بعد طرح مساحة شاسعة تصل إلى مليون فدان في المنطقة الغربية لتوضع تحت التصرف الصيني (زراعياً وصناعياً) فإن الباب فُتح أمام تساؤلات خطيرة تتعلق بالأمن القومي والسيادة الغذائية والصناعية للبلاد.
فعوضاً عن توجيه هذه المساحات الاستراتيجية لمشاريع استصلاح وطنية كبرى تقودها الدولة لضمان الاكتفاء الذاتي وتقليص الفجوة الغذائية التي تعاني منها مصر، تُسلّم هذه الأراضي لشركات أجنبية صينية بحثاً عن غطاء مالي سريع.
ويحذر الخبراء من أن رهن الأراضي القابلة للزراعة والصناعة في مناطق جغرافية حيوية كالمنطقة الغربية يعكس تراجعاً خطيراً في فكرة الدولة كمالك وحيد وموجه لمواردها، ويحيلها إلى مجرد "مؤجر للأرض" لا يملك من أمره شيئاً سوى جني عائدات مؤقتة، بينما تذهب العوائد الحقيقية وتوطين التكنولوجيا لصالح المستثمر الأجنبي الذي يضمن تأمين سلاسل إمداده على حساب الجغرافيا المصرية.
ويرى مراقبون أن النقاش محتدم في الشارع المصري والأوساط الاقتصادية مع كل إعلان حكومي جديد يربط مقدرات الدولة الاستراتيجية برأس المال الأجنبي، وتحديداً الصيني. ولعل تخصيص مساحة شاسعة تصل إلى مليون فدان في المنطقة الغربية لأغراض الزراعة والصناعة لصالح استثمارات صينية يُمثل الذروة العبثية لمسار طويل من التخلّي الحكومي عن دورها الإنتاجي التنموي.
وهذا التحول لا يقتصر على كونه مجرد صفقة عقارية أو استثمارية عابرة، بل يعكس أزمة هيكلية متأصلة في عقلية إدارة الأصول الوطنية، حيث تتخلى الدولة عن سيادتها على مواردها الاستراتيجية، وتستبدل الإنتاج الوطني الذاتي بشراكات خاضعة لدفاتر وشروط القوى الكبرى، وسط أزمة ديون خانقة وضغوط دولية غير مسبوقة.
التفريط في السيادة الإستراتيجية
ويرى مراقبون أن التوجه نحو إسناد المليون فدان والمشروعات الكبرى (كمصنع الألومنيوم بشرق بورسعيد بقيمة ملياري دولار) للمستثمرين الصينيين يؤكد بوضوح تهميش القدرات الإنتاجية الوطنية.
وأشار لذلك الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية، فالدولة تصر على التخلي عن دورها كمستثمر وممول أساسي، مفضلة لعب دور الميسر وموزع الأراضي والحوافز.
ورغم أن الدكتور محمد الجمال، رئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية، يشيد في تصريحات صحفية بفوائد الخبرة الصينية، إلا أن التوسع المفرط في إقصاء الشركات الوطنية عن قيادة المشاريع الاستراتيجية يرسخ تبعية هيكلية تفرغ الصناعة والزراعة المحلية من مضمونهما السيادي، ويجعل الاقتصاد المصري رهيناً للتقلبات الخارجية وأمزجة الرساميل العابرة للحدود.
قراءة في الفخ الصيني
وفي قراءة أعمق لهذه التحولات من منظور العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يأتي الطرح التحليلي للدكتور عصام عبد الشافي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ومؤسس أكاديمية العلاقات الدولية، ليضع هذه الصفقات في نصابها الصحيح. في مقالاته ودراساته حول "ماذا تريد الصين منا وماذا نريد منها؟"، حيث يرى عبد الشافي أن الإشكال الرئيسي في التعامل العربي والمصري مع الصعود الصيني يكمن في غياب الرؤية الوطنية الموحدة وفقدان استراتيجية تفاوضية واضحة.
