بعد الانتهاء من “شيوخ العسكر” بالعاصمة الإدارية.. مليارات غير معلنة والجيش أبرز المستفيدين

- ‎فيتقارير

مع الانتقال الرسمي لمجلس شيوخ العسكر  إلى مقره الجديد في العاصمة الإدارية الجديدة، يعود مشروع العاصمة إلى الواجهة مجددًا، ليس فقط باعتباره أحد أكبر مشروعات التوسع العمراني في مصر، ولكن أيضًا بسبب الأسئلة المتعلقة بتكلفته، ومصادر تمويله، ودور القوات المسلحة في إدارته وتنفيذه والاستفادة من عوائده.

ويُقام مقر مجلس الشيوخ الجديد على مساحة تبلغ 33 ألف متر مربع، ويضم قاعة رئيسية تتسع لـ 406 أعضاء، إلى جانب قاعات وصالونات لكبار الزوار والإعلاميين والصحفيين، ومكاتب اللجان العامة، والمركز الإعلامي، ومركز المعلومات، والمطبعة، وعيادة للطوارئ، ومطعم، وجراجات تتسع لأكثر من 250 سيارة.

ولم يبين الإعلان الرسمي تكلفة إنشاء مقر مجلس الشيوخ بالعاصمة الإدارية، رغم إعلان مساحته ومكوناته والجهة المنفذة له.

https://www.arabcont.com/project-634

 

العاصمة الإدارية مشروع بتكلفة ضخمة، لكن لا توجد حتى الآن بيانات مالية عامة كافية لإعلان فاتورة نهائية مدققة لكل مراحل المشروع، بينما تثبت البيانات المتاحة أن وزارة الدفاع تمتلك 51% من الشركة التي تدير المشروع، ما يجعل القوات المسلحة طرفًا رئيسيًا في ملكيته وتنفيذه وعوائده المحتملة.

 

كم بلغت تكلفة العاصمة؟

رغم ضخامة المشروع، لا توجد حتى الآن فاتورة نهائية شاملة ومدققة منشورة للجمهور توضح إجمالي ما أنفق على العاصمة منذ بدء تنفيذها، بما في ذلك تكلفة الأراضي والبنية الأساسية والمباني والتمويل ومختلف المراحل.

فبحسب تصريحات نقلتها رويترز، أعلنت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية أن الإنفاق على البنية الأساسية والمباني في المرحلة الأولى بلغ نحو 500 مليار جنيه، فيما قدرت تكلفة المرحلة الثانية بنحو 250 إلى 300 مليار جنيه.

وفي وثيقة مرتبطة ببرنامج التعاون بين مصر ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يرد تقدير يقارب 60 مليار دولار للمشروع، مع وجود ملاحظات بشأن محدودية البيانات المالية المتاحة للجمهور حول الشركة وتدفقات المشروع.

 

https://mped.gov.eg/adminpanel/sharedFiles/OECD_155.pdf

أما تقرير «1843» التابع للإيكونوميست، فيشير إلى تقديرات تراوحت بين 48 و58 مليار دولار للمرحلة الأولى، مع التأكيد على عدم وضوح ما إذا كانت هذه الأرقام ما زالت تمثل المرحلة الأولى أم أن المشروع انتقل فعليًا إلى مراحل أخرى.

 

https://www.economist.com/interactive/1843/2026/04/02/egypts-new-pyramid-scheme

 

وبالتالي، فإن القول بعدم وجود أي أرقام رسمية ليس دقيقًا؛ الأدق أن هناك أرقامًا معلنة وتقديرات حكومية لمراحل مختلفة، لكن لا توجد تكلفة نهائية شاملة ومدققة منشورة يمكن من خلالها تحديد الفاتورة الكاملة للمشروع بدقة.

 

لماذا يرتبط اسم الجيش بالعاصمة؟

أحد أهم الأرقام في ملف العاصمة الإدارية هو 51%، فوزارة الدفاع تمتلك حصة 51% من شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، بينما تمتلك وزارة الإسكان، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، نسبة 49%.

وهذا يعني أن القوات المسلحة ليست مجرد جهة تشارك في تنفيذ بعض الأعمال، وإنما وزارة الدفاع هي صاحب حصة الأغلبية في الشركة المسؤولة عن تطوير وإدارة المشروع.

 

https://carnegieendowment.org/middle-east/research/2025/05/the-second-republic-the-remaking-of-egypt-under-abdel-fattah-el-sisi

 

ويمتد الدور العسكري إلى أعمال الإنشاءات والتعاقدات من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وأجهزة أخرى تابعة للمؤسسة العسكرية.

وتشير دراسة حديثة لمركز كارنيغي إلى أن الأجهزة الهندسية العسكرية أدارت نسبة كبيرة من مشروعات الإنشاء الحكومية خلال السنوات الماضية، كما تنقل عن مصادر حكومية وتجارية تقديرات لرسوم إدارة تتراوح بين 5% و35% في بعض المشروعات التي تديرها جهات عسكرية.

 

https://carnegieendowment.org/research/2026/07/egypts-military-landlord-economy-and-its-limitations

 

لكن نسبة 35% لا تعني أنها رسم ثابت على جميع عقود العاصمة الإدارية، وإنما هي الحد الأعلى لنطاق رسوم إدارة ورد في الدراسة بشأن بعض المشروعات.

