السيسي يُوسّع نفوذ الجيش في الصحة.. هل يُعيد رسم خريطة الأصول لصالح الإمارات؟

- ‎فيتقارير

«مستقبل مصر» ينتقل إلى القطاع الطبي بعد إعادة تنظيمه وتوسيع صلاحياته

لم يعد توسع المؤسسات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية في الاقتصاد بزمن المنقلب السيسي مقتصرًا على الزراعة واستصلاح الأراضي والصناعة والتشييد والتجارة، إذ وصل التمدد هذه المرة إلى القطاع الصحي، عبر دخول جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» مجال الرعاية الطبية، مستفيدًا من إعادة تنظيمه ونقل تبعيته إلى رئاسة الجمهورية، بما يفتح فصلًا جديدًا في ملف إدارة الأصول العامة وتوزيع النفوذ الاقتصادي بين مؤسسات الدولة والمستثمرين المحليين والخليجيين.

وفي منتصف سبتمبر الجاري، أعلن «مستقبل مصر» إطلاق «تحالف مستقبل مصر الطبي»، على أن تضم المرحلة الأولى من المنظومة مستشفيين تابعين للقوات المسلحة، هما المركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي، مع إعلان التوسع لاحقًا بضم منشآت ومستشفيات أخرى.

ويأتي التحرك بعد أسابيع من صدور القانون رقم 147 لسنة 2026، الخاص بإعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، والذي صدق عليه المنقلب عبدالفتاح السيسي في يوليو الماضي، ويمنح القانون الجهاز إطارًا قانونيًا جديدًا لإدارة واستثمار الأراضي والأصول الواقعة ضمن نطاق اختصاصه. 

ويثير هذا التحول أسئلة تتجاوز مجرد دخول كيان جديد سوق الرعاية الصحية، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين الجيش والاقتصاد، وحدود انتقال الأصول التابعة للمؤسسة العسكرية إلى كيانات اقتصادية تتبع الرئاسة، في الوقت الذي تشهد فيه السوق المصرية توسعًا لافتًا في استثمارات القطاع الخاص ورؤوس الأموال الخليجية في المستشفيات والأدوية والتشخيص الطبي.

من اقتصاد الجيش إلى اقتصاد الرئاسة

منذ تأسيس سلطة الانقلاب العسكري لـ «مستقبل مصر»، اتسعت أنشطة الجهاز بصورة سريعة لتشمل قطاعات الزراعة واستصلاح الأراضي والاستزراع السمكي والصناعة والتجارة والتشييد وغيرها.

لكن التطور الأكثر دلالة جاء مع إعادة تنظيم الجهاز في يوليو 2026، إذ انتقل إلى إطار قانوني جديد بوصفه كيانًا اقتصاديًا يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يمثل مجرد إعادة هيكلة إدارية، أم إعادة توزيع لمراكز القوة الاقتصادية داخل الدولة.

ودخول الجهاز إلى قطاع الصحة يضيف بعدًا جديدًا لهذه العملية، خصوصًا أن أول أصوله الطبية المعلنة ليست منشآت جديدة جرى بناؤها من الصفر، وإنما مستشفيات عسكرية قائمة بالفعل.

وبحسب تقرير «مدى مصر»، فإن المركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي يقدمان خدمات للعسكريين ضمن منظومة التأمين الصحي للقوات المسلحة، كما يقدمان خدمات للمدنيين بمقابل مالي أو عبر تعاقدات مع جهات التأمين وغيرها، مع وجود خطة للتوسع في ضم منشآت أخرى. 

وبذلك، يبدو أن التحول لا يتعلق فقط بإنشاء شركة طبية جديدة، وإنما بإعادة إدخال أصول قائمة ضمن منظومة استثمارية تستهدف قطاعات أكثر ربحية، وفي مقدمتها السياحة العلاجية والخدمات الطبية الموجهة إلى القادرين على الدفع والعملاء الأجانب والخليجيين.

