10 سنوات على تعويم الجنيه .. مراقبون: نقل تكلفة الفشل والفساد إلى المواطن

- ‎فيتقارير

مزاعم تصحيح اختلالات الاقتصاد أفضت لتآكل القدرة الشرائية وتجدد أزمة الدولار

مع مرور عشر سنوات على قرار تعويم الجنيه المصري في 3 نوفمبر 2016، يتجدد الجدل بشأن حصيلة القرار الذي مثّل أحد أبرز محطات برنامج الإصلاح الاقتصادي، وسط استمرار تراجع العملة المحلية وتكرار أزمات نقص النقد الأجنبي، وارتفاع تكلفة المعيشة على المواطنين.

وبينما يرى فريق أن التعويم لم يكن سبب الأزمة، وإنما كشف اختلالات كانت مخفية بفعل تثبيت سعر الصرف، يعتبر آخرون أنه حمّل المواطنين تكلفة إخفاق السياسات الاقتصادية، دون أن يقابله تحسن مستدام في الإنتاج والصادرات أو حماية كافية للفئات محدودة الدخل.

وفي 16 فبراير 2016  وقف السيسي في احتفالية عام الشباب المصري وقال عبارته "والله أنا لو أنفع أتباع لأتباع" ثم استجمع دموعه وقواه، ومن ثم أصدر قرار تدمير المصريين في 3 نوفمبر 2016 بالتعويم القاتل وكان في منتدى شباب العالم..

ويأتي إحياء الذكرى العاشرة للقرار في وقت يقترب فيه سعر الدولار من 56 جنيهاً، مقارنة بنحو 8.88 جنيهات قبل التعويم الأول، وسط ضغوط جديدة على سوق الصرف وتقديرات بخروج مليارات الدولارات من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية.

التعويم نقل تكلفة الفشل إلى المواطن

ورفض نبيل مبروك (@AuobNabil) اختزال النقاش في اعتبار التعويم مجرد آلية لكشف السعر الحقيقي للعملة، معتبراً أنه نقل تكلفة الإخفاق الاقتصادي الحكومي إلى المواطنين.

وتساءل مبروك عن أسباب عدم توجيه الموارد إلى مشروعات قومية تحقق عوائد دولارية كافية، وعن غياب الدعم الملائم لمحدودي الدخل لمواجهة التداعيات التضخمية الناتجة عن تحرير سعر الصرف.

وأشار إلى أن الدعم النقدي والعيني والخدمي ليس إجراءً استثنائياً أو بدعة اقتصادية، بل تطبقه دول مختلفة لحماية الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار.

ومن جانبه، تساءل صاحب هشام (@hryahr) عن القيمة المضافة التي حققها التعويم للاقتصاد المصري، معتبراً أن استمرار العجز التجاري، الذي أشار إلى أنه بلغ نحو 20 مليار دولار سنوياً منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، لا يعني أن تحرير سعر الصرف هو الوسيلة الوحيدة لمعالجته.

وانتقد الجمع بين التعويم والزيادات الكبيرة في أسعار البنزين والسولار وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، معتبراً أن تزامن هذه الإجراءات ضاعف الأعباء على المواطنين، دون تقديم تفسير مقنع للعائد الاقتصادي الذي تحقق منها.

عشر سنوات من تراجع قيمة الجنيه

وعلى وقع الذكرى العاشرة، استعاد هيثم التابعي (@Haithamtabei)، في منشور بتاريخ 3 نوفمبر، مسار تراجع الجنيه منذ التعويم الأول، مشيراً إلى أن الدولار لامس 20 جنيهاً رسمياً في البنوك آنذاك، وهو مستوى وصفه بأنه كان رقماً قياسياً يصعب تخيله وقتها، قبل أن تتوالى مستويات قياسية جديدة وصولاً إلى نحو 56 جنيهاً.

