تراجع دعم الغذاء وارتفاع أسعار السلع وتقليص حصص المستفيدين.. تحويل الخبز إلى دعم نقدي يمهد لمزيد من تقليص المنافع.. ومخاوف من استبعاد ملايين المصريين من منظومة الحماية الاجتماعية
شهدت منظومة الدعم الغذائي ، منذ انقلاب وزير الدفاع الخائن السيسى وقيادات الجيش ، على أول رئيس منتخب منتخب الشهيد محمد مرسى ، تحولات جوهرية أعادت تشكيل طبيعتها، فلم تعد مجرد إحدى ركائز الحماية الاجتماعية التي تضمن حصول المواطنين على احتياجاتهم الأساسية بأسعار مدعومة، بل باتت تتحرك تدريجيًا نحو نموذج تجاري يقوم على الاقتراب من أسعار السوق الحرة، وتقليص المنافع العينية، وتوسيع نطاق الاستهداف، بما يفتح الباب أمام استبعاد شرائح واسعة من المواطنين تحت شعار توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وتكشف مؤشرات الإنفاق الحكومي وتطور أسعار السلع التموينية وحصص المستفيدين عن حجم التراجع الذي أصاب هذه المنظومة؛ إذ انخفضت حصة الدعم الغذائي من إجمالي المصروفات العامة من 5.3% في العام المالي 2014/ 2015 إلى 3.4% في العام المالي الحالي، بالتزامن مع تراجع نسبة السكان المستفيدين من السلع التموينية من 77% عام 2014 إلى 52% في يوليو 2026.
وجاء هذا التراجع في ظل موجة تضخمية غير مسبوقة، بلغ خلالها التضخم التراكمي نحو 367% بين عامي 2014 و2024، فيما ارتفع تضخم أسعار الأغذية إلى نحو 405% خلال الفترة من 2014 إلى 2023، ما يعني أن الأسر المصرية واجهت تآكلًا متزامنًا في قيمة الدعم وقدرتها الشرائية.
رغيف الخبز.. من حق متاح للجميع إلى سلعة مقيدة
كان الخبز البلدي المدعم أحد أبرز مظاهر الحماية الاجتماعية في مصر، وظل متاحًا للمواطنين دون اشتراط امتلاك بطاقة تموينية، قبل أن تتغير قواعد الحصول عليه تدريجيًا، ويصبح مرتبطًا بحيازة البطاقة الذكية.
ولم تتوقف التغييرات عند حدود الاستحقاق، بل امتدت إلى وزن الرغيف، الذي تراجع من 130 جرامًا إلى 110 جرامات عام 2014، ثم إلى 90 جرامًا في أغسطس 2020، بينما ارتفع سعره من 5 قروش، وهو السعر المستقر منذ عام 1989، إلى 20 قرشًا في يونيو 2024.
وفي يونيو 2026، أعلنت الحكومة عن توجه جديد لإعادة هيكلة منظومة الخبز، يتضمن تخفيض وزن الرغيف إلى 70 جرامًا، واستبعاد مئات الآلاف ممن تصنفهم السلطات باعتبارهم غير مستحقين للدعم.
والأخطر أن الحكومة أعلنت في يوليو 2026 تحويل دعم الخبز، الذي ظل آخر أشكال الدعم العيني الرئيسية في المنظومة، إلى دعم نقدي، بحيث يحصل المواطن بدلًا من استحقاق خمسة أرغفة يوميًا على رصيد نقدي يبلغ 7.5 جنيه للفرد يوميًا، على أن يبدأ تطبيق النظام اعتبارًا من يناير 2027.
وتقول الحكومة إن هذا التغيير لن يؤثر على الكميات التي يحصل عليها المواطنون، باعتبار أن المبلغ يعادل تكلفة إنتاج خمسة أرغفة، لكن التجارب السابقة مع الدعم النقدي تثير تساؤلات بشأن قدرة هذا المخصص على الحفاظ على قيمته الشرائية مع استمرار ارتفاع الأسعار.
فإذا اتبعت أسعار الخبز المسار نفسه الذي اتبعته أسعار السلع التموينية، واقتربت تدريجيًا من أسعار السوق الحرة، فإن ثبات المخصص النقدي سيعني بالضرورة تراجع الكميات التي يستطيع المواطن الحصول عليها، وتحميل الأسر جانبًا متزايدًا من تكلفة الغذاء.