السياحة العلاجية.. سوق جديدة للجيش

شارك «تحالف مستقبل مصر الطبي» في معرض «إيجي هيلث 2026» الذي أقيم بالقاهرة في الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر، مستعرضًا خدماته الطبية والتخصصات الدقيقة والتدريب والبحث العلمي والتحول الرقمي والسياحة العلاجية.

وتكشف طبيعة الخدمات التي يجري الترويج لها عن تحول في طريقة النظر إلى المستشفيات العسكرية، من مؤسسات تقدم خدمات علاجية ضمن منظومة القوات المسلحة إلى أصول يمكن إدارتها باعتبارها جزءًا من نشاط اقتصادي يستهدف أسواقًا خارجية.

وتكتسب السياحة العلاجية أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى إمكانية تحصيل الإيرادات بالعملات الأجنبية من المرضى العرب والأجانب وشركات التأمين الدولية، في وقت تعاني فيه مصر أزمة مزمنة في توفير العملة الصعبة.

لكن هذا التوجه يضع في المقابل سؤالًا أساسيًا أمام السياسة الصحية للدولة: هل يجري توجيه جزء متزايد من الاستثمارات الطبية نحو الخدمات القادرة على تحقيق عائد تجاري مرتفع، بينما لا تزال قطاعات واسعة من المصريين تعتمد على مستشفيات ووحدات صحية حكومية تعاني نقص الموارد؟

وتزداد أهمية السؤال مع توسع الدولة في إتاحة إدارة وتشغيل بعض المنشآت الصحية الحكومية أمام المستثمرين، وفق قانون التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية.

أصول الدولة بين الجيش والمستثمرين الخليجيين

اللافت أن توسع «مستقبل مصر» في الصحة لا يحدث في فراغ، وإنما في سوق شهد خلال السنوات الأخيرة صفقات واستثمارات خليجية وأجنبية كبيرة.

وكان القطاع الصحي منذ الانقلاب العسكري، قد شهد اهتمامًا واسعًا من المستثمرين، خصوصًا في المستشفيات الخاصة والتشخيص والأدوية، وفي 2021، على سبيل المثال، جرت مفاوضات لاستحواذ مجموعة مستشفيات كليوباترا على مجموعة «ألاميدا» للرعاية الصحية العاملة في مصر، لكن الاتفاق لم يكتمل وانتهت المفاوضات في مايو من العام نفسه

وتكشف هذه الواقعة عن حجم المنافسة على سوق الرعاية الصحية المصرية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد ضرورة الفصل بين الملكية الفعلية الحالية وبين الصفقات التي جرى التفاوض بشأنها ولم تتم.

كما شهد القطاع الطبي صفقات واستثمارات مرتبطة بمستثمرين إماراتيين في مجالات المستشفيات والتشخيص والأدوية، وهو ما جعل الرعاية الصحية واحدة من القطاعات التي تتقاطع فيها استثمارات الدولة المصرية مع رؤوس الأموال الخليجية.

وفي هذا السياق، فإن دخول كيان تابع للرئاسة ومسنود بأصول عسكرية إلى المجال نفسه يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول شكل المنافسة المقبلة: هل تتجه الدولة إلى منافسة المستثمرين الخليجيين، أم إلى العمل معهم، أم إلى إعادة توزيع الأصول بحيث تتعايش الملكية الحكومية والعسكرية والخليجية داخل سوق واحدة؟

منافسة بين مشروعين للسياحة العلاجية

وتزداد علامات الاستفهام مع وجود خطط حكومية موازية لتطوير السياحة العلاجية من خلال منشآت تابعة لوزارة الصحة.

فقد سبق الإعلان عن مشروع لإنشاء مدينة طبية للسياحة العلاجية وزراعة الأعضاء في معهد ناصر، بما يشمل تخصصات طبية متعددة، بهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للخدمات العلاجية.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في المشهد الجديد: وجود مشروع حكومي للسياحة العلاجية إلى جانب كيان اقتصادي جديد تديره مؤسسة مرتبطة بالرئاسة ويضم مستشفيات عسكرية قائمة.

