بعدما باع الحكام العرب القضية الفلسطينية بثمن بخس، إما عن طريق تلقي المساعدات المالية كما يفعل السيسي أو الخوف على الكراسي كما يفعل حكام الخليج، كل ذلك جعل الكثير من المثقفين والسياسين والمفكرين العرب يفقدون الأمل في هؤلاء المطبعين، ما جعلهم يطرحون خريطة طريق جديدة للديمقراطية العربية في ظل تفاقم التسلط الداخلي والعدوان الخارجي، وذلك في وثيقة بعنوان “العهد الديمقراطي العربي”.
بينما الحرب على غزة مستعرة للعام الثاني على التوالي، وسط إجهاد كامل أصاب المقاومة التي لا تجد دعما من أي جهة، فسكان غزة يعانون وحدهم مرارة القتل والجوع والتهجير، ما جعل نخبة من المثقفين والسياسيين العرب في العاصمة البوسنية سراييفو يجتمعون لصياغة رؤية جديدة للديمقراطية التي يرون أن غيابها عامل رئيسي وراء اجتراء الاحتلال الإسرائيلي على ارتكاب الإبادة بحق الفلسطينيين.
وفي هذا المؤتمر تم اقتراح حلول عملية لأزمات الاستبداد والقمع وغياب العدالة الاجتماعية، وبحث التحديات الفكرية والسياسية غير المسبوقة التي طرحتها الحرب على غزة.
منصف المرزوقي
وخلال كلمته في افتتاح المؤتمر، قال أول رئيس للجمهورية التونسية بعد ثورة 2011 ورئيس المجلس العربي المنظم للمؤتمر منصف المرزوقي، إن “أهلنا في غزة يجلسون تحت الركام يقاسون العطش والجوع، ونفس المشهد يتكرر في بعض مناطق لبنان والسودان، فيما نعيش نحن على ركام الوطنية والقومية العربية والاشتراكية والإسلام السياسي والديموقراطية”.
وأضاف: “بالنسبة لي، الركام الحسي الذي يعيشه أهلنا في غزة والركام الروحي والفكري الذي نعيشه نحن هو ذاته، وهناك علاقة وثيقة بين الركامين”.
وتابع المرزوقي: “نحن على طريق النصر لإعادة البناء فوق الخراب، أمامنا الكثير من خيبات الأمل والصعوبات، ولكن إذا حافظنا على روح المعنوية، لنا الحق أن نعيش في دولة القانون والمؤسسات وأن نعيش في أي دولة عربية ونتحدث عن الديمقراطية، وسنفتك هذا الحق من أنياب الديكتاتورية”.
وأكد المرزوقي، آن الآوان لاستعادة الحراك الثوري الديمقراطي، في ظل ما وصفه بفشل الثورة المضادة، حيث الأمور تزداد تعفنا وتعقدا، خاصة بفضيحة سقوط هذه الأنظمة أمام ما يقع في غزة.
توكل كرمان
وقالت نائبة رئيس المجلس الناشطة الحقوقية اليمنية، توكل كرمان: إن “الديمقراطية التي نناضل من أجلها وندعو إليها، ليست عملية تبدأ وتنتهي في المواعيد الانتخابية، بل هي منظومة متكاملة من القيم والمبادئ والممارسات التي تضمن حقوق الأفراد وكرامتهم ورفاههم”.
واستنكرت “ارتكاب الدول لجرائم حرب وانخراطها في غزو وتدمير الدول واستمرار وصايتها وإرثها الاستعماري البغيض في عديد من دول العالم، وعلى سبيل المثال احتلالهم للعراق وأفغانستان، واستمرار دعمها للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، ومشاركتها له في جرائم الإبادة في غزة وجرائم الحرب في لبنان”.
