في ظل مخاوف الرقابة المسبقة وتدهور صناعة الكتاب.. العسكر يخلقون أزمة جديدة للنشر في مصر

- ‎فيتقارير

يُعادي العسكر الثقافة والفكر بشكل مطلق، نظرا لعدم احتكاكهم بالحياة الفكرية والأدبية، وهذه العداوة تظهر في انهم لا يتحملون أي نقد او اعتراض، وهذه طبيعة الرجل العسكري. المشكلة عندما يتدخل العسكري في ادق تخصصات المدنيين وهي تشكيل الوعي وبناء الشخصية، ويعد النشر اهم وسائل المعرفة تاريخيا، وكانت مصر بوابة المعرفة للامة العربية والإسلامية، حيث كانت تتمتع بحرية نشر مطلقة، وكان الناشر او المؤلف لا يحتاج الي إجراءات كثيرة لنشر أي محتوي، فقد كانت الرقابة فقط بعد النشر حال احتوى الكتاب علي ما يخالف قيم المجتمع فيتقدم من لاحظ هذه المخالفة الي القضاء ويطلب منه حكمًا حول هذا الإصدار ويتم مناقشته بأسلوب علمي راقٍ.

ولكن الانقلابين الظلامين علي مر العصور يكرهون الفكر والثقافة ودوما يتوجسون منها خيفة، لان المرء عدو ما جهل. وتضرر مجال النشر في مصر والعالم العربي والإسلامي كثيرا بسبب الإجراءات الاقتصادية الفاشلة للانقلابيين، لان معظم مستلزمات انتاج الكتاب تعتمد على الاستيراد من الخارج، فعندما ارتفعت أسعار العملة الصعبة اثرت بشكل مباشر على حركة النشر، حيث خرج كثير من الناشرين من السوق واغلقوا مكتباتهم واوقفوا نشاطهم لعدم جدواه الاقتصادية، ما أثر بالسلب على مكانة مصر التاريخية، حيث كانت مصر من أكثر الناشرين العرب انتاجا وسوقها الواسع كان يستوعب كل الاتجاهات والتيارات الفكرية المختلفة في المجتمع.

ومؤخرا أثار قرار الهيئة العامة لدار الكتب، رقم 198 لسنة 2026، اعتراضاً واسعاً في أوساط الناشرين والكتاب، بعدما فوجئت دور نشر، أثناء التقدم للحصول على أرقام إيداع لإصدارات جديدة، بهذا الشرط. وبحسب بيان اتحاد الناشرين، "لم يكن الاعتراض على مبدأ الإيداع الرقمي، بل على الصيغة المطلوبة وتوقيت التسليم"، إذ إن ملف "وورد" قابل للتحرير والنسخ، بخلاف الصيغ النهائية الأكثر أماناً، مثل "PDF". وكان اتحاد الناشرين المصريين قد أصدر بياناً عاجلاً، ثم بياناً تفصيلياً، رفض فيهما الإجراء، مؤكداً أنه لم يُستشر مسبقاً، ولم يطّلع على نص القرار قبل بدء تطبيقه. ورأى أن وظيفة الدار هي توثيق المصنفات بعد صدورها، لا تلقي نسخ مفتوحة أو غير نهائية من الكتب قبل نشرها. كما تساءل عن الضمانات التي تمنع تسريب النصوص أو العبث بها، في سوق يعاني أصلاً من القرصنة وتداول النسخ غير المرخصة.
 

في المقابل، قالت دار الكتب، في بيان توضيحي، إنها "المكتبة الوطنية للدولة، والحافظة لإنتاجها الفكري عبر عشرات السنين، وإنها الجهة الأكثر حرصاً على حماية الملكية الفكرية وحقوق المؤلفين". وأضافت أن القرار يأتي ضمن منظومة التحول الرقمي، وتسهيل خدمات الإيداع، خصوصاً للناشرين في المحافظات، وأن تسليم نسخة رقمية معمولٌ به منذ القرار الوزاري رقم 363 لسنة 2017، وليس أمراً مستحدثاً. غير أن هذا التوضيح لم ينهِ الأزمة، إذ رأى ناشرون أن الفارق كبير بين إيداع نسخة رقمية نهائية، وتسليم ملف مفتوح قبل صدور الكتاب.

اعتبر اتحاد الناشرين المصريين الإجراء الأخير الذي أعلنت عنه دار الكتب والوثائق القومية في القاهرة، بطلب تسليم نسخة من الكتاب بصيغة "وورد" قبل صدوره، ثم نسخة أخرى بعد الإخراج النهائي، تراجعاً غير مبرر عن مكتسبات حماية الملكية الفكرية، ورأى أن الإجراء يفتح الباب أمام مخاطر سيبرانية وقرصنة تهدد الحقوق الأدبية والمالية للمؤلفين والناشرين، بما يتنافى مع دور دار الكتب، بوصفها حامية للإنتاج الفكري المصري.

ووصل الجدل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كتاب عن خشيتهم من أن يتحول الإجراء إلى مدخل للرقابة المسبقة، عبر طلب النص قبل أن يصل إلى شكله النهائي المعدّ للنشر. وهو ما يثير، في نظرهم، أسئلة تتعلق بالجهة التي ستطّلع على الملفات، وآلية حفظها، ومسئولية الجهة الرسمية في حال تعرّضها للتسريب أو القرصنة.

وعلى الرغم من المخاوف التي جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن دار الكتب ليست جهة رقابية في الأساس، إذ تتولى ذلك جهة ضمن المجلس الأعلى للثقافة، وهي "الرقابة على المصنفات المصرية". ووفق قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، فإنَّ صلاحية منع المطبوعات أو المواد الإعلامية الصادرة من الخارج من الدخول إلى البلاد أو التداول، هي من مسئولية المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فيما يتعلق باعتبارات الأمن القومي أو التحريض على العنف والكراهية أو الإخلال بالسلم العام. ومع ذهاب النقاش إلى إمكانية الرقابة المسبقة، فإن القرار والسجال حوله قد يبقيان ضمن حدود التنسيق الإداري بين الجهات الحكومية والنقابية المعنية بالنشر والمطبوعات في مصر. وربما انطلقت هذه الهواجس من ممارسات رقابية تمارسها هيئات توازي دار الكتب في دول عربية أخرى.