بإصراره على تعديل الدستور، حتى يتمكن الديكتاتور عبدالفتاح السيسي من الحكم مدى الحياة؛ يمضي الجنرال الذي سطا على الحكم عبر انقلاب عسكري دموي في 3 يوليو 2013م على خطى الديكتاتور الأكبر جمال عبدالناصر منتشيا من خمر السلطة حتى السكر والعربدة.

فما إن انتهى مشهد المسرحية العبثية التي أطلقوا عليها زورا “انتخابات الرئاسة” حتى تقدم 25 عضوا من أعضاء البرلمان الذي جاء باختيار الأجهزة الأمنية بطلب لفتح مدد الترشح للرئاسة المصرية دستوريا لتصبح أكثر من مدتين.

“السيسي”، إذا وهو على أعتاب حكم مصر لمدة أربع سنوات جديدة، أخذه خمر السلطة، بل سَكِرَ منها وبها إلى الحد الذي يجعله يعود للمرة الثانية لنسب فوز الديكتاتور “جمال عبد الناصر”، وتاليه الراحل “أنور السادات”، وتاليهما المخلوع “حسني مبارك” في استفتاءات الرئاسة، وإدمان الفوز بأكثر من تسعين في المئة.

لم يكتف “السيسي” بالطمأنينة إلى حكمه مصر لأكثر من 1400 يوم أخرى، والفوز المكتسح على مرشح منافس ورقي أو اسمي فحسب، بعدما اعتقل مرشحيه الحقيقيين، وأجبر طرفا من المصريين على الحضور للجان الانتخابية، وإن رفضت الأغلبية المشاركة في المسرحية الهزلية. لم يكتف “السيسي” بكل ذلك، وإنما شرع على الفور في الإعداد لحكم الكنانة بالحديد والنار من جديد لفترات رئاسية أخرى.

السيسي وخمر السلطة

ووفقا للمحلل السياسي محمد ثابت، في مقاله “هل سكر السيسي من كأس جمال عبدالناصر؟” والمنشور على موقع “عربي 21″، فإن للعسكريين العرب، إلا مَنْ رحم ربي وعلى رأسهم المشير السوداني “عبد الرحمن سوار الذهب”، مع كرسي السلطة مذاهب وأفاعيل وحماقات يأبى العقل ويرفض مجرد تصديقها، بخاصة في مصر منذ يوليو 1952م، ومنها جملة الراحل “جمال عبد الناصر”، وقد صار رئيسا بعدما سجن وأهان وعزل سابقه اللواء “محمد نجيب” لمناداته بعودة العسكريين إلى ثكناتهم وتسليم مصر للمدنيين ليعاودوا حكمها، كما كان الحال قبل 23 من يوليو من العام المذكور، بعدها خرج “عبد الناصر” على المقربين منه في بيته بمنشية البكاري بالقاهرة قائلا في عام 1956م: “- “إحنا مستعجلين على إيه؟ إحنا قاعدين في الحكم عشرين سنة .. ولما الثورة تثبت أقدامها وتنتهي من خصومها نبقى نعمل الديمقراطية اللي انتو عايزينها”. والكلمات أوردها الكاتب “محمود معوض بعموده في الصفحة العاشرة من الجريدة المصرية شبه الحكومية “الأهرام” في الأول من أيلول/ سبتمبر 2011م (العدد 95554)، في نهاية مقال بعنوان: “المرة الأولى التي نزل فيها مبارك للشارع السياسي”.

ومن عجائب قدرة الله أن “عبد الناصر” لم يعش بعد هذه الكلمات 20 عاما، كما قدر لنفسه، بل توفاه الله إليه قبلها في 28 من أيلول/ سبتمبر 1970م.

كانوا راغبين في الحكم إذا يصلون إليه قبل عسكريي مصر، وأغلب حكام العرب اليوم يعافي الله أكثرهم من أمراض حب الاستئثار بالحكم وإهلاك الحرث والنسل في سبيل ذلك، فيطمئنون ولو بدرجات إلى ثبات مقاعدهم، وينشغلون بضبط الأمور واستتابها أملا في استمرار حكمهم، لكن أمثال “السيسي” يعرفون أنهم جاؤوا على ظهر دبابة، فإن خففوا قبضتهم، وأراحوا الشعوب قليلا من جبروتهم، عصفت بهم ومزقتهم إربا، فهو وأمثاله لا يعرفون إلا ربا واحدا والعياذ بالله .. كرسي الحكم والحفاظ عليه .

حكاية عبد الناصر ونعيمة عاكف

مما يروى عن “عبد الناصر” بقوة أيضا أن أعضاء المجلس المسمى بقيادة الثورة كانوا يرونه منكبا على اللقاءات السياسية نهارا والأوراق ليلا، فيما هم يلعبون وينشغلون بالمتع من قصور وأموال ونساء وبعلمه، حتى أن الراحل “صلاح سالم”، وكان عضوا بالمجلس، ذات مرة ضايقته سيارة لحسناء يقودها سائق، فلاحقها، حتى إذا نزلت المرأة لدى أحد المحلات العامة قريبا من ميدان رمسيس، صفعها وانهال عليها ضربا، وهي لا تستطيع دفاعا عن نفسها، ولم تكن تدري مَنْ هو، فكانت تكيل له السباب والشتائم.

فلما قيل للراقصة “نعيمة عاكف”، رحمها الله، وكانت من أشهر راقصات مصر آنذاك:

– وديتي نفسك في داهية. ده صلاح بيه سالم .. عضو مجلس الثورة..

فلما قيل لها ذلك أسقط تماما في يدها، ولم تستطع نطقا، وقال الصاغ “سالم”، وكان من أشرس رجال “عبد الناصر”، للناس الذين تجمهروا حولهما:

– أنا اتهنت والثورة اتهانت يا جماعة..

هكذا دفعة واحدة.. شجار مع امرأة على العبور في طريق أخطأ الراحل “سالم” فيه أخطاء جسيمة وأهان امرأة إهانت بالغة.. ثم في النهاية “الثورة اتهانت”!

وبعدها حبس المرأة في المحل بحراسة أمنية مشددة، ثم مباشرة للسجن الحربي، ومن هناك أتت بالذي كتب لها، وكانت لا تعرف القراءة والكتابة، فكتب لها أحدهم على منديلها القماشي بعد أن ضمخته برائحة عطرها وأحمر شفاهها:

– عزيزي صلاح بكل دقة في قلبي وشعرة في رمش عيني أنا بعتذرلك وبقول لك آسفة جدا وحقك عليّ وماتزعلش مني، ويابخت من قدر وعفى وسامح، والترضية اللى تأمرني بيها أنا تحت أمرك فيها. ومرة تاني بعتذر لك.

ووصل المنديل لـ “عبد الناصر” بنفسه في مجلس ما سُمي بقيادة الثورة، فضحك من أعماق قلبه وأضحك بقراءة المنديل كل الجالسين، وأمر بالإفراج عن الراقصة، (من مصادر القصة مجلة “صباح الخير” المصرية، في أحد أعداد عام 1989م).

ولما سُئل “عبد الناصر” من بعد:

– لماذا تترك المتع وتعيش مع الساسة والأوراق؟!

قال لرفقائه المقربين:

– خذوا كل شيء في مصر .. ودعوا لي السلطة فهي عشق حياتي الأول والأخير..!

على خطى الديكتاتور عبدالناصر يمضى الطاغية عبدالفتاح السيسي مخمورا بكأس السلطة وعشقها الأبدي حتى يرد موارد التهلكة أو يقضي الله أمرا كان مفعولا.

Facebook Comments