بالتزامن مع الاستعداد لمؤتمر لعرض ما يوصف بـ"إنجازات" المنقلب عبد الفتاح السيسي، ظهرت حملة إلكترونية مجهولة المصدر تحت شعار "كمل ياريس"، تدعو إلى تمديد فترة حكم المنقلب حتى عام 2050، في طرح يتجاوز القيود الواردة في النص الدستوري الحالي بشأن مدد "دستورية" للمقعد المسروق.
وأطلقت الحملة موقعها الإلكتروني في 19 سبتمبر الماضي، http://sisi2050.com ويعرّف القائمون عليه المبادرة بأنها «مبادرة مدنية مستقلة لجمع التأييد وتقديمه لمجلسي الشعب والشيوخ لاعتماده»، مع التأكيد على أنها مبادرة طوعية ولا تتبع أي جهة حكومية، من دون الكشف عن أسماء القائمين عليها.
وتستند الحملة، بحسب النص المنشور عنها، إلى ما تصفه بـ«التحديات غير المسبوقة والاستهداف المباشر لأمن واستقرار مصر»، باعتبارها مبررات لاستمرار السيسي في الحكم لفترة تمتد حتى منتصف القرن.
من «كمل جميلك» إلى "كمل ياريس"
أعادت الحملة الجديدة إلى الواجهة نمطًا من الحملات الإلكترونية التي سبقت استحقاقات سياسية ودستورية سابقة. فقد ظهرت حملة «كمل جميلك» عام 2014 مطالبة بترشح السيسي للرئاسة، ثم حملة «عشان تبنيها» عام 2017 دعماً لترشحه لفترة رئاسية ثانية.
وتواصل هذا المسار، بحسب المادة المتداولة، مع الحملات التي مهدت لتعديلات دستورية أُقرت عام 2019، ورفعت مدة الولاية الرئاسية إلى ست سنوات وأتاحت ولاية ثالثة استثنائية تنتهي في 2030.
وبحسب النص المرفق، فإن المادة 140 من الدستور بصيغتها الحالية لا تتيح للسيسي الترشح مجددًا بعد انتهاء ولايته الحالية، وهو ما يجعل الدعوة إلى البقاء حتى 2050 مرتبطة بالضرورة بتعديل دستوري جديد يغير القيود الخاصة بمدد الرئاسة.
ويتبنى الحمل منصات وموقع يدعو إلى تمديد حكم السيسي حتى عام 2050، رغم أن الدستور بصيغته الحالية لا يجيز ترشحه مجددًا بعد انتهاء ولايته في 2030.
وربطت المنصة بين الحملة الحالية وحملات سابقة، من بينها «كمل جميلك» و«عشان تبنيها»، وصولًا إلى الحملات التي سبقت تعديلات دستور 2019.
بهاء الدين حسن: السيسي إلى الأبد
الكاتب والحقوقي بهاء الدين حسن @BaheyHassan تناول الحملة بسخرية من طول المدة التي تقترحها، وكتب أن السماح لعبد الفتاح السيسي بالاستمرار في الحكم حتى عام 2050 ينطوي، بحسب تعبيره، على «تعنت لا مبرر له»، مشيرًا إلى أن عمر السيسي حينها سيكون 96 عامًا.
واقترح حسن بصورة ساخرة أن يكون شعار الحملة «السيسي إلى الأبد»، مستحضرًا شعارًا سابقًا لحملة دعم بشار الأسد، ومربطًا بين استمرار الحاكم وبين نمط سياسي يرى فيه أن بقاء الشخص في السلطة يتحول إلى هدف قائم بذاته.
لماذا 2050؟
وتناول الدكتور أحمد عبد العزيز، المستشار الإعلامي السابق للرئيس محمد مرسي تناول فيه «رمزية ودلالات» اختيار عام 2050 تحديدًا.
ويرى عبد العزيز أن اختيار هذا التاريخ البعيد يرسخ، من وجهة نظره، صورة «الحاكم الأبدي»، كما يربطه باستخدام عام 2050 في عدد من الخطط والرؤى الاستراتيجية العالمية، بما يمنح الرقم مظهرًا مستقبليًا يتجاوز مسألة عمر السيسي نفسه.
ويذهب الكاتب إلى أن الرسالة السياسية التي يمكن قراءتها من الرقم تتمثل في إبعاد فكرة التغيير السياسي إلى مدى زمني بعيد، بحيث يصبح المستقبل السياسي، وفق هذا التصور، محجوزًا حتى منتصف القرن.
كما يربط عبد العزيز بين الشعار واستمرار «النظام» الذي يمثله السيسي، معتبرًا أن القضية، في قراءته، لا تتعلق بشخص السيسي بقدر ما تتعلق باستمرار البنية السياسية والأمنية التي يحكم من خلالها.
رسالة سياسية
ويطرح الدكتور أحمد عبد العزيز عدة أهداف محتملة، من بينها تكريس صورة السيسي باعتباره حاكمًا ممتدًا لعقود، وإحباط تيار التغيير، وإرسال إشارات إلى مؤسسات الدولة بأن المشروع السياسي الحالي طويل الأمد.
كما يشير إلى احتمال أن يكون للحملة بُعد خارجي يتمثل في تقديم صورة عن استقرار النظام واستمراره أمام القوى الدولية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية.
ويصف عبد العزيز عنوان «السيسي حتى 2050» بأنه شعار دعائي، ويرى أن دلالته الأساسية لا تتعلق بإمكان بقاء السيسي فعليًا حتى ذلك التاريخ، وإنما بتكريس فكرة استمرار النظام إلى منتصف القرن وما بعده.
الإنجازات في مواجهة الواقع
الحقوقي والسياسي د.أسامة رشدي @OsamaRushdi تناول في منشور له مؤتمر عرض «إنجازات» السيسي، رابطًا بين انعقاد المؤتمر وبين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمصريين.