أما الناشطة في التدوينات الاقتصادية رانيا الخطيب (@ElkhateebRania)، فربطت في منشورها بين قرار التعويم وتراجع الأوضاع المعيشية، معتبرة أن الانخفاض الكبير في قيمة الجنيه أدى إلى إضعاف الطبقات الاجتماعية، وانتقدت استخدام مصطلح الإصلاح الاقتصادي لتوصيف ما اعتبرته تراجعاً في مستوى المعيشة.

 

وكتبت أن الدولار ارتفع من نحو 10 جنيهات إلى 56 جنيهاً، منتقدة الخطاب الرسمي الذي يصف الأزمات بأنها تحديات، والزيادات في الأعباء بأنها إصلاحات.

وفي السياق نفسه، وصف مصطفى الأنصاري (@_MAN) السنوات العشر التي أعقبت تعويم 3 نوفمبر 2016 بأنها عقد من «الإصلاح الجريء»، مستخدماً تعبيراً ساخراً عن تأثير السياسات الاقتصادية على المواطنين والأجيال الجديدة.

كما علقت صابرين رجب (@SabrieenR) على حلول الذكرى العاشرة للقرار بسخرية من تداعياته، مشيرة إلى أن التعويم جرى رغم ما قالت إنه رفض من مؤسسات الدولة آنذاك.

هجرة العمالة الماهرة وتراجع القطاع الخاص

ولم تقتصر الانتقادات المتداولة على تراجع القوة الشرائية، بل امتدت إلى تأثير تدهور قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة على سوق العمل وهجرة الكفاءات المصرية.

وفي هذا الإطار، اعتبر حساب (@HanySadekk) أن السنوات العشر منذ 2016 شهدت خروج أعداد من العمالة الماهرة والموظفين أصحاب الخبرات إلى أسواق عمل مجاورة، نتيجة تراجع القيمة الحقيقية للأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.

وأشار إلى أن الفجوة بين الرواتب والأسعار دفعت بعض الأسر إلى تغيير خياراتها التعليمية والمعيشية، كما تحدث عن تراجع وزن القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، مقدراً انخفاض حصته إلى نحو 30% مقارنة بنحو 65% سابقاً، وفق تقديره الذي لم يقدم له بيانات تفصيلية.

التعويم لم يعالج الاختلالات الهيكلية

وعلى مستوى التقييم الاقتصادي، تناول تقرير نشرته CNN الاقتصادية بعنوان «10 سنوات على تعويم الجنيه في مصر.. هل كان تحرير السعر ضرورة؟» حصيلة القرار من خلال آراء محللين وخبراء اقتصاديين.

وأشار التقرير إلى أن تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016 استهدف (بحسب المنصة) القضاء على السوق الموازية للعملة واستعادة ثقة المستثمرين وتوفير السيولة الدولارية، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي.

وكان البنك المركزي قد أعلن في 3 نوفمبر 2016 تحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات العرض والطلب، مع خفض قيمته مؤقتاً بنسبة 48%، وتحديد سعر استرشادي عند 13 جنيهاً للدولار، إلى جانب رفع أسعار الفائدة الأساسية 300 نقطة أساس.

إلا أن التقرير  أعترف أن القرار جاء في ظل نقص حاد في النقد الأجنبي واتساع السوق الموازية، التي وصل فيها الدولار إلى مستويات قاربت 18 جنيهاً، بينما ظل السعر الرسمي عند نحو 8.88 جنيهات.

وترى جوليا فيلوكا، المديرة المساعدة لقطاع التصنيفات السيادية في وكالة ستاندرد آند بورز، أن تحرير سعر الصرف أسهم بدرجة كبيرة في القضاء على السوق الموازية خلال الفترة التي أعقبت القرار، وساعد على جذب تدفقات رؤوس الأموال وتوفير سيولة النقد الأجنبي.

أما بيتر دو بريز، كبير الاقتصاديين في أكسفورد إيكونوميكس إفريقيا، فيعتبر أن تحرير سعر الصرف كان قراراً ضرورياً في ظل أزمة العملة آنذاك، لكنه ينبغي أن يُفهم باعتباره تصحيحاً للاختلالات وليس تحولاً مكتملاً في نظام سعر الصرف.