أيمن نور
وقال نائب رئيس المجلس وزعيم حزب “غد الثورة” المصري، أيمن نور “خلال هذا العقد، شهدنا الكثير من الإحباطات، لكننا عشنا أيضًا بعض الانتصارات، ولعل أبرزها انتصارات الربيع العربي في بداياته، والتي كانت إحدى ثمارها تأسيس هذا المجلس، لقد شهدنا الربيع العربي وهو يحقق تقدماً ويحكم لفترة في تونس، كما شهدناه يقاوم في سوريا، ومآلاته في اليمن”.
وأضاف: “الربيع العربي لم يُهزم ولم ينتصر بشكل كامل، لكنه ما زال يقاوم، وأكبر دليل على ذلك هو أننا نلتقي اليوم في سراييفو، ونشكر شركاءنا البوسنيين الذين استضافونا بكل كرم واهتمام، نحن نلتقي خارج أوطاننا، لكننا مصممون على مواصلة النضال من أجل العودة، هذا النضال يسير في مسارين لا يمكن فصلهما: المسار المرتبط بتحرير الأرض والمسار المرتبط بتحرير الإنسان”.
وثيقة دعم الديمقراطية
وفي ختام المؤتمر قام المتواجدون بإصدار وثيقة العهد الديمقراطي، موضحين أنه في ظل هذه المرحلة الحرجة التي تشهد تعثر مسار الربيع العربي في بلداننا وتصاعد أزمة الديمقراطية على الصعيد العالمي حتى في معاقلها التقليدية، بالإضافة إلى تنامي الشعبوية وصعود اليمين المتطرف في العديد من دول العالم، وفقا للوثيقة.
وقال الموقعون على الوثيقة: “نؤمن أن الديمقراطية ليست فقط نظام حكم، بل عملية تحرير شاملة من هذا الإذلال الجماعي، إنها السبيل الوحيد لتحويل شعوبنا من رعايا إلى مواطنين أحرار ومبدعين”.
وأكدوا على التبني الكامل للهدف المشترك بين جميع الأحزاب والمنظمات الديمقراطية في العالم، وهو إنهاء الصراع الدموي على السلطة من خلال الانتقال السلمي عبر انتخابات حرة ونزيهة، وضمان قيم الديمقراطية من الفصل بين السلطات والمشاركة الشعبية الحقيقية وتكريس الحقوق السياسية والمدنية للأفراد وحرية التعبير، وغيرها.
أهداف الوثيقة
حددت الوثيقة 3 أهداف خاصة للديمقراطيين العرب، تشكل دافعا إضافيا للانخراط في هذا المشروع، وهي “الديمقراطية سبيلنا للتحرر من الاستعمار”، إذ تؤكد الوثيقة أن الاستبداد في العالم العربي والاستعمار وجهان لعملة واحدة، وتدعو إلى تحقيق السيادة الحقيقية وقطع كل أشكال التبعية المهينة ورفض مخططات التقسيم والتدخل الخارجي والتطبيع.
أما الهدف الثاني فهو أن تكون الديمقراطية سبيلا لتحقيق العدالة الاجتماعية، حيث إن “أولوية الأولويات بالنسبة لنا هي الخروج من الفقر والتصدي للفساد وبناء التنمية المستدامة، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة الجماعية”.
والهدف الثالث هو أن تكون الديمقراطية أداة لبناء فضاء التضامن العربي، إذ تقول الوثيقة: إننا “اليوم نشهد في عجز تام التنكيل بالشعب الفلسطيني أشجع شعوبنا نتيجة تفرق الأمة إلى 22 دولة ضعيفة تابعة ومتناحرة”.
واختتمت الوثيقة “نتجمع تحت راية هذا العهد، عاقدين العزم على النضال من أجل تحقيق ديمقراطية عربية مواطنية، سيادية، اتحادية، اجتماعية، يكون هدفها الأسمى بناء دول قانون ومؤسسات وخلق شعوب من المواطنين الذين يتمتعون بالاحترام الكامل لأشخاصهم ولحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولتعدديتهم الثقافية والدينية والعرقية”.