ويطرح ذلك تساؤلًا حول مستقبل الأصول العامة: هل ستعمل المشروعات الحكومية والكيانات العسكرية الجديدة في إطار تكاملي، أم أن تعدد الجهات المالكة والمديرة للمنشآت الصحية سيؤدي إلى منافسة داخل الدولة نفسها؟

ويرى منتقدون للسياسات الحالية أن امتلاك جهاز اقتصادي ذي نفوذ واسع لأصول طبية قائمة قد يمنحه أفضلية كبيرة في السوق، خصوصًا إذا حصل على أصول عامة أو عسكرية تتمتع أصلًا بالبنية التحتية والخبرات والتجهيزات.

الإمارات حاضرة في المشهد.. لكن الملكية تحتاج إلى تدقيق

في المقابل، فإن الحديث عن «السيطرة الإماراتية» على القطاع الصحي المصري يحتاج إلى التمييز بين الاستثمارات الإماراتية القائمة والصفقات التي لم تكتمل.

ففي يناير 2021، كانت قيمة صفقة استحواذ كليوباترا على «ألاميدا» محل اهتمام واسع، وبلغت قيمة المديونية المرتبطة بالصفقة نحو 3.3 مليار جنيه، إلا أن الصفقة توقفت لاحقًا ولم تتحول إلى استحواذ مكتمل. 

كما أن جهاز حماية المنافسة المصري سبق أن أبدى مخاوف من آثار الصفقة المحتملة على المنافسة في سوق المستشفيات، وهو ما يوضح أن مسألة تركّز ملكية المنشآت الصحية كانت محل نقاش رسمي قبل سنوات. 

ومن ثم، فإن القضية الأوسع ليست مجرد سؤال: «هل يصطدم السيسي بالإمارات؟»، وإنما: كيف يعاد توزيع ملكية وإدارة أصول القطاع الصحي المصري بين الدولة والجيش والقطاع الخاص ورؤوس الأموال الخليجية؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع دخول «مستقبل مصر» إلى المجال الصحي في الوقت نفسه الذي تتوسع فيه الدولة في إتاحة إدارة وتشغيل منشآت صحية أمام المستثمرين.

من الخدمة العامة إلى الأصل الاستثماري

التحول الأكبر في المشهد يتمثل في تغير النظرة إلى المستشفى نفسه.

فالمستشفى الذي كان يُنظر إليه باعتباره مرفقًا للخدمة العامة يمكن أن يتحول، بموجب ترتيبات الإدارة والتشغيل الجديدة، إلى أصل استثماري قابل لتحقيق الإيرادات.

وبالنسبة إلى منتقدي النظام، فإن توسيع هذا النموذج يندرج ضمن سياسة أوسع يرون أنها أدت إلى تراجع مفهوم الخدمة العامة لمصلحة إدارة الأصول بمنطق تجاري، بينما تتزايد حاجة المصريين إلى خدمات صحية مدعومة وميسرة.

وفي المقابل، تقول الدولة: "إن إشراك القطاع الخاص والمستثمرين في الإدارة والتشغيل يهدف إلى رفع كفاءة المنشآت وتوفير التمويل والتكنولوجيا وتحسين مستوى الخدمة".

لكن دخول جهاز «مستقبل مصر» نفسه إلى السوق يعقد الصورة؛ إذ لم يعد الجدل يدور فقط حول خصخصة أو تأجير منشآت حكومية، بل أيضًا حول نقل أصول كانت مرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى كيان اقتصادي جديد يتبع الرئاسة.

الجيش يخسر جزءًا من نفوذه أم يعيد إنتاجه؟

ويثير نقل المستشفيات العسكرية إلى «تحالف مستقبل مصر الطبي» سؤالًا آخر يتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والكيانات الاقتصادية المستحدثة.

