عبث قسري بترليونات الأوقاف .. اختلاسات وفساد بقلب مديريات الأوقاف

- ‎فيتقارير

باتت قضايا الاختلاسات والفساد المالي والإداري جزءًا لا يتجزأ من وزارة الأوقاف في "الجمهورية الجديدة" للعسكر، وذلك في عدد من الملفات المرتبطة بوزارة الأوقاف وهيئة الأوقاف في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع وقائع أكبر من حجم متابعات وتحريات الأجهزة؛ حتى باتت تتطلب أن تنتقل وحدات الأموال العامة والرقابة الإدارية لقلب "الوزارة".

وفي هذا السياق، يرصد هذا التقرير عددًا من الوقائع والمواد المنشورة والمتداولة، بدءًا من قضية اختلاس تجهيزات مسجد الصفا وإحالتها إلى الجنايات في يناير 2024، مرورًا بمطالب برلمانية في مايو 2025 بإنشاء وحدة لمباحث الأموال العامة داخل هيئة الأوقاف ومديرياتها، ومنشور لحزب تكنوقراط مصر تضمن مواقف وادعاءات بشأن إدارة أموال الوقف، وصولًا إلى أمر إحالة في سبتمبر 2026 يتضمن اتهامات بالاستيلاء وتسهيل الاستيلاء وتزوير محررات في أموال شركة المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف، ثم تحريات تتعلق بأرض الجولف وصفقة شراء بقيمة 924 مليون جنيه.

 

الاستيلاء على 14 مليون جنيه بشركة المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف

كانت منصة «متصدقش» قد قالت إنها حصلت على أمر الإحالة الصادر عن نيابة الأموال العامة العليا يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026، في القضية رقم 44 لسنة 2026 جنايات أموال عامة عليا.

ويتعلق أمر الإحالة باتهام أربعة أشخاص بوقائع استيلاء وتسهيل استيلاء على نحو 14 مليون جنيه من أموال شركة المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف، إلى جانب اتهامات بتزوير محررات رسمية.

وتوضح المنصة أن شركة المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف تساهم فيها هيئة الأوقاف المصرية بنسبة 94.8%.

 

المتهمون والوقائع المنسوبة إليهم

بحسب ما نشرته «متصدقش»، شملت الاتهامات: علاء كمال، المدير المالي لقطاع الاستثمار العقاري بشركة المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف، وأشرف فتحي، محاسب بالشركة، وحماده عبد الخالق، محاسب بالشركة، وسمير فهيم، مقاول. وتقول المنصة إن الوقائع المنسوبة إلى المتهمين وقعت خلال الفترة من 2018 حتى يوليو 2024.

وبحسب قائمة أدلة الإثبات، بلغت المبالغ التي تحصل عليها المتهمون 13 مليونًا و941 ألفًا و290 جنيهًا، بينما ورد في أحد بنود أمر الإحالة اتهام علاء كمال منفردًا بالحصول على 3 ملايين و465 ألف جنيه.

 

"الأوقاف"  تفض قرار النيابة بأرض الجولف!

وتضع تحريات مباحث أول مدينة نصر هيئة الأوقاف المصرية في قلب أزمة أرض الجولف، بعدما نسبت إليها فض أختام قطعة متنازع عليها رغم قرار النيابة العامة بغلق الموقع ومنع الأطراف جميعًا من التصرف فيه.

وتتعلق الوقائع بقطعة مساحتها 17,907 متر مربع، دفعت هيئة الأوقاف مقابلها 924 مليون جنيه، في ظل نزاع قائم بشأن الملكية والحيازة.

ووردت الواقعة في المحضر رقم 4584 لسنة 2026 إداري أول مدينة نصر، المؤرخ في 23 يناير، والذي تناول اتهام الهيئة بفض أختام القطعة رقم 6أ بشارع النزهة في أرض الجولف، وذلك في إطار فحص البلاغ بناءً على طلب النيابة.

