تواجه سوق الديزل/ السولار العالمية ضغوطاً متزايدة مع تراجع إنتاج بعض المصافي واضطراب سلاسل الإمداد، فيما ترتفع أسعار المشتقات النفطية بوتيرة تفوق حركة أسعار الخام، بحسب ما أوردته "بلومبرج" وبيانات السوق.
وتأتي الضغوط مع تراجع طاقة التكرير السعودية بعد أضرار لحقت ببعض منشآتها، بالتزامن مع اضطرابات في طرق نقل النفط، ما دفع "أرامكو السعودية" إلى البحث عن إمدادات ديزل من الأسواق الخارجية لتلبية احتياجات السوق المحلية.
وبحسب "بلومبرج"، تبحث "أرامكو" منذ عدة أسابيع عن شحنات ديزل من منطقة البحر المتوسط، كما تبحث عن البنزين في أوروبا، وفي 15 سبتمبر، بلغ سعر الديزل في البحر المتوسط، وفق تقييم "بلاتس" الدولاري للطن، نحو 1,665 دولاراً.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن كميات الخام التي عالجتها المصافي العالمية في سبتمبر كانت أقل بنحو 4.2 مليون برميل يومياً عن مستويات العام السابق، بينما بلغ النقص في إمدادات الديزل وزيت الغاز المرتبط بالحرب الروسية-الأوكرانية والاضطرابات المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران نحو 1.6 مليون برميل يومياً.
ولا يعني ذلك بالضرورة نفاد الديزل من الأسواق، وقالت سارة رفّول، كبيرة محللي المنتجات النفطية في "أرغوس ميديا"، "إنه لا يُتوقع حدوث نقص حاد في إمدادات الديزل الفعلية"، مشيرة إلى إمكانية إعادة توازن السوق عبر السحب من المخزونات وتقليص الطلب وزيادة الإمدادات، وأضافت لـ"الشرق بلومبرج" أن المنافسة على البراميل المتاحة ستشتد، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع إلى حين استعادة التوازن بين العرض والطلب.
من مصدر إلى مشترٍ
رغم كونها من كبار منتجي النفط، تكشف حاجة السعودية إلى شراء الديزل من الخارج عن الفرق بين توافر الخام والقدرة على تحويله إلى منتجات مكررة.
وبحسب بيانات "كبلر" التي يستشهد بها م. خالد السيد (@7akawyfebusines)، انخفض تشغيل المصافي السعودية إلى نحو 2.2 مليون برميل يومياً في أغسطس، فيما ظلت مصفاة جازان، التي تبلغ طاقتها نحو 400 ألف برميل يومياً، متوقفة بعد الهجمات.
ويرى م. خالد السيد أن ما يحدث لا يمثل أزمة في النفط الخام بقدر ما يمثل تراجعاً في "المرونة التكريرية واللوجستية"، إذ يحتاج الخام إلى الوصول إلى المصفاة ثم تكريره وتحويله إلى ديزل وبنزين قبل نقله إلى الأسواق.
وتواجه السعودية أيضاً تحديات مرتبطة بحركة النفط في المنطقة، مع الضغوط على طرق النقل عبر هرمز وباب المندب، فضلاً عن توقف خط الشرق-الغرب الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر.
وكانت "أرامكو" قد أبلغت عملاء في أوروبا بعدم وجود شحنات من الخام السعودي لشهر أكتوبر بعد توقف الخط إثر هجوم بطائرات مسيّرة. وبحسب المعلومات المتداولة، لجأت الشركة إلى حلول بديلة لبعض الشحنات عبر سلطنة عُمان.
السعودية تنافس مصر على شحنات الديزل
وتكتسب التطورات السعودية أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تعتمد على واردات الديزل لتغطية جانب من احتياجاتها.
وبحسب البيانات الواردة في المادة، كانت السعودية خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 أكبر مورد للديزل إلى مصر، بمتوسط نحو 42 ألف برميل يومياً.
ويرى م. خالد السيد أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض صادرات السعودية، وإنما في تحولها في الوقت نفسه إلى مشترٍ للديزل من الأسواق الخارجية.
ويقول: "إن السيناريو الأكثر ضغطاً يتمثل في أن السعودية خفّضت صادراتها ودخلت في نفس الوقت تنافس مصر على شحنات البحر المتوسط"، بما يعني انخفاض المعروض المتاح وارتفاع الطلب على الشحنات الجاهزة".
وبحسب هذا التصور، قد تجد مصر نفسها أمام مورد رئيسي أصبحت قدرته على التصدير أقل، وفي الوقت نفسه أصبح ينافسها على البراميل التي تحتاج إلى استيرادها.
