بعد استعادة جثامين عشرات المصريين من ليبيا ..خلفيات زيارة نجل قائد مليشيات” الشرق ” للقاهرة ؟

- ‎فيتقارير

تزامنت زيارة المهندس بلقاسم حفتر، مدير عام ما يسمى "صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا" وأحد أنجال المنقلب خليفة حفتر قائد مليشيات شرق ليبيا، إلى القاهرة مع واحدة من أكثر الفترات حساسية في ملف الهجرة غير النظامية بين مصر وليبيا وتونس، ففي الوقت الذي كانت فيه وزارة الخارجية بحكومة المنقلب  السيسي تعلن استعادة 1379 مواطنًا من مراكز الاحتجاز الليبية، كانت أيضًا تشحن جثامين ما يزيد عن 100 مصري لقوا مصرعهم في محاولات هجرة غير شرعية، في مشاهد أعادت إلى الواجهة الأسئلة حول أسباب تصاعد موجات الهجرة، وحول طبيعة التنسيق بين القاهرة والشرق الليبي، وحول ما إذا كانت زيارة حفتر الابن مرتبطة بهذه الملفات أو تتجاوزها إلى ترتيبات سياسية وأمنية أوسع.

أرقام تكشف حجم الأزمة

أعلنت وزارة الخارجية بحكومة السيسي في بيان رسمي أنها نجحت في الإفراج عن 508 من المواطنين كانوا محتجزين في طرابلس خلال الفترة من يناير وحتى نهاية أبريل 2026، إضافة إلى 871 مواطنًا آخرين كانوا محتجزين في بنغازي، ليصل إجمالي من تم تحريرهم إلى 1379 مصريًا، هؤلاء جميعًا "تورطوا" في قضايا هجرة غير شرعية، وتأمين عودتهم إلى البلاد بالتنسيق المباشر مع السلطات الليبية بحسب بيان سلطات الانقلاب.

وفي السياق نفسه، كشفت الوزارة عن شحن 94 جثمانًا لمصريين لقوا مصرعهم في حوادث غرق مراكب الهجرة خلال الفترة نفسها، إضافة إلى 5 رفات تم التعرف عليها عبر تحليل البصمة الوراثية بعد العثور عليها أمام السواحل التونسية، والإفراج شمل مئات المحتجزين في طرابلس وبنغازي، وأن شحن الجثامين تم بعد جهود تنسيق مع السلطات التونسية والليبية.

هذه الأرقام ليست جديدة على المشهد، وسبق أن صرّح السفير حداد الجوهري، مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين في الخارج، بأن مصر أعادت أكثر من 3000 مصري من سجون ليبيا خلال السنوات الأخيرة، مؤكدًا في تصريح نشرته حسابات إخبارية: "مفيش مركب هجرة غير شرعية خرج من مصر من 2015،  وشحن الجثامين بيتم بسرعة جدًا وعلى نفقة الدولة".

وكشف "الجوهري" أن المنطقة الشرقية في ليبيا شهدت ترحيل أكثر من 1800 مصري وشحن 163 جثمانًا، بينما شهدت المنطقة الغربية ترحيل 1344 وإفراج 1157 وشحن 253 جثمانًا.

الأرقام الضخمة أثارت ردود فعل واسعة، أبرزها تعليق الناشط هيثم أبو خليل @haythamabokhal1 الذي قال نصًا:

"بيان مخيف للخارجية المصرية، شحن جثامين 99 مصريًا من ليبيا ضحايا هجرة غير شرعية خلال 3 أشهر والإفراج عن 1379 مصريًا من السجون الليبية في طرابلس وبنغازي، ماذا عن الضحايا الذين ابتلعهم البحر والذين نجحوا بالفعل في الهجرة؟ لماذا يهرب كل هؤلاء من الجمهورية الجديدة؟ #ولادك يا مصر"

كما كتبت الدكتورة Dr.Nada @samahnasse761 تعليقًا على بيان الخارجية:

"شحن جثامين 94 مصريا والتعرف على 5 آخرين لقوا مصرعهم في غرق قوارب هجرة غير شرعية، ومصر تعمل توطين وتمكين وتنمية لأفريقيا وتمنعهم من الهجرة إلى أوروبا، كان أبناء مصر أحق بالطبطبة، الشعب لم يجد من يحنو عليه، ربنا يرحمهم ويغفر لهم ويصبر أهلهم، صور تلخص واقع مرير لشعب مصر."

