هدم قصر منيل شيحة.. صراع أجندات دياب /قرطام السياسية والسيسي بذريعة التخطيط العمراني

- ‎فيتقارير

تُشكل واقعة هدم قصر رجل الأعمال ورئيس حزب المحافظين (معارضة ورقية)، أكمل قرطام، في منطقة منيل شيحة بمحافظة الجيزة، حدثاً محورياً أثار موجة واسعة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي والأوساط السياسية في مصر.

 وتتداخل في هذا المشهد خيوط متعددة تجمع بين العمل السياسي المعارض، والملكية الخاصة، وقوانين حماية نهر النيل، مما جعل الحادثة تتجاوز مجرد إجراء إداري لتتحول إلى قضية رأي عام تحمل دلالات ورسائل متبادلة بين النظام والمعارضة.

الواقعة والخلفية السياسية: قراءة في توقيت الهدم

يربط قطاع واسع من المراقبين والنشطاء السياسيين بين قرار إزالة القصر والمواقف السياسية الأخيرة للمهندس أكمل قرطام؛ حيث جاءت عملية الهدم بعد فترة وجيزة من مطالبته بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة وحقيقية، وإعلانه الرغبة في خوض الغمار السياسي. ويرى مؤيدو هذا الطرح أن الإزالة تمثل "رسالة سياسية مباشرة" تهدف إلى التضييق على الأصوات المعارضة والحد من طموحاتها السياسية.

من جانب آخر، تبرز شبكة العلاقات العائلية والاقتصادية كجزء من أبعاد الأزمة، حيث إن قرطام هو ابن أخت رجل الأعمال البارز صلاح دياب، مؤسس جريدة "المصري اليوم"، وهو صاحب قصر مجاور للقصر المهدوم، ويربط القضية بملفات أوسع تتعلق بمسارات رجال الأعمال وعلاقتهم بالدولة على مر السنوات الأخيرة.

حماية نهر النيل والممشى السياحي

في المقابل، تُطرح الرواية الرسمية والقانونية التي تستند إلى قرارات وزارة الموارد المائية والري بشأن إزالة التعديات على حرم نهر النيل. ووفقاً لتقارير ومتابعات قانونية، فإن قرار الإزالة جاء بناءً على مخالفات بناء وتعدٍ على أراضٍ تابعة لطرح النهر ولا يجوز قانوناً البناء عليها، وذلك ضمن خطة الدولة الشاملة لتطوير الواجهات المائية وإنشاء مشروعات قومية مثل "ممشى أهل مصر".

وتشير الدراسات التخطيطية لمادة التخطيط العمراني في الجامعات المصرية إلى أن منطقة منيل شيحة، إلى جانب مناطق أخرى مثل نزلة السمان ورمسيس، مدرجة منذ سنوات ضمن خطط التطوير العشوائي وإعادة التنظيم الهيكلي للمحافظة، مؤكدة أن هذه الإجراءات تستهدف الصالح العام وتطوير البنية التحتية للمنطقة.

الملكية الخاصة والتبرع الاضطراري

أثارت التصريحات المنسوبة للمهندس أكمل قرطام حول تبرعه بالقصر للدولة بعد بدء أعمال الهدم جدلاً إضافياً؛ إذ وصف القصر بأنه "تحفة معمارية فنية وضعت فيها شقاء العمر"، مؤكداً أن الأرض مسجلة كملكية خاصة وليست أملاك دولة، ومع ذلك تم التنفيذ، وفتح هذا التباين الباب لنقاشات حادة حول مدى حماية الدستور للملكية الخاصة في مقابل سلطة الدولة في نزع الملكية أو الإزالة بداعي المنفعة العامة أو المخالفات البنائية.

وشهدت منصة (X) تفاعلاً كبيراً من إعلاميين ونشطاء رصدوا الحدث من زوايا بوجهات نظر تعتبر الإجراء تصفية حسابات سياسية مع المعارضة؛ يقول @Veteran_Politc "أكمل قرطام صاحب القصر ده رجل أعمال مصري ورئيس حزب المحافظين، طالب بانتخابات رئاسية مبكرة وحقيقية، وأعلن رغبته في دخولها، فجاءه الرد سريعًا.

وكتب الإعلامي مصطفى عاشور @moashoor، "صديقي السابق  .. أكرم بك قرطام  .. المشكلة تعلمها أنت جيدا  .. أنت لست محسوبا على المؤسسة إياها.. لو كنت واحدا منهم لما فعلوا ذلك  .. بل أنت معارض واضح للسياسات العشوائية..  ولذا لزم الإيلام وبقسوة .. فاصبر واحتسب".

وعلق عبدالحميد قطب @AbdAlhamed_kotb  "بعد أن دعا السيسي لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، إزالة قصر رجل الأعمال والمرشح الرئاسي السابق أكمل قرطام".

https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2057445459321295281

مع انتقادات حقوقية وسياسية لطريقة التعامل مع الملكيات الخاصة للمعارضين:

https://x.com/AbdelkawySalama/status/2057474554507800794

ورغم الاستفادة بين الأطراف المتحكمة والحاكمة، يشير  الشيخ سلامة عبد القوي @AbdelkawySalama إلى أن الرد السريع من السيسي على دعوة أكمل قرطام، "بانتخابات رئاسية مبكرة وحقيقية، وأعلن رغبته في دخولها" على الطريقة (الديمقراطية) هدمُ قصره كما يظهر في الفيديو (اللي هيفكّر هشيله من على وشّ الأرض)

مش مجرد كلام، شوفتوا الحرية يا مصريين ولا نزوّد شويه؟!

