطينية لم تحقق أياً من أهدافها في الهجوم، مشيرا إلى أن مسار الأمور تجاوز سيناريوهات الحرب المتعارف عليها سابقاً، بالوقت المحدد ثم المفاوضات”.
وأكد سبايلة في تصريحات صحفية أن المقاومة الفلسطينية لم تكن تريد حرباً تدمر قطاع غزة وبنيته التحتية، وتعيد رسم الجغرافيا والديموغرافيا في القطاع، مشيرا إلى أنها لم تتوقع رد فعل إسرائيلياً يؤدي إلى تدمير قدراتها العسكرية .
وأشار إلى أن المقاومة الفلسطينية تحاول تعويض خسارتها الهائلة، بالقول إن هجومها أعاد الزخم الدولي للقضية الفلسطينية رغم مقتل وجرح أكثر من 150 ألف فلسطيني .
وأوضح سبايلة أن أعلى سقف للمقاومة الفلسطينية حالياً هو العودة إلى ما قبل يوم السابع من أكتوبر، وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة، لافتا إلى أن الخطأ في حسابات المقاومة الفلسطينية لم يؤد إلى دمار غزة فقط بل إلى توريط حزب الله في الحرب.