من نصدق؟.. “أول سيارة كهربائية مصرية” أم تجميع صيني ل(Dongfeng MAGE EV)؟

- ‎فيتقارير

متى نستطيع أن نقول إن السيارة كهربائية مصرية فعلًا؟  هل عندما تُجمّع في حلوان؟ أم عندما يصل المكون المحلي إلى 45%؟ أم عندما تصنع مصر البطارية والمحرك؟ أم عندما تمتلك التكنولوجيا والتصميم والعلامة التجارية الخاصة بها؟

فعلى مدى أكثر من خمس سنوات، ظل ملف السيارة الكهربائية المصرية يعود إلى الواجهة كل فترة بتصريحات جديدة، ومواعيد جديدة، وأرقام مختلفة، حتى أصبح السؤال الطبيعي اليوم: من نصدق؟ وهل السيارة التي تستعد مصر لتجميعها داخل مصانع النصر هي بالفعل السيارة الكهربائية المصرية التي وعدت بها الحكومة قبل سنوات، أم أننا أمام مشروع جديد تمامًا يحمل الاسم نفسه؟

 

واليوم تظهر السيارة Dongfeng MAGE EV باعتبارها «أول سيارة كهربائية مجمعة محليًا» في مصانع النصر، السيارة تعتمد، وفق المواصفات المنشورة، على محرك كهربائي بقوة نحو 161 حصانًا وبطارية في حدود 50 كيلوواط/ساعة ومدى معلن يقترب من 440 كيلومترًا، بينما تشير تقارير إلى أن نسبة المكون المحلي في النسخة المجمعة محليًا تبلغ نحو 30% في المرحلة الحالية.

إذا السيارة ليست مصرية التصميم، ولا مصرية التكنولوجيا، ولا مصرية المحرك والبطارية، العلامة التجارية صينية، والمنظومة الهندسية الأساسية صينية، والسيارة في أصلها منتج لشركة Dongfeng الصينية.

التسمية الصحيحة

أما ما يحدث في مصر فهو تجميع محلي للسيارة داخل مصانع النصر، مع توطين جزء من المكونات والخدمات والتشغيل، ولذلك فإن التعبير الأكثر دقة ليس «أول سيارة كهربائية مصرية»، وإنما «أول سيارة كهربائية من علامة صينية يجري تجميعها محليًا ضمن مشروع النصر وSN Automotive».

القصة بدأت بصورة أكثر طموحًا في عام 2021، عندما أعلنت الحكومة عن اتفاق شركة النصر للسيارات مع شركة «دونج فينج» الصينية لإنتاج السيارة الكهربائية E70 في مصر، وقتها كانت الأرقام واضحة وكبيرة: إنتاج يصل إلى 25 ألف سيارة سنويًا في الوردية الواحدة، ونسبة مكون محلي مستهدفة عند نحو 50%، مع خطة لبدء الإنتاج في النصف الثاني من 2022، وكانت الرسالة السياسية والصناعية واضحة: مصر لا تريد مجرد استيراد سيارة كهربائية، وإنما تريد الدخول إلى صناعة السيارات الكهربائية من بوابة شركة النصر.

 

لكن هذا المشروع لم يتحول إلى السيارة المصرية التي دخلت السوق بالفعل، ومع مرور الوقت تعثر مشروع E70، وتغيرت الشراكات والنموذج الاستثماري، ثم عادت شركة النصر إلى المشهد من خلال شراكة جديدة مع مجموعة الصافي تحت كيان SN AutomotiveK وهنا تغيرت القصة من مشروع حكومي مباشر مع شريك صيني إلى نموذج استثماري جديد يجمع رأس المال الخاص مع الأصول الصناعية الحكومية.

 

التجميع خطوة

فارق مهم جدًا بالنسبة للمواطن الذي يسمع منذ سنوات عن «صناعة أول سيارة مصرية»، في حين؛ التجميع المحلي خطوة مهمة، لكنها ليست هي نفسها امتلاك التكنولوجيا.

ويمكن للنظام أن يعلن أن السيارة "مجمعة في مصر"، لكن من حق المواطن أن يسأل: كم من قيمة السيارة يصنع في مصر فعلًا؟ ومن يملك تكنولوجيا المحرك؟ ومن يصنع البطارية؟ ومن يتحمل مسؤولية الصيانة عندما تنتهي فترة الضمان؟

 

وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية في السيارة الكهربائية تحديدًا، لأن الجزء الأكثر حساسية وتكلفة ليس الهيكل الخارجي وحده، وإنما البطارية ومنظومة الدفع والإلكترونيات وبرمجيات التحكم، فإذا كانت هذه المكونات الرئيسية صينية، فإن نسبة التجميع المحلي وحدها لا تكفي للقول إن مصر أصبحت تمتلك صناعة سيارات كهربائية متكاملة.

