يؤكد مراقبون أن تحركات إدارة ترامب تجاه روسيا لا تنفصل عن الحرب والملف الإيراني، معتبرًا أن واشنطن قد تسعى إلى الحصول على تعاون روسي في ملف العقوبات على إيران، مقابل تقديم تنازلات لموسكو في الملف الأوكراني.
ويشكك المراقبون في قدرة واشنطن على فرض شروطها على روسيا والصين، معتبرًا أن سعي ترامب للحصول على تعاون موسكو وبكين بشأن إيران يكشف، من وجهة نظره، عن مأزق في السياسة الأميركية.
ويقول مراقبون: "إن الحرب الأوكرانية قد لا تُبحث بمعزل عن بقية ملفات الصراع الدولي، وأن أي تفاهم أميركي ـ روسي محتمل قد يمتد تأثيره إلى إيران والطاقة والشرق الأوسط".
ويرى المحلل السياسي ياسر الزعاترة عبر إكس أن تحركات واشنطن تجاه موسكو لا تنفصل عن ملفات أخرى، وفي مقدمتها إيران والعقوبات، معتبرًا أن زيارة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو قد تحمل أبعادًا تتجاوز محاولة إنهاء الحرب الأوكرانية.
ويطرح الزعاترة احتمال وجود مقايضة أميركية ـ روسية، تحصل بموجبها واشنطن على تعاون روسي في ملفات تريدها، مقابل تقديم مواقف أو تنازلات في الملف الأوكراني.
كما يربط الزعاترة اندفاع ترامب لإنهاء الحرب برغبته في تحقيق إنجاز سياسي كبير، منتقدًا ما يراه ابتعادًا أميركيًا عن الأولوية الاستراتيجية المتمثلة، بحسب قراءته، في مواجهة الصين وروسيا.
هل يبيع بوتين إيران مقابل صفقة في أوكرانيا؟
أما الكاتب والأكاديمي السوري أحمد رمضان فيذهب إلى سيناريو أكثر حدة، متسائلًا عما إذا كان بوتين مستعدًا للتخلي عن إيران مقابل الحفاظ على مصالح روسيا في أوكرانيا والحصول على ضمانات لمصالحها في المنطقة.
ويطرح رمضان احتمال أن تكون هناك صفقة كبرى بين ترامب وبوتين، بحيث تتقاطع الحرب الأوكرانية مع مستقبل إيران والخليج، معتبرًا أن إبرام مثل هذه الصفقة قد يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في المشهد الإيراني.
وبحسب تصوره، فإن تصاعد التوتر حول إيران قد يكون انعكاسًا لصراع على شروط هذه الصفقة، وصولًا إلى احتمال حدوث تغيير جذري في إيران خلال المرحلة المقبلة.
جولات موسكو
دخلت الاتصالات الأميركية لإنهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية مرحلة أكثر نشاطًا، مع تحرك مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بين موسكو وكييف، وظهور مؤشرات على رغبة واشنطن في إعادة إطلاق المسار التفاوضي.
وفي هذا السياق، قال كوشنر: "إن ترامب «ملتزم جدًا جدًا» بإيجاد حل للحرب، مؤكدًا أنه وويتكوف ملتزمان كذلك بهذا المسار، فيما وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه «ملتزم جدًا» بالتوصل إلى تسوية".
واللافت في تصريحات كوشنر أنه لم يكتفِ بالحديث عن الموقف الأميركي والأوكراني، بل قال: "إن ما سمعه يشير إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «ملتزم جدًا» أيضًا بإيجاد حل".
وتعكس هذه التصريحات محاولة أميركية لتقديم صورة عن وجود أرضية سياسية مشتركة بين موسكو وكييف وواشنطن، حتى وإن بقيت الخلافات الجوهرية بعيدة عن الحل.
اختبار التفاوض
وتزامنت تحركات ويتكوف وكوشنر مع حديث أوكراني عن استعداد روسي لاستئناف الحوار، وقال زيلينسكي، في مقابلة مع «أكسيوس»، "إن مبعوثي ترامب أبلغوه بوجود استعداد روسي للتفاوض، وإن واشنطن تبحث خطوات يمكن أن تقود إلى خفض التصعيد خلال الشتاء".
ووفق الطرح الأوكراني، يمكن أن تبدأ العملية من ملفات أقل حساسية نسبيًا، مثل الطاقة والحبوب والكهرباء والنفط والغاز، قبل الانتقال إلى القضايا السياسية والعسكرية الأكثر تعقيدًا.
وكان ويتكوف قد تحدث بدوره عن إحراز تقدم في المسار الدبلوماسي، فيما أشارت تحركات المبعوثين الأميركيين إلى رغبة واشنطن في العودة إلى صيغة مفاوضات ثلاثية تجمع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا.
