صعود سياسي يزلزل العواصم ويقض مضاجع الديكتاتوريات
مصر في قلب المعركة: رؤية عبدول للانقلاب ورفض المعونة المشروطة
يمثل صعود السياسي الأمريكي من أصول مصرية، عبد الرحمن السيد (المعروف بـ عبدول)، وفوزه بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، نقطة تحول كبرى ليس فقط في المشهد الانتخابي الأمريكي، بل وفي طبيعة النقاشات العابرة للحدود حول طبيعة الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه واشنطن لأنظمة الاستبداد حول العالم. فبينما كان المتوقع أن يمر نجاح شاب ذي جذور مهاجرة كقصة نجاح أمريكية تقليدية، تحول عبدول بقدرته على ربط السياسة الخارجية بجيوب دافعي الضرائب الأمريكيين إلى "كابوس" حقيقي يؤرق دوائر صنع القرار في القاهرة، ويثير حفيظة اليمين المتطرف في واشنطن على حد سواء.
وفصّل الدكتور يحيى غنيم في طبيعة المعركة التي خاضها عبدول ضد محاولات التشويه، موضحاً أن المرشح الديمقراطي لم يكتفِ بانتقاد النظام المصري، بل وضع الإصبع على الجرح المالي والسياسي؛ فمصر تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد "إسرائيل" في تلقي المعونة العسكرية الأمريكية.
ويرفض عبدول تماماً استمرار هذا التدفق المالي غير المشروط الذي يمول آلة القمع والاعتقال ضد عشرات الآلاف من المعارضين، وهو يدعم بقوة تفعيل (قوانين ليحي – Leahy Laws) التي تربط المساعدات الخارجية باحترام حقوق الإنسان، مشدداً في مقابلاته مع الصحف الأمريكية مثل (Detroit Free Press) على أنه لا يود أن ترى أموال الضرائب التي يدفعها كدافع ضرائب أمريكي تُهدر في دعم ديكتاتورية عسكرية تقمع شعبها وتغلق أبواب الأمل في التغيير الديمقراطي.
ويستحوذ الشأن المصري على النصيب الأكبر والجوهر الأساسي في خطاب ورؤية عبد الرحمن السيد الخارجية، حيث يرى المراقبون أن مصر تحتل المساحة الأكبر من تفكيره السياسي نظراً لحجم المأساة التي يعيشها الشعب المصري تحت حكم العسكر.
وفي هذا السياق، انتقد الدكتور المهندس صلاح الدين (@Salah_Eldin2010) الأوضاع الراهنة متسائلاً عما إذا كانت الولايات المتحدة ستشهد تغييراً حقيقياً ينهي عصر دعم الانقلابات، مستشهداً بمقولة عبدول التاريخية: "جاءت عائلتي من بلد لا توجد فيه ديمقراطية، ولا أريد أن أرى أموال الضرائب التي أدفعها تستخدم لفرض قبضة خانقة على الشعب المصري".
إسكات الصوت المصري الحر في الخارج
لم يمر صعود عبد الرحمن السيد مرور الكرام على أروقة السلطة في القاهرة وإعلامها الرسمي والرديف، وهنا، يبرز تحليل المفكر والإعلامي نظام المهداوي (@NezamMahdawi) الذي لفت الانتباه إلى أن المواطن في الخطاب الرسمي المصري لا يُقاس انتماؤه إلا بولائه المطلق لنظام السيسي، فإن خرج عن هذا الطاعة صار في نظر السلطة خائناً وإرهابياً وإخوانياً، ولهذا السبب، لم يشعر النظام بأن عبدول رشح نفسه في أمريكا فحسب، بل رآه مرشحاً مباشراً ضده شخصياً.
تعرض عبدول لحملات تشويه شرسة من اللجان الإلكترونية والأذرع الإعلامية المصرية التي سعت لتشويه صورته، تماماً كما أشار حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats)، حيث بادر إعلام السلطة ولجانه لمهاجمة ابن مصر البار بدلاً من الفخر بوصوله إلى مواقع صنع القرار في واشنطن، يعود هذا الهجوم المسعور إلى إدراك العسكر أن وجود شخصية ناجحة، واعية، ونظيفة اليد تنتقد الدكتاتورية في عقر دار الحليف الأمريكي، يهدد الأسطورة التي طالما روجها النظام عن أنه "منقذ مصر" وأن البلاد كانت ستتدم لولا قبضته الحديدية.
وفي نفس الإطار، أشار الصحفي محمد حمدي (@mohhamdyEg) المتحدث باسم "تكنوقراط مصر" إلى أن نجاح حملة عبدول استند إلى تجاوز التصنيفات والأيديولوجيات الضيقة والبحث عن نقاط التشارك، موجهاً رسالة لرافضي النظام المصري بأن التشرذم ووقوفهم عند التصنيفات الوهمية هو أول نقاط السقوط في مواجهة آلة القمع.
