مهدي عاكف.. سجين كل العصور الذي انتهت رحلته بسجون العسكر بالإهمال الطبي المُتعمّد

- ‎فيحريات

في التاسع والثمانين من عمره، وبعد رحلة امتدت قرابة تسعة عقود، انتهت حياة محمد مهدي عاكف في مكان لم يكن يتمنى أن تكون فيه نهايته: داخل محبسه، بعد سنوات طويلة من السجن والمرض والمعاناة.

كان الرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بجماعة الإخوان المسلمين قد عرف السجن في مراحل مختلفة من حياته، حتى بدت سنوات الحرية في مسيرته وكأنها فواصل قصيرة بين اعتقال وآخر، وفي سبتمبر 2017، أسدل الستار على حياته في مستشفى غربي القاهرة، بعدما تدهورت حالته الصحية خلال فترة احتجازه.

لم تكن حياة عاكف مجرد مسار سياسي تقليدي، بل رحلة بدأت مبكرًا، منذ أن كان شابًا مفتونًا بالرياضة، وانتهت برجل مسن أنهك المرض جسده بينما ظل خلف القضبان.

طفل ولد مع الجماعة

ولد محمد مهدي عثمان عاكف عام 1928 في قرية كفر عوض السنيطة التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، وسط أسرة ميسورة الحال كان واحدًا من عشرة أشقاء.

وفي سنوات شبابه الأولى، قادته هوايته للرياضة إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي كان قد تأسس تنظيمها قبل مولده بسنوات قليلة، ومنذ التحاقه بها عام 1940، أصبحت الجماعة جزءًا أساسيًا من مسيرته وحياته.

كان عاكف متفوقًا في دراسته، وكان من أوائل الجمهورية في الثانوية العامة، والتحق في البداية بكلية الهندسة، لكنه تركها استجابة لرغبة الإمام حسن البنا في أن يتجه أحد شباب الجماعة إلى دراسة التربية الرياضية والعمل بين الطلاب.

التحق عاكف بالمعهد العالي للتربية الرياضية، وتخرج عام 1950، ثم التحق بكلية الحقوق في العام التالي.

لكن حياته المهنية لم تكن منفصلة عن نشاطه السياسي والتنظيمي؛ فبعد تخرجه عمل مدرسًا للتربية الرياضية في مدرسة فؤاد الأول الثانوية، قبل أن يدخل في مسار أكثر ارتباطًا بالعمل العام والجماعة.

من ملاعب الرياضة إلى ساحات المقاومة

لم يكن عاكف يرى الرياضة مجرد هواية. فقد ارتبط نشاطه داخل الجماعة بالعمل مع الشباب، وتولى رئاسة معسكرات جامعة عين شمس، التي أصبحت لاحقًا من محطات تجربته في إعداد الشباب للمشاركة في مقاومة الوجود البريطاني في مدن القناة.

كما تولى قسم الطلبة، وهو أحد الأقسام المهمة داخل جماعة الإخوان، إلى جانب مسؤوليته عن قسم التربية الرياضية بالمركز العام للجماعة.

وفي تلك السنوات، انتقل الشاب الذي بدأ حياته محبًا للرياضة إلى دوائر أكثر حساسية داخل التنظيم، وانضم إلى ما عُرف بالتنظيم الخاص.

لكن تلك المرحلة لم تدم طويلًا قبل أن يدخل عاكف أولى تجاربه الكبرى مع السجن.

حكم بالإعدام.. ثم عشرون عامًا خلف القضبان

في أغسطس 1954، ألقي القبض على عاكف، ووجهت إليه اتهامات من بينها تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد قادة الجيش.

صدر بحقه حكم بالإعدام، قبل أن يُخفف لاحقًا إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

وهكذا وجد الشاب الذي لم يكن قد تجاوز منتصف العشرينيات نفسه أمام سنوات طويلة خلف القضبان.

قضى عاكف نحو عشرين عامًا في السجن، قبل أن يخرج عام 1974 في عهد الرئيس أنور السادات.

كانت سنوات السجن الأولى فصلًا قاسيًا في حياته، لكنها لم تنهِ ارتباطه بالعمل العام. فما إن خرج حتى عاد إلى الحياة المدنية، وعمل مديرًا عامًا للشباب بوزارة التعمير، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى السعودية، حيث شارك في تنظيم معسكرات ومؤتمرات للشباب الإسلامي في عدد من الدول.

ثم عمل مديرًا للمركز الإسلامي في ميونيخ بألمانيا.