 

هل تم تمويل العاصمة من أموال الدولة؟

يطرح التقرير المنشور في «1843» نقطة أخرى تتعلق بمقولة أن العاصمة لم تكلف الدولة المصرية أموالًا مباشرة.

وتشير المادة إلى أن المشروع استفاد من موارد وتمويلات مرتبطة بالدولة، من بينها أموال ضختها وزارة الإسكان، وقروض قدمتها بنوك حكومية للمقاولين، إلى جانب ضمانات والتزامات مرتبطة بوزارة المالية.

وهنا يجب التفريق بين الإنفاق المباشر من بند محدد في الموازنة وبين التمويل أو الائتمان الذي توفره مؤسسات حكومية أو بنوك مملوكة للدولة.

وبالتالي، فإن عدم ظهور المشروع كبند واحد في الموازنة لا يعني بالضرورة عدم وجود موارد عامة أو تمويلات حكومية مرتبطة به.

 

مدينة بحجم ضخم

تبلغ المساحة المخططة للعاصمة الجديدة نحو 700 كيلومتر مربع، أي مساحة هائلة تشمل مناطق حكومية ودبلوماسية وتجارية وسكنية ورياضية وثقافية.

ويضم المشروع البرج الأيقوني بارتفاع 393 مترًا، ومنطقة الأعمال المركزية، والحي الحكومي، والمدينة الرياضية، ومدينة المعرفة، والنهر الأخضر، إلى جانب الجامعات والمراكز الثقافية ودور العبادة.

كما يذكر التقرير أن المدينة صُممت لاستيعاب نحو 6 ملايين نسمة عند اكتمالها، بينما يبلغ طول الحديقة المركزية المعروفة باسم «النهر الأخضر» أكثر من 35 كيلومترًا.

ويشير التقرير كذلك إلى التخطيط لاستخدام نحو 6 آلاف كاميرا مراقبة تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة المرور والأمن ومراقبة المدينة.

 

هل حجم الإنفاق يتناسب مع الطلب؟

تثير تجربة العاصمة الإدارية سؤالًا اقتصاديًا حول توقيت تنفيذ البنية الأساسية. فقد كان من الممكن نظريًا تنفيذ المدينة على مراحل أطول، بحيث يبدأ الإنفاق بالمرافق الأساسية والمؤسسات الحكومية، ثم يجري التوسع في الأحياء والمرافق والنقل مع ارتفاع معدلات الإشغال وظهور طلب فعلي.

هذا النموذج كان سيهدف إلى تقليل مخاطر بناء أصول ضخمة قبل استخدامها، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض والضغوط على العملة الأجنبية.

في المقابل، تطرح الحكومة إنشاء العاصمة والمدن الجديدة باعتباره جزءًا من استراتيجية للتوسع العمراني، واستيعاب الزيادة السكانية، وتخفيف الضغط عن القاهرة، ونقل المؤسسات الحكومية إلى مركز إداري حديث.

وبالتالي فإن النقاش الاقتصادي لا يتعلق فقط بتكلفة البناء، وإنما أيضًا بمعدل الإشغال، والعائد من بيع الأراضي، وإيرادات الإيجارات، وتكلفة التمويل، ومدى قدرة المدينة على جذب السكان والاستثمارات.

 

من المستفيد؟

المؤكد من البيانات المتاحة أن القوات المسلحة تمثل طرفًا رئيسيًا في المشروع، فوزارة الدفاع تمتلك 51% من شركة العاصمة الإدارية، كما تُشارك الأجهزة الهندسية التابعة للقوات المسلحة في تنفيذ عدد كبير من الأعمال.

لكن وصف الجيش بأنه «المستفيد الأكبر» يحتاج إلى بيانات مالية أكثر تفصيلًا، لأن تحديد المستفيد الأكبر يتطلب مقارنة فعلية بين أرباح الشركة، وقيمة الأراضي، والعقود، ورسوم الإدارة، وتوزيع العوائد بين المساهمين.

وهذه البيانات التفصيلية ليست منشورة بالكامل للجمهور. لذلك فإن الصياغة الأكثر دقة هي أن القوات المسلحة طرف رئيسي في ملكية وإدارة وتنفيذ مشروع العاصمة الإدارية، ولها مصلحة مالية مباشرة فيه بحكم ملكية وزارة الدفاع حصة الأغلبية في الشركة.

 

العاصمة بين الاستثمار والعبء المالي

المشروع يمثل نموذجًا لسياسة توسع عمراني واسعة بدأت مصر تنفيذها خلال العقد الأخير، وشملت العاصمة الجديدة ومدنًا أخرى وشبكات طرق ومرافق ونقل.

وتقول الحكومة إن هذه الاستثمارات تستهدف خلق مراكز عمرانية واقتصادية جديدة، بينما يثير منتقدو السياسة الاقتصادية تساؤلات حول حجم الإنفاق وسرعة التنفيذ ومعدلات الإشغال والعائد على الاستثمار.

وفي النهاية، فإن الحكم المالي على المشروع لن يعتمد فقط على معرفة أنه كلف مئات المليارات من الجنيهات، وإنما على مقارنة هذه التكلفة بما ستولده العاصمة من إيرادات وقيمة عقارية ونشاط اقتصادي على مدى سنوات.