https://x.com/AbdelkawySalama/status/2057474554507800794

وهناك آراء تربط بين النظام الاقتصادي العام ومصالح المواطنين في مقابل قرارات نزع الملكية: ويكتب (عودة الروح ام الوعي) @7arakaBaraka، ".. صلاح دياب وأكمل قرطام لهما بيت ملكية خاصة مصانة بالدستور، لكن بلطجي لا قانون يردعه إلا القوة.. في نفس الوقت .. يدعي استصلاح مليون فدان فهل  السارق لأملاك الناس سيمنح عقود ملكية لأرض مستصلحة؟ هل من يشارك الصياد في 40% من رزقه، إتاوة و فردة، هل  ممكن ينهض بدولة يسرق شعبها؟".

https://x.com/7arakaBaraka/status/2057583931851948130

ونقلت رانية دياب @Rhdiab عن الكاتب تامر شيرين (اعتقل قبل أسبوعين وما لبث أن خرج) "كل أنواع الجباية فرضت على هذا المنزل و تم سدادها، كل أنواع الغرامات فرضت على هذا المنزل و تم سدادها، كل ورقة قانونية، كل شبر من الأرض مسجل، و مع ذلك لا يشفع ذلك في شيء ، عندما يكون التجبر و العند والبطش هو السبيل الوحيد واللغة الوحيدة التي يفهمها النظام ضد معارضيه".

ويلفت معلقون إلى علاقة أكمل قرطام بخاله صلاح دياب صاحب "لابوار" وصاحب شركات بترول،  كما أن ابن أكمل قرطام عضو مجلس نواب عن دايرة البساتين.

وأنه في مارس 2013، شارك صلاح دياب ابن أخته أكرم قرطام في ردم النيل في منيل شيحة ووضع يده على 14 فدانا من أراضي طرح النهر واستخرج حيازة زراعية برقم 674.

وفي 2011 بعيد الثورة واجه أهالي منيل شيحة صلاح دياب وقرطام وفاروق حسني ودعوا لطردهم باعتبارهم من رموز نظام مبارك، حتى إن راصدين وصحفيين وثقوا محاولة من مجدي الجلاد (رئيس تحرير سابق بالمصري اليوم) لإقناع أهالي قرية منيل شيحة بالتنازل عن المحضر (بظن الأهالي أن الطريق القانوني يفلح مع هؤلاء) ضد رجل الأعمال صلاح دياب.

وعلى صعيد العلاقات الاجتماعية فإن صلاح دياب هو شريك هشام طلعت مصطفى، كما أن نجل هشام طلعت هو زوج ابنة صلاح دياب ومتزوجان منذ نوفمبر 2016.

العاصمة الإدارية والتطوير الاستثماري

على هامش أزمات التخطيط وإزالات العقارات القديمة، تبرز أطروحات اقتصادية موازية تدعو إلى تغيير فلسفة إدارة المدن الجديدة في مصر، وبخاصة العاصمة الإدارية الجديدة وتبنى رجل الأعمال صلاح دياب بتبني نموذج اقتصادي شبيه بنموذج مدينة دبي من حيث التسهيلات واللوائح المرنة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعويض الإنفاق الحكومي الضخم عبر مشروعات ترفيهية وعالمية كبرى، بدلاً من الاكتفاء بالمباني الإدارية والدينية الضخمة، لتصبح المدينة قاطرة حقيقية للمستقبل الاقتصادي.

وفي مقال بعنوان (هناك طريق آخر) كتب دياب "مطلوب قرار عاجل بأن تصبح العاصمة الإدارية دبي جديدة بكل قوانينها وتسهيلاتها، أعتقد أن المواصفات واللوائح التي تلتزم بها دبي وجعلت الناس يقبلون عليها من شأنها أن تجذبهم أيضًا إلى العاصمة الجديدة، صرفنا أموالًا كثيرة عليها، وبدلا من أن ننتقد ونعترض ونقول أين عشرات المليارات التي صرفناها؟ علينا التفكير بشكل مختلف وتهيئة المدينة لجذب استثمارات يمكنها تعويض ما تم إنفاقه وتحقيق الأرباح أتمنى أن نقيم فيها «ديزني لاند» الشرق الأوسط بعد أن بنينا أكبر مسجد وأكبر كنيسة وأطول عمارة، العاصمة ليست مجرد مشروعات، بل قاطرة للمستقبل..".

يُمثل رجل الأعمال صلاح دياب نموذجاً لرجال الأعمال الذين تتقاطع مساراتهم الاستثمارية والإعلامية بشكل دائم مع المشهد السياسي في مصر، فمن خلال تأسيسه لجريدة "المصري اليوم"، امتلك دياب منصة إعلامية قوية لطالما تحركت في مساحات متباينة بين دعم توجهات الدولة العامة وتوجيه انتقادات لبعض السياسات الحكومية.

وتدرك الأجهزة من خلال ما ينشره مقربون من دياب ومن خلال @AlMasryAlYoum يمتلك حرفية تسخين الأرض وحرفيةً التلاعب بالألفاظ ودس السم في العسل وهو صاحب فكرة انفصال سيناء وتأجيرها من خلال مقال "نيوتن" والتي سبق أن اهتم بها السيسي وحبس دياب مرتين ضمن نمط "قرصة ودن" كالذي حدث مع قصري منيل شيحة..

العلاقة اتسمت تاريخياً بالتعقيد؛ إذ شهدت فترات من التفاهم والتعاون الاقتصادي في مجالات الزراعة والبترول، مقابل فترات أخرى من التوتر والصدام الإداري والقانوني التي تمثلت في توقيفه أو التحقيق معه في قضايا استثمارية مختلفة قبل أن تنتهي بالتسوية أو البراءة.