سنوات في الخارج.. ثم العودة إلى السياسة

مع مرور السنوات، توسعت علاقات عاكف داخل دوائر العمل الإسلامي خارج مصر، قبل أن يعود إلى المشهد السياسي المصري بصورة أكثر وضوحًا.

وفي انتخابات مجلس الشعب عام 1987، فاز بعضوية المجلس عن دائرة شرق القاهرة ضمن قائمة التحالف الإسلامي الذي خاض الإخوان الانتخابات من خلاله.

كانت التجربة البرلمانية بالنسبة إليه فرصة لفهم السياسة من داخل مؤسساتها، وهو ما عبّر عنه لاحقًا بالقول إنه استفاد منها في معرفة «كيف تصنع الأحداث من المنبع»، لكن عاكف لم يبتعد عن العمل التنظيمي.

وفي عام 1987، أصبح عضوًا في مكتب الإرشاد، وظل أحد أبرز قيادات الجماعة، قبل أن يعود السجن مرة أخرى في عهد الرئيس حسني مبارك.

سجن جديد.. ومحاكمة عسكرية

في منتصف التسعينيات، كان عاكف من بين قيادات الإخوان الذين قدموا إلى المحاكمة العسكرية.

وفي القضية المعروفة إعلاميًا بقضية «سلسبيل»، وجهت إليه اتهامات تتعلق بمسؤوليته عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وصدر بحقه حكم بالسجن ثلاث سنوات.

خرج من السجن عام 1999، وعاد إلى صفوف الجماعة، وظل عضوًا في مكتب الإرشاد حتى أصبح في يناير 2004 المرشد العام السادس للجماعة.

لم يكن عاكف يسعى إلى البقاء في المنصب طويلًا.

وفي يناير 2010 انتهت ولايته، ورفض التجديد، ليخلفه الدكتور محمد بديع.

ورغم مغادرته موقع المرشد، ظل عاكف حاضرًا داخل الجماعة، باعتباره واحدًا من رموز جيلها القديم، وصاحب علاقات ممتدة مع أجيال وقيادات مختلفة في الداخل والخارج.

المرشد الذي اختار الرحيل

كان عاكف يؤمن، وفق ما نُقل عنه، بأهمية الشورى داخل العمل الإسلامي، وبكونها ملزمة وليست مجرد وسيلة للاستئناس بالرأي.

ولعل رفضه التجديد لنفسه في منصب المرشد كان أحد أبرز المواقف التي عكست هذا التصور.

خرج من المنصب عام 2010، لكنه لم يخرج من المشهد.

وبعد ثلاث سنوات فقط، وجد نفسه أمام فصل جديد من حياته، أكثر قسوة من كل ما سبقه.

الاعتقال الأخير

عقب أحداث 3 يوليو 2013، كان عاكف من بين آلاف المعتقلين من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان والقوى الرافضة لما حدث.

في البداية، واجه اتهامات من بينها إهانة القضاء على خلفية تصريحات نسبت إليه، قبل أن تتم تبرئته من هذه القضية في مايو 2014.

لكن خروجه من هذه القضية لم يكن يعني خروجه من السجن، إذ ظل محتجزًا على ذمة قضايا أخرى.

هذه المرة لم يكن السجين شابًا كما كان عام 1954، ولا رجلًا في منتصف العمر كما كان في تسعينيات القرن الماضي.

كان عاكف قد تجاوز الثمانين.

ومع تقدم العمر، بدأت صحته في التدهور.

جسد ينهكه المرض.. وسجن لا ينتهي

مع بداية عام 2017، تدهورت حالة عاكف الصحية بصورة كبيرة، ونُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج وأودع العناية المركزة.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان نشرته صفحتها الرسمية آنذاك، إن "نقله إلى المستشفى جاء بناء على طلب أسرته ووفق القواعد القانونية، وإنه تلقى الرعاية الطبية اللازمة".

لكن أسرته واصلت المطالبة بالإفراج الصحي عنه، مؤكدة أن حالته أصبحت شديدة الخطورة.

لم يكن مطلب الأسرة يتعلق فقط بالعلاج، بل بإخراج رجل في التاسعة من عمره تقريبًا من السجن، ومنحه فرصة لقضاء ما تبقى من حياته بين أبنائه وأحفاده.

ومع ذلك، بقي عاكف خلف القضبان.

حتى جاءت ليلة 22 سبتمبر 2017.

النهاية في المستشفى مسجونا

في مساء ذلك اليوم، توفي محمد مهدي عاكف عن عمر ناهز 89 عامًا، داخل مستشفى غربي القاهرة، بعد نقله إليه إثر تدهور حالته الصحية.