وبحسب الوقائع المنشورة عن التحريات، نُسب إلى الهيئة دخول الأرض رغم تشميعها، بما يطرح تساؤلات بشأن الأشخاص الذين نفذوا الدخول، والجهة التي أصدرت التعليمات، والمستندات التي استند إليها أي إجراء ميداني.

وكان قرار سابق في المحضر رقم 9545 لسنة 2022 قد قضى بغل يد الملاك وبنك فيصل الإسلامي وهيئة الأوقاف عن الموقع، إلى حين حسم النزاع.

وتشير الرواية المنشورة إلى أن النيابة طلبت حضور رئيس هيئة الأوقاف ومدير الشئون القانونية ببنك فيصل لسماع أقوالهما، مع الإشارة إلى عدم حضورهما حتى وقت نشر المادة، دون بيان منشور يوضح أسباب الغياب أو موعدًا جديدًا للاستماع. وتظل التحريات، بحسب طبيعتها القانونية، أحد عناصر التحقيق وليست حكمًا نهائيًا بالإدانة.

كما يتمسك الملاك والمستفيدون بحقوقهم في الحيازة، بينما يبقى الفصل في الحق النهائي في الملكية والحيازة وما يترتب عليهما من آثار منوطًا بالمستندات والدعاوى والأحكام القضائية.

 

مشروع طيبة جاردنز

وتنسب النيابة إلى علاء كمال تسهيل استيلاء المقاول سمير فهيم على 2 مليون و287 ألفًا و420 جنيهًا من أموال الشركة.

وبحسب أمر الإحالة كما أوردته المنصة، تم ذلك من خلال استغلال اختصاصه الوظيفي في إعداد بيانات الموقف المالي لأعمال المقاولين بمشروع الشركة في فرع مدينة 6 أكتوبر، وإثبات استحقاق المقاول مبالغ مقابل أعمال مقاولات بمشروع «طيبة جاردنز» بالمخالفة للحقيقة، وفق الاتهام.

كما تنسب النيابة إلى كمال تزوير بيانات الموقف المالي للمقاولين وطلبات وأذون الصرف والشيكات وموازين المراجعة الشهرية للفرع خلال الفترة من مايو 2018 حتى ديسمبر 2021، من خلال المحو والإضافة ووضع إمضاءات مزورة، واستعمال تلك المحررات في صرف مبالغ وإخفاء واقعة تسهيل الاستيلاء، بحسب أمر الإحالة.

وفي واقعة أخرى، تتهم النيابة علاء كمال بالاستيلاء على 3 ملايين و465 ألف جنيه من أموال الشركة، من خلال استغلال اختصاصه في تحرير الشيكات باسم فرع الشركة بمدينة 6 أكتوبر.

وبحسب ما أوردته «متصدقش»، تضمنت الاتهامات استخدام حبر قابل لمحو أثره لإثبات أسماء مستفيدين، ثم الحصول على التوقيعات اللازمة ومحو بيانات المستفيدين وإضافة بيانات المقاول سمير فهيم.

وتقول النيابة إن كمال أجرى تحويلين من حسابات الشركة إلى المقاول، الذي أعاد تحويل المبالغ إلى حسابات كمال وحساب زوجته.

كما شملت الاتهامات، وفق أمر الإحالة، تزوير 9 شيكات مصرفية ونموذجي تحويل نقدي داخلي وطلب وأذن صرف ومستندات مراجعة شهرية، إلى جانب خطاب منسوب إلى جهاز تنمية مدينة أسوان الجديدة وكشوف حسابات بنكية.

وفي واقعة أخرى، أسندت النيابة إلى كمال الاستيلاء على 4 ملايين و320 ألفًا و870 جنيهًا من أموال الشركة من خلال 14 حركة دائنة جرى خصمها من حسابات قطاع الاستثمار العقاري لدى بنك الكويت الوطني.