صندوق النقد.. إصلاح الدعم أم تفكيكه تدريجيًا؟
لم يطرح صندوق النقد الدولي في اتفاقاته التمويلية الأخيرة مع مصر إلغاء الدعم الغذائي بصورة مباشرة، على غرار مطالبه المتعلقة بدعم الطاقة، لكنه دفع باتجاه تغييرات هيكلية في منظومة التموين، تقوم على زيادة الشفافية، والتحول إلى الدعم النقدي، وتعزيز الاستهداف المباشر للفئات الأكثر فقرًا.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في تعامل الصندوق مع الدعم الغذائي مقارنة بمواقفه السابقة، بعدما أظهرت انتفاضات الربيع العربي مخاطر السياسات التي تستهدف تقليص الدعم دون توفير بدائل اجتماعية كافية، ما دفع المؤسسة الدولية إلى تبني خطاب يتحدث عن النمو الشامل وشبكات الأمان الاجتماعي.
غير أن عدم المطالبة بإلغاء الدعم الغذائي رسميًا لا يعني القبول باستمراره بصورته التقليدية؛ إذ اتجهت توصيات الصندوق إلى إعادة تشكيله من الداخل، عبر تقليص المنافع العينية، وتحويل الدعم إلى مبالغ نقدية، وربط الاستحقاق بمعايير أكثر تضييقًا.
وتقوم الفلسفة الاقتصادية التي يستند إليها هذا التوجه على أن الدعم السلعي يؤدي إلى تشويه الأسعار وإرباك آليات السوق، وأن تقديم مبالغ نقدية مباشرة للفقراء أكثر كفاءة من تدخل الحكومة في تحديد أسعار المنتجات.
لكن تطبيق هذه الرؤية في مصر جاء في ظل تضخم مرتفع وتراجع مستمر للقوة الشرائية، ما جعل المبالغ النقدية المخصصة للتموين عاجزة عن مواكبة ارتفاع تكلفة الغذاء.
50 جنيهًا لم تعد تكفي لشراء احتياجات الأسرة
كان التحول الرئيسي الأول في منظومة التموين عام 2014، عندما جرى الانتقال من نظام الحصص العينية إلى تخصيص رصيد نقدي يستطيع المواطن استخدامه لشراء السلع المتاحة.
وبدأ المخصص عند 15 جنيهًا للفرد، قبل رفعه إلى 50 جنيهًا في يوليو 2017، بحد أقصى أربعة أفراد مسجلين على البطاقة، مع تخصيص 25 جنيهًا لكل فرد إضافي.
لكن هذا المبلغ لم يشهد زيادة أساسية منذ ذلك الحين، رغم الانخفاض الكبير في قيمة الجنيه خلال الفترة من 2022 إلى 2024، وما صاحبه من ارتفاعات حادة في أسعار الغذاء.
وحتى الزيادات الاستثنائية التي أقرتها الحكومة لم تعالج المشكلة؛ إذ حصلت بعض الأسر على زيادة قدرها 100 جنيه لمدة ستة أشهر خلال عامي 2022 و2023، كما خصصت الحكومة في مارس وأبريل 2026 منحة إضافية بقيمة 400 جنيه لنحو 10 ملايين أسرة من حاملي البطاقات التموينية، ضمن حزمة الحماية الاجتماعية قبل شهر رمضان.
لكن هذه الإجراءات المؤقتة لم تعوض التراجع المستمر في القيمة الحقيقية للمخصص التمويني.
ولم يقتصر تآكل الدعم على ثبات المبلغ النقدي، بل امتد إلى ارتفاع أسعار السلع داخل المنظومة نفسها، التي اقتربت تدريجيًا من أسعار السوق الحرة، بل تجاوزتها أحيانًا.
ففي عام 2012، كان سعر لتر زيت الخليط في التموين ثلاثة جنيهات، مقابل تسعة جنيهات في السوق الحرة، أي بخصم يبلغ 67%. وبحلول عام 2022، ارتفع سعره في المنظومة إلى 28.75 جنيه، مقابل 38 جنيهًا في السوق الحرة، ليتراجع حجم الخصم إلى 24% فقط.
وفي عام 2023، عادت الحكومة إلى فرض ضوابط على أسعار بعض السلع الأساسية، بينها السكر والزيت والأرز، للتخفيف من تداعيات ارتفاع الأسعار العالمية، لترتفع نسبة التخفيض في سعر زيت الطهي إلى نحو 48%، مع وصول سعر اللتر في التموين إلى 37.5 جنيه، مقابل نحو 72 جنيهًا في السوق الحرة.
لكن هذا التحسن النسبي لم يغير حقيقة أن الدعم أصبح أقل بكثير مما كان عليه في السابق.