يؤكد عبد الشافي أن الصين لا تتحرك بدافع الإحسان أو المجاملة السياسية الخالصة، بل وفق استراتيجية إمبراطورية واضحة المعالم تهدف إلى تأمين مواردها وممرات تجارتها عبر "مبادرة الحزام والطريق". ومن هنا، فإن منح مساحات شاسعة كمليون فدان أو إسناد قطاعات صناعية استراتيجية للصين دون رؤية وطنية مضادة يضع مصر في موقع "التابع الاقتصادي" لا الشريك الندي.
ويشير عبد الشافي إلى أن التاريخ القريب والبعيد يؤكد أن الدول التي فرَّطت في أصولها وقواعد إنتاجها لصالح القوى الكبرى انتهى بها المطاف إلى فقدان قرارها السياسي المستقل، تماماً كما حدث في تجارب سوريا والعراق والسودان وليبيا السابقة، حيث تحولت الشراكات الاقتصادية غير المتكافئة إلى أدوات لاستهداف السيادة الوطنية وقضم مقدرات الشعوب تحت غطاء الاستثمار والتنمية المزعومة.
سيادة على المحك
وأعاد إعلان الحكومة المصرية الأخير عن مشروعات ضخمة للاستثمار الصيني، يتصدرها مشروع مصنع الألومنيوم في شرق بورسعيد بقيمة ملياري دولار، وما يتردد عن تفويض أراضٍ واسعة تصل إلى حدود "مليون فدان" لشركات ومستثمرين صينيين، فتح باب النقاش الواسع على مصراعيه حول طبيعة التحولات الهيكلية في الاقتصاد المصري.
وفي ظل ترويج السلطة لهذه الاتفاقيات باعتبارها شهادة ثقة في مناخ الاستثمار، ترتفع الأصوات النقدية والتحليلات الاقتصادية المحذرة من خطورة اتكاء الدولة على الرساميل الخارجية. وتكشف هذه المعطيات عن أزمة فكر إداري ومالي تبتعد تدريجياً عن فكرة "الإنتاج الوطني الذاتي"، لتكرّس دور الدولة كمجرد "ميسر ومؤجر للأصول"، وسط ضغوط ديون غير مسبوقة والتزامات صارمة لصندوق النقد الدولي.
مشروع الألومنيوم شرق بورسعيد
ويُقدم الإعلان الرسمي عن مشروع شركة "خينان تشهنجفو" الصينية لإنشاء مصنع متقدم للألومنيوم على مساحة تتجاوز مليون متر مربع في المنطقة الاقتصادية بشرق بورسعيد بقيمة 2 مليار دولار، نموذجاً صارخاً على طريقة إدارة الأصول القومية.
ووفقاً لما طرحه الدكتور مدحت نافع، في تحليلاته الاقتصادية المتعددة حول إدارة الشركات العامة، فإن تراجع الدولة عن كونها المستثمر والممول الأساسي في قطاعات استراتيجية كالحديد والألومنيوم يعكس خللاً جسيماً في ترتيب الأولويات.
ويشير نافع مراراً إلى أن الشركات الوطنية الكبرى مثل "مصر للألومنيوم" تمتلك قاعدة صناعية ضخمة في نجع حمادي وخبرة بشرية وأرباحاً متوقعة تفوق المليارات، مما كان يتيح للحكومة قيادة خطط التوسع بنفسها بدلاً من الاكتفاء بدور الشريك التابع أو الميسر الذي يكتفي بمنح الأرض والحوافز، محذراً من أن التعامل مع فوائض الشركات العامة كأداة سريعة لسد عجز الخزانة يضعف قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
طغيان الشراكة الخارجية
وتزداد المفارقة إيلاماً عندما يتم استحضار الأرقام الفعلية للشركات الوطنية القائمة. فرغم أن شركة "مصر للألومنيوم" رصدت موازنة استثمارية لتحديث مجمعها وتستهدف أرباحاً صافية بمستويات قياسية تصل إلى 12 مليار جنيه، إلا أن التوجه الحكومي يصر على جلب الممول الأجنبي.