وأشار إلى أن مصر كانت تواجه سوقاً موازية كبيرة عطلت أعمال الشركات، وأزمة نقص في الدولار، وضغوطاً على الاحتياطيات، مؤكداً أنه لم يكن هناك خيار خالٍ من التكلفة.

وفي المقابل، يرى دو بريز أن التكلفة الاجتماعية للتعويم كان من الممكن الحد منها لو بدأ تعديل سعر الصرف تدريجياً قبل سنوات، بالتوازي مع تشديد السياسة المالية وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.

ومن جانبه، اعتبر باسكال ديفو، الاقتصادي المسؤول عن منطقة الشرق الأوسط في بنك بي إن بي باريبا، أن توقيت التعويم كان مناسباً، لكن المشكلة تمثلت في عدم استغلال الفترة اللاحقة لتطوير القطاعات التصديرية، وهو ما حدّ من قدرة تحرير سعر الصرف على تحسين الحسابات الخارجية.

لماذا عادت أزمة الدولار بعد التعويم الأول؟

ويرصد تقرير CNN الاقتصادية أن مصر عادت تدريجياً بعد تعويم 2016 إلى نظام أكثر إدارة لسعر الصرف، مع الحفاظ على استقرار نسبي للجنيه والسماح بارتفاع قيمته خلال الفترة بين 2019 و2021، رغم تزايد الضغوط الخارجية.

وترى فيلوكا أن هذه السياسة جعلت سعر الصرف أقل فاعلية في امتصاص الصدمات، وأسهمت في ظهور الاختلالات مجدداً في سوق النقد الأجنبي.

أما دو بريز فيربط تكرار الأزمات بارتفاع احتياجات الحكومة التمويلية، واستمرار التضخم، واتساع دور الدولة في الاقتصاد، وضعف نمو الصادرات، إلى جانب إدارة سعر الصرف بدرجة مفرطة من التشدد، بما سمح بتراكم الاختلالات حتى أصبحت تخفيضات جديدة ومفاجئة للعملة أمراً لا مفر منه.

وتزامنت هذه الاختلالات مع صدمات خارجية متتالية، شملت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة، وما صاحبها من تراجع تدفقات النقد الأجنبي وارتفاع أسعار السلع والطاقة.

وفي مارس 2024، عادت مصر إلى خفض قيمة الجنيه، بعد اشتداد أزمة السوق الموازية وظهور نقص العملة الصعبة بصورة واضحة.

ويشير التقرير إلى أن التراجع اللاحق للعملة لم يكن مجرد تصحيح لقيمتها السابقة، بل عكس أيضاً ارتفاع التضخم مقارنة بالشركاء التجاريين، وضيق القاعدة التصديرية، والاعتماد على تدفقات رؤوس الأموال المتقلبة، وعدم كفاية استثمارات القطاع الخاص.

ويقول دو بريز: "إن التقييم الأكثر إنصافاً هو أن تحرير سعر الصرف عالج أزمة العملة الفورية، لكنه لم يعالج الظروف الاقتصادية التي أدت إلى نشوئها".

 

الأموال الساخنة تعيد اختبار سوق الصرف

وفي أحدث مظاهر الضغوط على الجنيه، قدّر بنك ستاندرد تشارترد حجم الأموال الساخنة التي خرجت من مصر بما يتراوح بين 10 و15 مليار دولار، مقارنة بأعلى مستوى بلغته هذه الاستثمارات، بحسب ما قاله مازن بربير، رئيس تداول العملات الإقليمي بالبنك، في حديثه إلى «الشرق بلومبرغ».

وأوضح بربير أن المستثمرين في أدوات الدين المصرية يختبرون السوق مع كل أزمة، مشيراً إلى أن سهولة التخارج الآمن عند تصاعد المخاطر تمثل عاملاً رئيسياً في عودتهم بقوة أكبر بعد انتهاء الأزمات.

وتعكس هذه التدفقات أحد التحديات المستمرة أمام الاقتصاد المصري، إذ توفر استثمارات الأجانب في أذون الخزانة سيولة دولارية مهمة في فترات الاستقرار، لكنها تظل عرضة للخروج السريع عند تصاعد المخاطر الجيوسياسية أو تغير اتجاهات الأسواق العالمية.