غير أن العقبة الأساسية لا تزال مرتبطة بالأراضي. فقد قال كوشنر في تصريحات أحدث إن الاتفاق يمكن أن يكون جاهزًا إذا وافقت أوكرانيا على التنازلات الإقليمية التي تطالب بها روسيا، وهو ما يكشف أن الحديث عن «الالتزام بالسلام» لا يعني أن شروط التسوية باتت متفقًا عليها.
رسالة مباشرة إلى زيلينسكي
في موازاة الحراك الدبلوماسي، رفع ترامب مستوى الضغط على كييف بسبب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة والوقود الروسية.
وقال ترامب: "إن على زيلينسكي أن يتوقف عن ضرب منشآت وقود الديزل الروسية، معتبرًا أن هذه الهجمات تؤدي إلى نقص في إمدادات الوقود وتؤثر في الأسواق العالمية".
وتأتي هذه التصريحات بعدما أدت الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى على المصافي والمنشآت النفطية الروسية إلى خفض إنتاج الوقود داخل روسيا، في وقت فرضت فيه موسكو قيودًا على صادرات بعض المشتقات النفطية.
لكن الربط الذي طرحه ترامب بين أزمة الديزل العالمية والحرب في أوكرانيا أثار جدلًا، إذ تشير تقارير اقتصادية إلى أن الحرب في إيران واضطراب حركة النفط عبر مضيق هرمز يمثلان عاملًا رئيسيًا أيضًا في ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تأثير الهجمات الأوكرانية على قطاع التكرير الروسيز
خطوة نحو الهدنة
وأصبح ملف الطاقة أحد المسارات المحتملة لاختبار مدى استعداد موسكو وكييف لخفض التصعيد.
وفي تطور لاحق، قال ترامب: "إن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف استهداف البنية التحتية للطاقة لدى الطرف الآخر، إلا أن الجانب الأوكراني أبدى تحفظًا على الإعلان، مطالبًا بضمانات واضحة بشأن التزام روسيا بالمثل".
وهذا يعني أن وقف الهجمات على منشآت الطاقة، إذا تم تثبيته فعليًا، يمكن أن يشكل اختبارًا أوليًا لجدية المسار السياسي، لكنه لا يرقى وحده إلى اتفاق لوقف الحرب.
بين أوكرانيا وإيران
اللافت في المشهد الحالي أن الحرب الأوكرانية لم تعد تتحرك بمعزل عن التطورات الأخرى في النظام الدولي.
فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الإمدادات عبر الشرق الأوسط، والضغط على روسيا بسبب صادرات الوقود، والعقوبات الأميركية، كلها ملفات يمكن أن تؤثر في حسابات الأطراف.
وفي الوقت نفسه، تحذر تحليلات أخرى من المبالغة في الربط بين الحربين. فهناك فارق كبير بين أن تستغل القوى الكبرى أزمات متعددة لخدمة مصالحها التفاوضية، وبين وجود صفقة واحدة تجمع أوكرانيا وإيران والطاقة في حزمة تفاوضية واحدة.
ولهذا، فإن الحديث عن «مقايضة كبرى» يجب أن يبقى في إطار الاحتمال إلى أن تظهر أدلة أو تصريحات رسمية تؤكده.
كلينتون: ترامب يبحث عن رضا بوتين
وفي سياق الانتقادات السياسية للمسار الذي يتبناه ترامب، نُسب إلى هيلاري كلينتون تعليق ينتقد أولوية الرئيس الأميركي في التعامل مع بوتين، بالقول "إن ترامب يريد رضا الرئيس الروسي أكثر مما يريد جائزة نوبل".
ويأتي هذا النوع من الانتقادات في إطار الصراع السياسي الأميركي حول طريقة إدارة ملف أوكرانيا، حيث يرى منتقدو ترامب أن السعي السريع إلى عقد صفقة قد يدفع واشنطن إلى الضغط على كييف أكثر من الضغط على موسكو.
وفي المقابل، يرى أنصار المسار التفاوضي أن استمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح يفرض البحث عن صيغة لإنهائها، حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات صعبة.
وتشير التحركات الأخيرة إلى أن قناة الاتصال بين ترامب وبوتين أصبحت عنصرًا أساسيًا في إدارة الملف.
كما تحدث الجانب الروسي عن استمرار الاتصالات مع واشنطن، وعن إمكانية استئناف مفاوضات التسوية، في حين ناقش الطرفان، وفق الرواية الروسية، نتائج اتصالات المبعوثين الأميركيين وإمكانية دفع العملية السياسية.
وكان الكرملين قد أعلن أن ويتكوف وكوشنر زارا موسكو في إطار مواصلة الحوار حول تسوية الحرب، ما يؤكد أن الاتصالات لم تعد تقتصر على القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل باتت تعتمد بصورة كبيرة على مبعوثي ترامب المباشرين.