ويؤكد الدكتور محمد الجمال، رئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية، في تقارير اقتصادية سابقة، أن دخول الصين إلى هذا القطاع يعود لامتلاكها خبرة عالمية واسعة، وهو ما يمثل فرصة للاستفادة من التكنولوجيا الصينية.
ورغم أهمية هذا الطرح، يرى الخبراء أن الترحيب بالمستثمر الأجنبي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن بناء القدرة الوطنية الذاتية. فغياب خطة تمويل وطني موازية، والاعتماد المطلق على الشركات الصينية لتمويل الصناعات الثقيلة، يعني بوضوح تنازل الدولة التدريجي عن دورها التاريخي كمطور ومنتج رئيسي، لتتحول مقدرات الإنتاج الذاتي إلى ملكيات أو شراكات تُدار بعوائد تميل كفتها لصالح الخارج.
أزمة الديون وانسحاب الدولة
ولا يمكن فصل هذا التوسع المحموم في منح الأراضي ومشروعات الشراكة الكبرى (كالمليون فدان والمشروعات الصناعية الصينية الضخمة) عن الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها الخزانة المصرية. وأشارت تقارير وكالة رويترز الصادرة في أبريل 2026 إلى أن مصر تواجه أعباء ديون ثقيلة للغاية، حيث تستهلك فوائد الدين وحدها نحو نصف الإنفاق الحكومي في الموازنة العامة.
وتعقيباً على هذا المشهد المالي المأزوم، يؤكد الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، في قراءاته لقرارات الحكومة الأخيرة، أن جزءاً كبيراً من هذه المسارات الاقتصادية لا يأتي تلبية لضرورات استراتيجية بحتة للسوق، بل هو استجابة قسرية لضغوط صندوق النقد الدولي والتزامات هيكلية صارمة تقضي بضرورة تراجع الدولة عن الأنشطة الإنتاجية وخصخصة الأصول أو تمريرها لصالح الشركاء الخارجيين لتخفيف عبء النقد الأجنبي.
وتفسر الضغوط التمويلية بحسب المراقبين لماذا تلجأ حكومة عبد الفتاح السيسي إلى فتح الأبواب أمام الشركاء الأجانب لتمويل القطاعات الحيوية، غير مبالية بأن هذا النهج يعمق التبعية الاقتصادية ويضعف مناعة الأمن الغذائي والصناعي القومي، عبر ربط استقرار سلاسل الإمداد الداخلية برأسمال أجنبي عابر للحدود.
رهن المقدرات
ويتردد صدى هذه السياسات بوضوح أشد عندما يُطرح ملف تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والاستراتيجية، مثل مشروع المليون فدان الممنوح للشركات الصينية؛ إذ تُحذر النخب الأكاديمية والخبراء المستقلون من خطورة التوسع في منح حق الاستغلال طويل الأجل أو الملكيات الواسعة لأطراف أجنبية في قطاعات حساسة تمس الأمن القومي المباشر (مثل الغذاء والمياه والطاقة).
وتحول الدولة من صانع للسياسات الزراعية والصناعية المستقلة إلى "مفوض" للمساحات الشاسعة يعكس تآكل مفهوم الإنتاج الوطني الذاتي. فحين تُترك مشروعات التنمية الزراعية الكبرى لتمويل وإدارة أجنبية، تفقد الدولة أدوات التحكم والسيطرة الاستراتيجية في أوقات الأزمات الدولية والإقليمية.
وبدلاً من أن تُسخّر مقدرات البلاد لتعزيز الاكتفاء الذاتي وبناء قاعدة إنتاجية وطنية خالصة، تُدار هذه الملفات بمنطق جلب العملة الصعبة بأي ثمن، متجاهلة التكلفة السيادية والاجتماعية بعيدة المدى لتراجع الدور المالي والتنموي للدولة المصرية لصالح قوى عظمى صاعدة تبحث عن تأمين مصالحها الاستراتيجية على أرض مصر.