كتبت ابنته علياء عقب وفاته: «أبي في ذمة الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون».

لكن رحيله لم ينه الجدل حول سنواته الأخيرة.

فبينما حملت جماعة الإخوان السلطات المصرية مسؤولية وفاته، واتهمتها بالتنكيل به وعدم الإفراج عنه صحيًا، اعتبر معارضون، من اتجاهات سياسية مختلفة، أن استمرار احتجازه رغم تقدمه في العمر ومرضه كان أمرًا يستحق الإدانة.

وكتب الناشط الحقوقي والسياسي خالد علي، وكذلك المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، مطالبين بالإفراج الصحي عن عاكف وعن السجناء المرضى وكبار السن.

كما وصف آخرون وفاته بأنها نتيجة لما اعتبروه إهمالًا طبيًا داخل السجن، وهي اتهامات صدرت عن معارضين وأسرة عاكف، بينما كان الموقف الرسمي يؤكد توفير الرعاية الطبية ونقله إلى المستشفى للعلاج.

جنازة في منتصف الليل

حتى جنازة عاكف لم تكن تشبه جنازات الشخصيات العامة.

دُفن في الساعات الأولى من صباح السبت 23 سبتمبر، بمقابر الوفاء والأمل شرقي القاهرة، وسط إجراءات أمنية مشددة.

وبحسب رئيس هيئة الدفاع عنه آنذاك، لم يُسمح بحضور مراسم الدفن إلا لعدد محدود من أقاربه، بينهم زوجته ونجلته وحفيد له، بينما بقي أقارب آخرون خارج المقبرة.

كان الرجل الذي تولى منصب المرشد العام لجماعة الإخوان، والذي عرفه أنصاره لعقود باعتباره أحد أبرز رموزها، يوارى الثرى بعيدًا عن تجمعات الجماعة وأنصاره.

انتهت الجنازة سريعًا، وانتهت معها رحلة رجل قضى سنوات طويلة من عمره في السجون.

سجين كل العصور

ربما تختصر عبارة «سجين كل العصور» جانبًا من قصة مهدي عاكف.

فقد عرف السجن في عهد جمال عبد الناصر، ثم عاد إليه في عهد حسني مبارك، وانتهت حياته خلف القضبان في عهد عبد الفتاح السيسي.

وبحسب التسلسل الوارد في سيرته، أمضى عاكف أكثر من 27 عامًا في السجون خلال مراحل مختلفة من حياته، وهي سنوات تقترب من ثلث عمره.

بين السجن الأول في شبابه، والسجن الأخير في شيخوخته، تغيرت مصر، وتغيرت الأنظمة، وتغيرت الظروف السياسية، لكن السجن ظل حاضرًا في مسيرته.

دخل السجن شابًا محكومًا عليه بالإعدام، وخرج منه بعد عشرين عامًا.

وعاد إليه بعد عقود وهو قيادي بارز ومرشد سابق لجماعة الإخوان.

ثم خرج من الحياة كلها من داخل مستشفى، بعد أن أصبح المرض أثقل من جسده الذي أنهكته تسعة عقود.

حياة اختلط فيها الإيمان بالسياسة والسجن

يصعب فصل قصة عاكف الشخصية عن التاريخ السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.

فهو لم يكن مجرد عضو في الجماعة؛ عاش مراحلها المختلفة، وعرف مؤسسها حسن البنا، وعمل في أقسامها التنظيمية، ودخل سجون عبد الناصر، وخاض تجربة سياسية وبرلمانية في عهد مبارك، وأصبح مرشدًا عامًا، ثم انتهت حياته معتقلًا بعد 2013.

وبين كل تلك المحطات، ظل الرجل متمسكًا بالمسار الذي اختاره منذ شبابه.

وفي النهاية، لم تكن الصورة الأخيرة له صورة المرشد أو السياسي أو القيادي التنظيمي، وإنما صورة رجل مسن أنهكه المرض، ينتظر نهاية أيامه خلف القضبان.

وهكذا انتهت حياة محمد مهدي عاكف، الذي بدأ رحلته في زمن تأسيس جماعة الإخوان، وعاش تقلبات مصر السياسية لأكثر من ثمانية عقود، ثم غادر الدنيا في سبتمبر 2017، تاركًا وراءه سيرة شديدة التعقيد، تتداخل فيها السياسة والدعوة والسجن والصراع، وتبقى سنوات اعتقاله الأخيرة أكثر فصولها الإنسانية إثارة للأسئلة.