وتزداد المنافسة مع تراجع صادرات الديزل من الشرق الأوسط إلى أوروبا خلال سبتمبر إلى نحو 110 آلاف برميل يومياً، مقابل نحو 191 ألف برميل يومياً في أغسطس، وفق بيانات السوق، ما يضغط على الإمدادات المتاحة في الأسواق الأوروبية والمتوسطية.
قيود صادرات الديزل الأميركية
في الولايات المتحدة، يدرس البيت الأبيض خيارات للتعامل مع ارتفاع أسعار الديزل، وسط مقترحات لفرض قيود على الصادرات.
ونقلت "بلومبرج" عن ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في "جيه بي مورغان"، قولها إن حظر صادرات الديزل لمدة 30 يوماً قد يخفض سعر الديزل في الولايات المتحدة إلى 4.70 دولار للغالون، مقارنة بنحو 6.50 دولار حالياً.
وتتصدر المملكة المتحدة وهولندا وفرنسا قائمة المستوردين الأوروبيين. ويبحث البيت الأبيض، بحسب "بلومبرج"، بدائل أقل حدة من فرض حظر كامل، في حين قد تتمكن أوروبا من طرح إمدادات إضافية في السوق.
كما يمثل تراجع إنتاج المصافي الروسية عاملاً إضافياً في ارتفاع أسعار المشتقات، بعدما تعرضت منشآت تكرير روسية لهجمات أوكرانية متكررة.
وتنعكس هذه التطورات على الأسواق بصورة أكبر لأن الديزل منتج مكرر، وبالتالي لا يتحدد سعره وفق أسعار الخام فقط، وإنما وفق قدرة المصافي على إنتاجه ومستويات المخزون وتكاليف النقل والتأمين وحجم المنافسة على الشحنات.
مصر تواجه ضغوطاً متزايدة
وتواجه مصر ضغوطاً إضافية، بسبب اعتمادها على واردات الديزل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المنتجات النفطية عالمياً وتراجع قدرة بعض الموردين التقليديين على التصدير.
وقالت سارة رفّول: "إن القيود الروسية على صادرات المشتقات النفطية أثقلت كاهل مصر، التي لجأت إلى إمدادات من الديزل الروسي والهندي لتعويض كميات كانت تحصل عليها من دول الخليج".
واكتسب السولار، وهو الاسم المحلي للديزل، أهمية أكبر في مصر خلال السنوات الأخيرة مع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، إذ تعتمد البلاد بدرجة أكبر على المازوت والديزل في تلبية احتياجات توليد الكهرباء خلال فترات ذروة الطلب الصيفي.
كما يستخدم السولار في النقل العام والشاحنات والمعدات الزراعية والمنشآت الصناعية، ويشكل مصدراً رئيسياً للطاقة في بعض المزارع غير المتصلة بالشبكة الكهربائية.
ويستخدم الديزل على نطاق واسع في الشاحنات والحافلات والمعدات الزراعية وآليات البناء والتعدين، إضافة إلى المولدات الكهربائية وبعض القطارات والسفن، ويُقدر استهلاك العالم منه بنحو 29 مليون برميل يومياً.
فاتورة الطاقة المصرية
وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع فاتورة الطاقة في مصر، في ظل استمرار اعتماد البلاد على واردات الخام والمنتجات البترولية.
وقالت علياء المبيّض، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك الاستثمار "جيفريز"، "إن مصر قد تحتاج إلى زيادة أسعار الوقود مرة أخرى لاحتواء فاتورة الدعم، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية".
وشددت المبيّض، في تصريحات صحفية على أهمية احتواء تكاليف استيراد الطاقة، في ظل رغبة الحكومة في عدم اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لطلب تمويل جديد بعد انتهاء الاتفاق الحالي نهاية العام.
وكانت القاهرة قد رفعت في مارس سعر السولار بنحو 17.1% إلى 20.50 جنيه للتر، كما رفعت تعريفة الحافلات ووسائل النقل الجماعي في القاهرة.
وتوقع مسؤول حكومي مصري تحدث لـ"الشرق بلومبرج" في 20 سبتمبر أن تتضاعف فاتورة واردات مصر من النفط الخام والمنتجات البترولية خلال الربع الأخير من العام الجاري إلى نحو 9 مليارات دولار، مقابل نحو 4.5 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025.
ينعكس على النقل والإنتاج
يمتد تأثير ارتفاع الديزل إلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة والبناء، ما يجعل تغير سعره مؤثراً في تكلفة السلع والخدمات.
ويستخدم السولار في تشغيل الشاحنات والحافلات والآلات الزراعية ومعدات البناء، إضافة إلى مولدات الكهرباء وبعض المنشآت الصناعية والمزارع. ومن ثم يمكن أن يؤدي ارتفاع تكلفته إلى زيادة تكلفة نقل المواد الغذائية والمواد الخام ومواد البناء قبل انتقال أثره تدريجياً إلى أسعار المنتجات النهائية.