العائلة المصرية التي لا تنفصل عن الهم الوطني
لا يمكن فهم خطاب عبد الرحمن السيد الهجومي ضد الانقلاب العسكري في مصر بمعزل عن جذوره العميقة وتاريخ عائلته، فقد وُلد عبدول في ولاية ميشيغان الأمريكية لأسرة مهاجرة، بينما تعود جذور والده، المهندس محمد السيد، إلى مدينة الإسكندرية العريقة قبل أن يهاجر بحثاً عن آفاق جديدة، هذا الارتباط الوجداني والتاريخي بمصر لم يكن مجرد ذكرى عائلية باهتة، بل تحول إلى بوصلة أخلاقية وسياسية شكلت وعيه المبكر.
نشأ عبدول على قصص بلد أثقلته القيود السياسية وحرمته من ممارسة حقه الديمقراطي الحقيقي، وهو ما انعكس بوضوح في تكوينه الأكاديمي والمهني الاستثنائي؛ فقد توج تفوقه الدراسي بحصوله على منحة رودس (Rhodes Scholarship) العريقة لدراسة الدكتوراه في جامعة أكسفورد، وهي المنحة التي لا تقتصر على التفوق العلمي بل تبحث عن القيادة والشخصية القادرة على تغيير العالم، تماماً كما حصل مع شخصيات بارزة تاريخياً مثل بيل كلينتون.
هذا الإرث الثقافي والوطني هو ما دفع الأكاديمي والباحث البروفيسور مأمون فندي (@mamoun1234) إلى الدفاع بشراسة عن عبدول في وجه ما سماه بـ "النفوس المصرية المريضة التي تحب تلغوص فيما لا تفهم"، مؤكداً أن هذا التفوق والارتباط بالجذور هو ما يمنح عبدول الجرأة لطرح أسئلة جريئة لا يجرؤ السياسيون التقليديون على طرحها.
السقوط في فخ التشويه الأيديولوجي والرد الذكي على اليمين المتطرف
ومن جانب ثان، لم تقتصر الحمل ضد عبد الرحمن السيد على أذرع النظام المصري في الداخل، بل امتدت لتشمل اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، حيث استخدم خصومه ورقة الإسلاموفوبيا وتزييف الحقائق لتشويه مواقفه.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور مراد علي (@mouradaly) إلى التناقض الصارخ في تصريحات السيناتور الجمهوري تيد كروز الذي حذر بأسلوب مشابه تماماً لأبواق الإعلام المحلي في مصر (مثل أحمد موسى ونشأت الديهي) من أن "الإخوان المسلمين يتغلغلون في أمريكا"، مستغلاً جهل الشارع الأمريكي ببواطن الأمور لربط عبدول بالجماعة لمجرد دفاعه عن حقوق الفلسطينيين ورفضه لجرائم الاحتلال، متجاهلاً تماماً أن عبدول يتبنى مواقف تقدمية من قضايا مجتمعية وحقوقية يرفضها الإسلاميون التقليديون أنفسهم.
وعندما حاول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس مهاجمة عبدول واتهامه بكره اليهود وإثارة النعرات الدينية، جاء رد عبدول حاسماً وذكياً. فقد أوضح في مقابلات عدة، أبرزها مع شبكة "سي إن إن"، أن ترامب يحاول جاهداً التركيز على اسمه ومعتقده الديني لإثارة الإسلاموفوبيا بدلاً من مواجهة التحديات الاقتصادية الحقيقية. وأكد السيد بوضوح قاطع أن "إيباك وإسرائيل ليست هي اليهودية واليهود"، معلناً احترامه وتقديره لليهود واليهودية، ومفرقاً بدقة بين معادات السامية وبين انتقاد سياسات دولة أجنبية وقادتها. وبذلك، أسقط في يد خصومه الذين حاولوا عبثاً حصر معركته في خانة الهوية الدينية البحتة.
رؤية عبدول: محاربة المليارديرات لصالح الطبقة العاملة
إلى جانب مواقفه الجريئة من السياسة الخارجية والأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط، يرتكز المشروع السياسي لعبد الرحمن السيد على رؤية اقتصادية واجتماعية تقدمية واضحة المعالم.
وكما أوضح المخبر الاقتصادي (@MokhbirE)، فإن أحد أبرز أهداف عبدول الانتخابية ضمن الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي هو فرض ضرائب عادلة على المليارديرات وأثرياء العالم الذين يمتلكون ثروات تفوق ما يمتلكه نصف سكان كوكب الأرض مجتمعين.
يرى عبدول أن أموال دافعي الضرائب يجب ألا تُهدر في دعم حروب الخارج أو حماية عروش الديكتاتوريين عبر تمويل الجيوش القمعية في مصر وغيرها، بل يجب أن تُوظف لخدمة المواطن الأمريكي البسيط داخل ولاية ميشيغان ومدن الولايات المتحدة، وهو يطالب بتوجيه هذه الأموال نحو بناء مدارس حديثة، وتوفير رعاية صحية شاملة للجميع بغض النظر عن العرق أو الدين، وإيواء المشردين والفقراء.
وهذا الدمج (بحسب المنصة) بين العدالة الاجتماعية الداخلية والسياسة الخارجية الأخلاقية هو ما يجعل مشروع عبد الرحمن السيد السياسي متكامل الابعاد، ومقلقاً في نفس الوقت لكل القوى التي تستفيد من استمرار الوضع الراهن على حساب شعوبها.