فمن زاوية أولى، يمكن قراءة الأمر باعتباره تقليصًا مباشرًا لملكية أو تبعية بعض الأصول للمؤسسة العسكرية ونقلها إلى كيان يتبع الرئاسة.

لكن من زاوية أخرى، فإن انتقال الأصل من مؤسسة عسكرية إلى جهاز اقتصادي تابع للرئاسة لا يعني بالضرورة خروجه من دائرة النفوذ الرسمي، وإنما قد يمثل إعادة تنظيم لطريقة إدارة الأصول وتوزيع العوائد والصلاحيات.

وهنا تكمن أهمية إعادة تنظيم «مستقبل مصر»؛ إذ نص القانون رقم 147 لسنة 2026 على إطار جديد للجهاز، ما يضعه في موقع مختلف عن صورته السابقة ككيان مرتبط بالمنظومة العسكرية. 

وبالتالي، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كان الجيش «خسر» هذه المستشفيات، وإنما من أصبح يملك قرار إدارتها واستثمارها، ومن يحصل على عوائدها، وكيف تخضع هذه العمليات للرقابة والإفصاح العام.

أين يقف المواطن المصري؟

وسط هذا الصراع على إدارة الأصول والأسواق، يبقى المواطن المصري الطرف الذي يفترض أن تكون السياسة الصحية موجهة إليه في الأساس.

وتشير الانتقادات الموجهة إلى التوسع الاستثماري في القطاع الصحي إلى خطر تحول المستشفيات والخدمات الطبية إلى سلع ترتفع أسعارها مع تراجع مساحة الخدمة العامة.

وفي المقابل، فإن الحكومة المصرية تطرح مشاركة المستثمرين باعتبارها وسيلة لزيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين الإدارة وتطوير الخدمات، خصوصًا في ظل الضغوط المالية التي تواجه الموازنة.

لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق توازن واضح بين جذب الاستثمار وبين ضمان استمرار قدرة المواطن محدود الدخل على الوصول إلى العلاج.

إعادة تشكيل خريطة الأصول

دخول «مستقبل مصر» إلى القطاع الصحي لا يمكن فصله عن المسار الأوسع لإعادة تشكيل خريطة الأصول المصرية خلال السنوات الأخيرة.

فمن ناحية، تتوسع الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالدولة في قطاعات جديدة، ومن ناحية ثانية تُطرح منشآت حكومية أمام المستثمرين للإدارة والتشغيل، بينما تستمر الاستثمارات الخليجية والأجنبية في البحث عن فرص داخل قطاعات مثل الصحة والأدوية والتشخيص.

وفي هذه الخريطة المتشابكة، تبدو الإمارات واحدة من القوى الاستثمارية الحاضرة في السوق المصرية، لكن تحديد حجم سيطرتها الفعلية على القطاع الصحي يتطلب التفريق بين الملكية المباشرة والاستثمارات والحصص والصفقات التي لم تكتمل.

أما دخول جهاز «مستقبل مصر» إلى المجال الطبي، فيعني أن الدولة نفسها باتت تتحرك عبر كيان اقتصادي ذي صلاحيات واسعة داخل سوق تتنافس عليها جهات حكومية وعسكرية وخاصة وخليجية.

وبينما يرى منتقدو سياسات المنقلب السفيه السيسي أن هذه التحولات تمثل جزءًا من مسار أوسع لتسليع الأصول العامة وإعادة توزيعها خارج الإطار التقليدي للقطاع الحكومي، يرى المدافعون عن إشراك المستثمرين أن الهدف هو توفير التمويل ورفع كفاءة الخدمات.

وفي الحالتين، تبقى القضية الأساسية مرتبطة بالشفافية: من يملك الأصل؟ ومن يديره؟ ومن يحصل على العائد؟ وما نصيب المواطن من الخدمة؟

وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية كلما اتسعت دائرة الكيانات التي تدير أصول الدولة، وتداخلت في السوق المصرية أدوار الرئاسة والمؤسسة العسكرية والقطاع الخاص ورؤوس الأموال الخليجية.