وتظهر المقارنة بين عامي 2012 و2026 حجم التراجع في المنافع الفعلية؛ إذ كانت الأسرة المكونة من أربعة أفراد تحصل على نحو 22 كيلوجرامًا من المواد الغذائية شهريًا، بينما لا تستطيع الأسرة نفسها في النظام الحالي شراء أكثر من ثمانية كيلوجرامات باستخدام المخصص النقدي للبطاقة.
وكان وزير التموين السابق على المصيلحي قد أقر بمحدودية المخصص، قائلًا إن الـ 50 جنيهًا بالكاد تغطي سعر زيت الطهي والسكر، وذلك في معرض تفسيره إلغاء الأرز من السلع المتاحة اعتبارًا من سبتمبر 2023.
خصخصة غير مباشرة.. شركات القطاع الخاص والعسكري في قلب المنظومة
لم تتوقف إعادة هيكلة التموين عند تحويل الدعم العيني إلى نقدي أو تقليص قيمة المنافع، بل امتدت إلى تغيير طبيعة الجهات التي تستفيد اقتصاديًا من المنظومة.
فمنذ عام 2022، تصاعد الضغط المرتبط بتنفيذ وثيقة ملكية الدولة، التي تستهدف إعادة ترتيب دور الدولة في النشاط الاقتصادي وفتح المجال أمام القطاع الخاص.
ورغم تصنيف الأمن الغذائي باعتباره قطاعًا استراتيجيًا، فإن الشركة القابضة للصناعات الغذائية وشركاتها التابعة واجهت توجهات تدفع نحو وضع مؤشرات أداء مالية وتشغيلية وتعظيم العوائد الاقتصادية، بما يثير تساؤلات بشأن مستقبل الشركات العامة وآلاف العاملين بها.
وفي هذا السياق، اتسعت قائمة السلع التموينية لتشمل نحو 30 سلعة عام 2014، بينها منتجات تنتجها شركات القطاع الخاص، وكان المفترض أن يمنح ذلك المستفيدين حرية أكبر في الاختيار باستخدام رصيدهم النقدي.
لكن محدودية المخصصات جعلت هذه الحرية شكلية إلى حد كبير، إذ لا يستطيع المواطن في كثير من الأحيان شراء أكثر من ثلاث أو أربع سلع.
وفي المقابل، تحولت المنظومة إلى سوق واسعة لتصريف منتجات الشركات الموردة، مستفيدة من قاعدة مستهلكين ضخمة تضم أكثر من 60 مليون مستفيد من البطاقات التموينية.
وتشير القراءة الواردة في الدراسة إلى أن شركات الصناعات الغذائية التابعة للقطاع العسكري تتمتع بمزايا إضافية، من بينها الاستفادة من دعم الإنتاج ومدخلاته، إلى جانب الوصول إلى قاعدة عملاء مضمونة من خلال منظومة التموين.
وبذلك أصبحت هذه الشركات تستفيد من طرفي المعادلة؛ تكاليف إنتاج أقل بفضل الدعم المقدم للمدخلات، وسوق استهلاكية واسعة تضمن تصريف منتجاتها.
وفي المقابل، يتحمل عمال المخابز المدعمة والبقالون التموينيون أعباء متزايدة، إذ لا تنعكس الزيادات السعرية بصورة كافية على هوامش أرباحهم، فضلًا عن الضغوط الإدارية والبيروقراطية التي يتعرضون لها.
كما تضررت شركات القطاع العام العاملة في الصناعات الغذائية، من مطاحن القمح والأرز ومصانع السكر والزيوت إلى المخابز الصناعية والمجمعات الاستهلاكية، بعدما أصبحت مطالبة بمنافسة القطاع الخاص مع استمرار التزاماتها المتعلقة بالأسعار المدعومة.
وتنعكس هذه الضغوط على أوضاع العاملين، إذ اتهم عمال مضارب أرز البحيرة، إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، إدارتهم بعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور، الذي ارتفع إلى 7000 جنيه في يوليو 2025 ثم إلى 8000 جنيه في يوليو 2026، بينما لا يتجاوز صافي دخول بعض العاملين نحو 4200 جنيه شهريًا بعد سنوات طويلة من الخدمة.
كما يشكو موظفو الشركة العامة للسكر والصناعات التكاملية من انخفاض الأجور وتراجع الأمان الوظيفي، مع التوسع في الاستعانة بالعمالة اليومية غير المتعاقد عليها.
الاستهداف.. بوابة لاستبعاد ملايين المواطنين
يمثل توسيع نطاق الاستهداف أحد أبرز مسارات إعادة تشكيل الدعم الغذائي، إذ تتكرر في خطابات النوايا المصاحبة لاتفاقات مصر مع صندوق النقد الدولي الدعوة إلى خفض الدعم غير الموجه، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية المخصصة للفئات الأشد فقرًا.