وكتب "رشدي" أن الدول لا تحيا بالمؤتمرات والخطب والتصفيق، معتبرًا أن المواطن يحتاج إلى الحرية والكرامة إلى جانب الغذاء، وأن الدولة تحتاج إلى العدل والمحاسبة إلى جانب العمران والمشروعات.
وانتقد إقامة مؤتمر لعرض الإنجازات في العاصمة الإدارية، معتبرًا أن ملايين المصريين يعيشون في الوقت نفسه ضغوطًا تتعلق بالطعام والدواء والتعليم والدخل.
كما تناول رشدي ملف الديون والأصول والمشروعات والإنفاق العام، وربط بين هذه الملفات وبين ما يراه أعباء اقتصادية يتحملها المواطنون.
وفي ملف الحريات، أشار إلى السجون والمعتقلين، متسائلًا عما إذا كان المؤتمر سيعرض أوضاع من فقدوا حريتهم، وما إذا كان أهالي المعتقلين سيتمكنون من طرح أسئلتهم بصورة مباشرة.
وذهب رشدي إلى أن قياس الإنجازات، في رأيه، لا يكون من خلال الأفلام الدعائية أو المؤتمرات، وإنما من خلال قدرة المواطنين على ملاحظة أثر السياسات العامة في حياتهم اليومية.
الوجه الآخر للجدل
وفي سياق متصل بملف الحريات، قررت نيابة أمن الدولة العليا حبس المواطن محمد عيسى إبراهيم علي احتياطيًا لمدة 15 يومًا، على خلفية اتهامه بنشر أغنية تطالب السيسي بالرحيل.
وبحسب "الجبهة المصرية لحقوق الإنسان"، جاء القرار بعد فترة احتجاز وإخفاء قسري قالت الجبهة: "إنها استمرت 85 يومًا داخل مقار تابعة لقطاع الأمن الوطني".
ويأتي ذكر القضية في المادة باعتبارها مثالًا متزامنًا مع ظهور حملة تطالب بتمديد حكم السيسي، بما يضع أمام النقاش السياسي صورتين متناقضتين في المجال العام: دعوات إلكترونية مفتوحة لاستمرار الحكم لعقود، وملاحقة مواطن بسبب محتوى يطالب برحيل السيسي.
قراءة ستيفن كوك
وفي 2023 تناول الباحث والكاتب ستيفن أ. كوك، كاتب العمود في مجلة «فورين بوليسي» وزميل أول لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية. تفسير الحملة والحملات المشتركة في الهدف، بالعلاقة بين السيسي والخوف السياسي، وبين الطريقة التي يتم بها التعامل مع منتقدي النظام من خلال اتهامهم بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.
ويقول كوك، وفق المادة المنشورة، "إن اتهام منتقدي السيسي بأنهم يعملون لصالح الإخوان يعكس، في رأيه، مشكلتين مترابطتين: الفجوة بين ما تعد به الحكومة المصريين وبين واقع حياتهم اليومية، وعدم قدرة النظام على التخلص من ظل الإخوان المسلمين في السياسة والمجتمع المصري".
ويرى كوك أن الاتهام بالإخوان أصبح، خلال السنوات الأخيرة، أكثر وضوحًا وخطورة، وأنه لا يقتصر على أعضاء الجماعة أو المتعاطفين معها، وإنما امتد إلى محللين وناشطين ومعارضين سلميين لا ينتمون إليها.
ويعرض الكاتب تاريخ العلاقة بين الدولة المصرية والإخوان المسلمين منذ الأربعينيات، مرورًا بعصور عبد الناصر والسادات ومبارك، معتبرًا أن الجماعة ظلت لاعبًا سياسيًا واجتماعيًا حاضرًا في مصر، رغم فترات القمع والمصالحة المتعاقبة.
كما يرى كوك أن محاولة إعادة صياغة السردية القومية المصرية من خلال استبعاد الإخوان المسلمين منها لم تنجح بصورة كاملة، لأن الجماعة شاركت، بحسب عرضه، في محطات تاريخية وقضايا ارتبطت بالسياسة المصرية وبالقضية الفلسطينية.
وفي سياق حديثه عن منتقدي السيسي، يذهب كوك إلى أن اتهامهم بالعمل لصالح الإخوان أصبح وسيلة جاهزة للرد على الانتقادات، وأن هذا الاتهام قد يترتب عليه، بحسب وصفه، السجن أو الأذى بالنسبة إلى بعض المصريين.
ويربط كوك في نهاية تحليله بين الخوف الذي يستخدمه النظام في الحكم وبين الخوف الذي يسيطر، بحسب رأيه، على القيادة نفسها من احتمالات التغيير السياسي.
البقاء ومساحة الاعتراض
تتقاطع في المادة المرفقة دعوة حملة "كمل ياريس" إلى تمديد حكم السيسي حتى 2050 مع منشورات تنتقد المؤتمر المزمع لعرض «الإنجازات»، إلى جانب قضية المواطن محمد عيسى الذي يواجه اتهامًا على خلفية نشر أغنية تطالب السيسي بالرحيل.
وفي هذا السياق، تتوزع المواقف المنشورة بين من يتعامل مع شعار 2050 باعتباره دعوة رمزية لاستمرار النظام، ومن يراه تجاوزًا للقيود الدستورية الحالية، ومن يربطه بالأوضاع الاقتصادية والحريات، بينما تستحضر قراءة ستيفن كوك، التي أعاد نشرها زيد بنيامين، مسألة الخوف السياسي وتهمة الانتماء إلى الإخوان باعتبارها إحدى أدوات التعامل مع منتقدي السلطة.