حوادث الغرق المتكررة

تزامنت هذه التطورات مع سلسلة من حوادث الغرق في البحر المتوسط، ففي فبراير، أعلنت السلطات اليونانية مصرع 3 مصريين وفقدان 18 آخرين قبالة جزيرة كريت، بينما تحدثت الصحفية أميرة الطحاوي @altahawi عن مأساة جديدة جنوب كريت، حيث تم انتشال ثلاث جثث، وإنقاذ عشرين شخصًا بينهم 9 مصريين، بينما لا يزال 27 في عداد المفقودين. وفي تحديث لاحق، أوضحت الطحاوي أن البحث جارٍ عن 25 غريقًا آخرين، بينهم قُصّر وسيدة واحدة على الأقل، وأن خمس سفن تشارك في عمليات البحث.

وفي مارس، استقبل السفير المصري لدى اليونان أسر ضحايا حادث غرق مركب الهجرة، مؤكدًا استمرار التواصل مع السلطات اليونانية لإنهاء إجراءات إعادة الجثامين ومتابعة أوضاع الناجين.

بلقاسم حفتر إلى القاهرة

وسط هذه التطورات، وصل المهندس بلقاسم حفتر إلى القاهرة، حيث عقد اجتماعات رسمية مع رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء حسن رشاد، ثم التقى رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي لمناقشة "آفاق التعاون في التنمية والإعمار وتبادل الخبرات الفنية والتنفيذية لدعم المشروعات التنموية بليبيا"، وقد نشرت حسابات ليبية رسمية صور اللقاء، مؤكدة أن الزيارة تأتي في إطار التعاون الثنائي.

لكن توقيت الزيارة، المتزامن مع استعادة الجثامين وتحرير المحتجزين، أثار تساؤلات حول ارتباطها بملف الهجرة غير النظامية، خاصة أن معظم المصريين المحتجزين كانوا في مناطق خاضعة لسيطرة قوات حفتر.

كما جاءت الزيارة بالتزامن مع تشديدات أمنية مصرية مفاجئة على دخول الليبيين، حيث فرضت المخابرات المصرية شرط الحصول على تأشيرة مسبقة للقادمين من مطاري معيتيقة ومصراتة لمدة ثلاثة أيام، قبل أن يتم إلغاء القرار لاحقًا.

ونشرت حسابات ليبية عديدة هذه التطورات، مؤكدة أن القرار جاء على خلفية مخاوف من دخول مشاركين في "قافلة الصمود" التي انطلقت من الجزائر مرورًا بتونس وصولًا إلى ليبيا بهدف التوجه نحو غزة.

واستعادت حسابات ليبية في خضم هذه الأحداث، ما أدلى به الشيخ الصادق الغرياني من تصريح لافت تم تداوله على نطاق واسع، قال فيه نصًا: "المشروع الصهــيوني الذي تديره الإمارات في المنطقة العربية؛ نصّـبت من خلاله حفتر في ليبيا، وقيس سعيد في تونس، وحميدتي في السودان، والسيسي في مصر، حتى لا تقوم أبدًا لهذه الدول قائمة تُنغّص على الكيان الصهــيـوني توسّـعه وعدوانه وعربدته وتطبيعه في المنطقة.".

وهذا التصريح يعكس رؤية سياسية تعتبر أن التحالفات الإقليمية الحالية تُستخدم لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح قوى خارجية، وأن التنسيق بين القاهرة والشرق الليبي جزء من هذا المشهد.

تزامنت الزيارة أيضًا مع نقاشات ليبية داخلية حول موقع حفتر في المعادلة السياسية. كتب @boucettahamid5 تعليقًا على الوضع: "بضوء اخضر امريكي و دعم أوروبي و تمويل خليجي؛ فشل ورثتهم حتى في تنصيب حفتر حاكما عاما على ليبيا بعد سنة من الحرب على الشعب الليبي، و هي الآن على طاولة التقسيم."

وكتب محمد علي @Aecl00QNSGFBwgp: "حفتر حاول 9 أشهر السيطرة على طرابلس بمساعدة الفاقنر والجنجويد ولم يتمكن، وبعد الدعم التركي تمت هزيمته، وهرب مستنجدا ببوتن والسيسي وماكرون، والآن يعلم جيدا حجم قوات إقليم طرابلس وأنه من المستحيل السيطرة عليها عسكريا، فخضع للتفاهم معهم سياسياً."

ويمكن القول: إن "زيارة بلقاسم حفتر جاءت في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات رئيسية: ملف الهجرة غير النظامية الذي يشهد انفجارًا في أعداد الضحايا والمحتجزين، والترتيبات الأمنية المصرية المتعلقة بقافلة الصمود والتحركات على الحدود الغربية، والتفاهمات السياسية بين القاهرة والشرق الليبي في ظل إعادة تشكيل المشهد الليبي، وبينما تؤكد البيانات الرسمية أن الزيارة "تنموية"، فإن السياق يشير إلى أنها تحمل أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز ملف الإعمار، خاصة مع تزامنها مع استعادة الجثامين وتحرير المحتجزين وتشديد الإجراءات على دخول الليبيين.