ويعني هذا التوجه عمليًا الابتعاد عن فكرة الدعم الشامل الذي تستفيد منه شرائح واسعة من الفقراء والطبقة الوسطى، والانتقال إلى نظام يحدد المستحقين وفق معايير اقتصادية وإدارية أكثر تشددًا.
وبدأت هذه السياسة تتبلور منذ عام 2016، عندما أعلنت وزارة التموين معايير للاستحقاق، ثم ظهرت على مدار السنوات التالية قوائم متعددة لمحددات الاستبعاد، من بينها تجاوز المصروفات الدراسية حدودًا معينة، أو امتلاك سيارات حديثة مرتفعة القيمة، أو ارتفاع فاتورة الكهرباء الشهرية.
لكن تطبيق هذه المعايير أثار شكاوى واسعة بسبب أخطاء قواعد البيانات ونقص المعلومات والتطبيق المتعسف، إذ فوجئ مواطنون باستبعادهم عند التوجه إلى المخابز أو منافذ صرف التموين، دون إخطار مسبق أو توضيح كافٍ للأسباب.
كما واجه كثيرون صعوبات في تقديم التظلمات وتصحيح بياناتهم، ما يثير مخاوف بشأن اتساع نطاق الاستبعاد مع تطبيق معايير أكثر تشددًا.
وتتمثل إحدى النتائج المحتملة لهذا التوجه في قصر الأولوية للحصول على الدعم الغذائي على المستفيدين من برنامج تكافل وكرامة، باعتبارهم الفئة الأكثر احتياجًا.
غير أن هذا التصور يتجاهل اتساع دائرة الفقر والشرائح المعرضة للانزلاق إليه نتيجة فقدان الوظائف أو المرض أو ارتفاع تكاليف المعيشة.
فوفق أحدث التقديرات الموثوقة المشار إليها في الدراسة، بلغت نسبة الفقر في مصر 35.7% عام 2023، ومع إضافة الفئات القريبة من خط الفقر قد تصل النسبة إلى نحو نصف السكان، بينما لا يغطي برنامج تكافل وكرامة سوى أقل من 20% من السكان.
وهنا يبرز التساؤل: كيف يمكن اعتبار بقية المواطنين غير المحتاجين إلى الدعم الغذائي، في ظل مستويات التضخم وتراجع الدخول وارتفاع تكلفة الاحتياجات الأساسية؟
الحماية الاجتماعية أم تخفيف أعباء الموازنة؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن الاستهداف، وفق هذا التصور، لا يضمن بالضرورة وصول الدعم إلى جميع المحتاجين، بل قد يتحول إلى عملية فرز واسعة تستبعد مواطنين يعانون من الفقر أو يقتربون منه، لمجرد عدم انطباق معايير إدارية محددة عليهم.
كما أن ربط الحماية الاجتماعية بالفقر المدقع وحده يتجاهل الدور الوقائي الذي يؤديه الدعم الشامل في حماية الطبقة العاملة والوسطى من الانزلاق إلى الفقر عند التعرض لأي أزمة مفاجئة.
فالدعم الغذائي ليس مجرد مساعدة مالية للفئات الأشد احتياجًا، بل يمثل إحدى أدوات ضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية، إلى جانب دوره في ضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي.
وتطرح هذه المقاربة بديلًا يقوم على تحسين مستويات المعيشة من خلال سياسات اجتماعية شاملة، تشمل الأمن الغذائي والرعاية الصحية والتعليم الجيد والسكن الاجتماعي والمواصلات، بدلًا من حصر الحماية في برامج نقدية محدودة لا تغطي سوى شريحة من السكان.
وبنهاية عقد من إعادة هيكلة الدعم، تبدو النتيجة أبعد من مجرد تحديث إداري لمنظومة التموين؛ فقد تراجعت حصة الدعم من الإنفاق العام، وانخفضت الكميات التي يحصل عليها المواطنون، واقتربت الأسعار التموينية من أسعار السوق، وتقلصت قاعدة المستفيدين، فيما أصبح مستقبل الشركات العامة والعاملين بها محل تساؤل.
وفي ظل هذه التحولات، لا يبدو أن انتهاء اتفاقات التمويل مع صندوق النقد الدولي سيؤدي بالضرورة إلى وقف مسار تقليص الدعم، إذ تشير الاتجاهات الحالية إلى استمرار النهج نفسه، القائم على تحويل الدعم من حق اجتماعي واسع إلى منفعة نقدية محدودة ومشروطة، بما يجعل تخفيف الأعباء عن الموازنة هدفًا يتقدم على ضمان الأمن الغذائي لملايين المصريين.