وتضمن أمر الإحالة، بحسب المصدر، اتهامه باستغلال تفويضه بالتوقيع الثاني لدى البنك، وتعديل بيانات الشيكات، وتقديمها للبنك لسحب قيمتها وتحويل مبالغ إلى حساباته في البنك الأهلي المصري وبنك مصر.

كما واجه اتهامًا بتزوير 12 شيكًا ونموذجي تحويل نقدي وكشوف حسابات بنكية وقسيمة إيداع نقدي بمبلغ 2 مليون و528 ألفًا و700 جنيه.

وفي واقعة أخرى، أسند أمر الإحالة إلى علاء كمال تسهيل استيلاء المقاول سمير فهيم على 3 ملايين و877 ألف جنيه من أموال الشركة، من خلال تحرير شيكات مصرفية والحصول على توقيعات المختصين وتسليم أصول الشيكات لفهيم، إلى جانب إجراء تحويلين داخليين من حسابات الشركة إلى حسابه، وفق الاتهام الوارد في الأمر.

 

اتهامات لمحاسبين بالشركة

تضمنت القضية كذلك اتهام أشرف فتحي وحماده عبد الخالق بالاشتراك مع علاء كمال، بطريقي الاتفاق والمساعدة، في تسهيل استيلاء المقاول سمير فهيم على مبلغ 2 مليون و287 ألفًا و420 جنيهًا.

واعتمدت النيابة، بحسب قائمة أدلة الإثبات التي نشرتها المنصة، على أقوال عدد من مسئولي وموظفي الشركة وخبراء وزارة العدل.

وقال الشاهد أحمد عبد الله، رئيس قطاع الشئون الإدارية سابقًا بالشركة، إنه تلقى بلاغًا من مجهول عن استيلاء علاء كمال على أموال الشركة عن طريق تحويلات مصرفية بالتعاون مع باقي المتهمين، وأبلغ هيئة الرقابة الإدارية.

وقال الشاهد شريف أحمد، العضو المنتدب ورئيس مجلس إدارة الشركة، إن فحص كشوف المعاملات البنكية أظهر خصم المبالغ محل التحقيق، وإن الكشوف الموجودة بملفات الإدارة المالية كانت مغايرة للكشوف الصحيحة الواردة من البنك.

كما شهد محمد عبد العزيز، خبير وزارة العدل، بأن فحص كشوف الحسابات البنكية أثبت التحويلات المالية محل التحقيق.

وأشارت أعمال الفحص المالي، وفق المادة المنشورة، إلى وجود تلاعب منسوب إلى علاء كمال في بيانات المراجعة الشهرية لقطاع الاستثمار العقاري، إلى جانب وقائع تلاعب في البيانات المقدمة للبنك المتعامل مع الشركة.

924 مليون جنيه وسط النزاع

تعود جذور الأزمة، وفق الرواية المنشورة، إلى خلاف على الملكية والحيازة بين عدة أطراف، قبل أن يتخذ بنك فيصل إجراءات لتسجيل الأرض باسمه بموجب المشهر رقم 5577 لسنة 2023.

ويعترض الملاك على هذا الإجراء، مستندين إلى قرار غل اليد ومحضر حصر الحيازة رقم 66 لسنة 2023، الذي يقولون إنه أثبت إبعاد البنك وبقاء الأرض تحت التحفظ.

وأعلن بنك فيصل موافقة مجلس إدارته على بيع القطعة إلى هيئة الأوقاف مقابل 924 مليون جنيه نقدًا، رغم استمرار النزاع.

وتذكر الرواية المنشورة أن عقد البيع تضمن بندًا يعفي البنك من مسئولية عوائق الأرض ومنازعاتها الحالية والمستقبلية، ويحمل الهيئة تلك المخاطر.

كما تطرح المادة تساؤلات حول أساس تقييم الأرض، وأثر النزاع القضائي والتشميع وتأخر الاستغلال على القيمة التي دفعتها الهيئة.