وتشير تقديرات البنك إلى أن خروج هذه الاستثمارات مقارنة بذروتها يعيد تسليط الضوء على مدى اعتماد سوق الصرف على التدفقات المالية قصيرة الأجل، بالتوازي مع الحاجة إلى موارد أكثر استدامة من الصادرات والاستثمار والإنتاج.

مرونة أكبر في سعر الصرف.. واختلالات لم تنتهِ

ومنذ مارس 2024، سمحت السلطات المصرية بمرونة أكبر في سعر الصرف، (تعويم  جديد) يراه "ديفو" أن تحسن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات خلال العامين الماضيين لا يعني انتهاء مواطن الضعف، إذ لا تزال مصر تواجه عجزاً تجارياً مرتفعاً، واعتماداً متزايداً على واردات الطاقة، وتأثراً بتقلبات استثمارات المحافظ المالية.

التعويم يكشف الأزمة

واعتبر الأكاديمي  ماجد عبيدو (@mAbidou) أن تحميل التعويم وحده مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان المواطنين جزءاً كبيراً من ثرواتهم ليس فهماً دقيقاً لطبيعة الأزمة.

وقال، في منشور بمناسبة مرور عشر سنوات على التعويم، "إن تحرير سعر الصرف ليس سبب الانهيار، بل يمثل مؤشراً يكشف السعر الحقيقي للعملة وحجم الضغوط الواقعة على ميزان المدفوعات، معتبراً أن تثبيت الجنيه لفترات طويلة أخفى الاختلالات وأجل تصحيحها، بينما سمح التعويم بظهورها".

 

واستند عبيدو إلى مقارنة بين السعر الرسمي وما وصفه بسعر الصرف الحر المحسوب باستخدام أسعار شهادات الإيداع في لندن، مشيراً إلى فترتين شهدتا، بحسب حساباته، كبحاً لحركة السعر الحقيقي للجنيه، أعقبهما تصحيح حاد.

وأوضح أن الفترة الأولى امتدت من سبتمبر 2015 حتى مارس 2016، وتحرك خلالها السعر من 7.80 إلى 17.80 جنيهاً، بزيادة بلغت 128%، فيما امتدت الفترة الثانية من فبراير 2022 حتى أبريل 2024، وتحرك خلالها السعر من 15.75 إلى 47 جنيهاً، بزيادة بلغت 198%.

وربط عبيدو تدهور الجنيه باختلالات أوسع في ميزان المدفوعات، أبرزها تجاوز الواردات للصادرات، وارتفاع فاتورة استيراد الغذاء والطاقة ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب الاعتماد على مصادر متقلبة للنقد الأجنبي، مثل السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس والأموال الساخنة.

كما أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي وأعباء خدمته، وما وصفه باستنزاف الموارد في مشروعات غير ملائمة للظروف الاقتصادية، فضلاً عن خروج استثمارات الأجانب عند تصاعد المخاطر، وضعف تنويع الصادرات، واتساع دور الدولة والبيروقراطية على حساب الاستثمار الخاص والإنتاجية.

وفي تقييمه للمرحلة المقبلة، شكك عبيدو في إمكانية تحقيق تحسن مستدام للعملة دون تغيير في السياسات الاقتصادية، منتقداً غياب المحاسبة على القرارات الاقتصادية، واستمرار البيروقراطية وضعف الميكنة الحكومية، وعدم الاستماع إلى الخبراء، فضلاً عن القيود وارتفاع أسعار خدمات الإنترنت والاتصالات.

 

وتطرق كذلك إلى قرار إلغاء التحوط من ارتفاع أسعار البترول في أبريل 2025، معتبراً أنه تسبب في تحميل الدولة تكاليف إضافية، وانتقد استمرار التوسع في مشروعات لا تحقق عوائد اقتصادية تتناسب مع حجم الموارد المخصصة لها.

https://x.com/mAbidou/status/2117900469372866912