 

ولن يشتري المواطن نسبة مكون محلي، وإنما سيشتري سيارة، وسيسأل بعد خمس أو ست سنوات: أين البطارية؟ كم سعرها؟ هل توجد قطع غيار؟ هل المحرك الكهربائي قابل للإصلاح أم الاستبدال؟ أين مراكز الخدمة؟ وما تكلفة إصلاح منظومة الإلكترونيات؟ وهل ستظل قطع الغيار متاحة إذا تغير الوكيل أو انتهت الشراكة؟

وتعلن الشركة عن منظومة لخدمات ما بعد البيع وضمانات للسيارة والبطارية، وهناك حديث عن توفير مخزون من قطع الغيار وتوسيع شبكة الخدمة. لكن نجاح التجربة لا يجب أن يقاس فقط بلحظة إطلاق السيارة، وإنما بقدرة الشركة على خدمة السيارة وقطع غيارها وبطاريتها على مدى سنوات طويلة.

وتعلن SN Automotive بالفعل عن خدمات محلية لعلامات Dongfeng وVoyah وM-Hero، بينما تشير معلومات منشورة عن MAGE EV إلى ضمان يصل إلى 6 سنوات أو 200 ألف كيلومتر للسيارة، وضمان 8 سنوات للبطارية.

 

ومن هنا يصبح السؤال عن مبادرة الحكومة المرتقبة لإحلال السيارات العاملة بالوقود بأخرى كهربائية أكثر حساسية، فإذا كانت الدولة ستمنح حوافز تصل إلى 30% من قيمة السيارة وبحد أقصى 150 ألف جنيه، فإن المواطن في النهاية هو من سيمول جزءًا من عملية الانتقال إلى السيارة الكهربائية، سواء بصورة مباشرة أو من خلال المال العام، وبالتالي لا يكفي أن يكون هناك دعم للشراء؛ المطلوب أن تكون هناك شفافية كاملة في تكلفة السيارة، ونسبة التصنيع المحلي، ومصدر البطارية والمحرك، وضمانهما، وتكلفة الصيانة، وتوافر قطع الغيار، وقيمة السيارة عند إعادة البيع.

"صنع في مصر" غطاء كاذب

ويبدو  بحسب مراقبين أن عبارة «صنع في مصر» تتحول إلى غطاء تسويقي لسيارة مستوردة التكنولوجيا يتم تجميعها محليًا بنسبة محدودة، التجميع هو بداية الصناعة وليس نهايتها، وإذا كانت نسبة المكون المحلي في السيارة الكهربائية الحالية نحو 30%، فإن السؤال الطبيعي هو: متى تصل إلى 45%؟ ومتى ننتقل من تجميع السيارة إلى تصنيع أجزاء رئيسية منها؟ ومتى تصبح لدينا صناعة بطاريات ومحركات وإلكترونيات قادرة على المنافسة؟

شركة النصر نفسها، لم تختفِ ومصانعها هي جزء أساسي من المشروع الحالي، بينما تعمل SN Automotive ككيان مشترك بين مجموعة الصافي وشركة النصر، وتقوم بتسويق سيارات Dongfeng وغيرها في مصر.

أي أن «النصر» لم تعد في النموذج الحالي هي الشركة التي تصمم وتطور وحدها سيارة مصرية من الصفر، وإنما أصبحت جزءًا من نموذج شراكة صناعية وتجارية جديد، وتؤكد الشركة نفسها أنها الموزع الرسمي لعلامات Dongfeng وVoyah وM-Hero في مصر.

 

وبالتالي فإن المقارنة بين وعد 2021 وواقع 2026 تكشف تغيرًا جوهريًا. في البداية كنا أمام حديث عن أول سيارة كهربائية مصرية E70، بطاقة إنتاجية 25 ألف سيارة سنويًا ونسبة مكون محلي 50%. واليوم نحن أمام Dongfeng MAGE EV صينية التكنولوجيا، يجري تجميعها محليًا، مع نسبة توطين معلنة أقل في المرحلة الأولى.

السيارة الصينية جيدة أم سيئة؟، وكون السيارة صينية ليس عيبًا في حد ذاته، خصوصًا أن الصين أصبحت من أكبر مراكز صناعة السيارات الكهربائية في العالم.

وإذا ظل المشروع مجرد استيراد التكنولوجيا والمكونات الرئيسية ثم تجميعها في مصر وبيعها للمستهلك مع حوافز حكومية، فسيكون من الصعب وصفه بأنه «بداية صناعة سيارة كهربائية مصرية» بالمعنى الذي فهمه المواطن من الوعود الأولى، فضلا عن تراجع فكرة  خطوط الإنتاج، وتدريب العمالة، وزيادة المكون المحلي تدريجيًا، وتأسيس صناعة بطاريات ومحركات وإلكترونيات ثم التصدير.