اعتراضات رقابية وأسئلة حول الصفقة

تقارير للجهاز المركزي للمحاسبات رصدت اعتراضات داخل جهات مالية ورقابية بشأن توقيع شيكات الصرف، في ظل مخاوف مرتبطة بالسيولة والنزاع على الأرض.

وتشير المادة إلى أن تحديد المسئوليات يتطلب الاطلاع على نصوص التقارير والردود الرسمية، إلى جانب تحديد توقيت سداد مبلغ الصفقة، ومصدر التمويل، وطريقة تقييم الأرض، والجهة التي وافقت على الالتزامات الواردة بالعقد.

كما تتناول ضرورة تحديد ما إذا كانت الأختام قد فُضت بالفعل، ومتى حدث ذلك، وما إذا كان موظفون أو متعاقدون باسم الأوقاف قد دخلوا الموقع، ومطابقة ذلك مع محاضر المعاينة وسجلات التأمين.

وحدة لمباحث الأموال العامة داخل الهيئة

ومع مناقشة برلمان العسكر في "الشيوخ" لطلب يتعلق بالاستفادة من أموال الأوقاف، وخلال الجلسة العامة، طالب النائب فاروق المقرحي بإنشاء وحدة لمباحث الأموال العامة داخل هيئة الأوقاف وفي مديرياتها.

وقال المقرحي، وفق ما نقلته المادة، إن الهيئة تحتاج إلى جهاز يعمل على إعادة الانضباط ومواجهة ما وصفه بوقائع نهب وسرقة، وتحدث عن ضياع أموال بالملايين.

كما دعا إلى مزيد من الرقابة على أموال الأوقاف، وطرح تساؤلات بشأن بيع أصول وقفية واستخدام عوائدها في مشروعات أخرى.

ونقلت المادة عنه مطالبته بتعامل أكثر تشددًا مع ملف هيئة الأوقاف، مشيرًا إلى ضرورة حماية أموال الوقف على مستوى الجمهورية.

 

قضية يومية بوزارة الأوقاف

وفي يناير 2024 يبدو أن الطبيعي بات الاختلاس، فالمحامي العام الأول لنيابة الأموال العامة العليا، أحال قضية اختلاس بوزارة الأوقاف إلى الجنايات، وكان المتهم فيها عامل مسجد الصفا التابع لهيئة الأوقاف.

وبحسب أمر الإحالة الوارد في المادة، فإن المتهم، بصفته موظفًا عامًا وأمينًا على الودائع، اتُهم باختلاس منقولات كانت في حيازته بسبب وظيفته.

وتتمثل المنقولات، وفق الاتهام، في تجهيزات مسجد الصفا التابع لهيئة الأوقاف، وتبلغ قيمتها 202 ألف و495 جنيهًا، وكانت مسلمة إليه كعهدة شخصية للمحافظة عليها تمهيدًا لنقلها إلى أحد المخازن التابعة لجهة عمله. ونسب أمر الإحالة إليه احتباس تلك التجهيزات لنفسه بقصد تملكها، على النحو الوارد بالتحقيقات.

 

أموال الأوقاف

ونشر حساب حزب تكنوقراط مصر منشورًا تناول فيه إدارة أموال وأعيان الوقف الإسلامي، وادعى وجود خطوات حكومية ممنهجة للاستيلاء على أموال وأعيان الوقف الإسلامي، وقدر قيمة تلك الأموال بنحو 3 تريليونات جنيه.

وطالب المنشور بوقف إجراءات نقل ملكية أو إدارة أو بيع الأوقاف الإسلامية لأي جهة خارج هيئة الأوقاف، وفتح تحقيق حول الأصول الوقفية التي قال إنها أُدخلت في صناديق سيادية أو مشروعات استثمارية.

كما دعا إلى مشاركة الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء في إبداء رأي حول شرعية الإجراءات المتعلقة بالأوقاف.

وتضمن المنشور كذلك مقارنات وادعاءات بشأن التعامل مع أوقاف المسلمين وأوقاف المؤسسات المسيحية، وربط ذلك بمبدأ المساواة وعدم التمييز.