تواجه النساء المعتقلات والمحتجزات السياسيات وضعاً شديد الخصوصية والتعقيد داخل سجون السيسي، حيث توظف الأجهزة الأمنية الانتهاكات الموجهة ضدهن بدافع الانتقام السياسي أو للضغط على ذويهن من الذكور.
ويتجلى هذا النمط من التنكيل بشكل صارخ في سجن العاشر من رمضان للنساء، حيث تشير الشهادات والتقارير الميدانية إلى تصاعد التضييق الأمني ليطال أبسط الحقوق الإنسانية والدينية للمحتجزات.
وفي شهادة حية وموثقة وثقها د. محمد الصغير عبر (@drassagheer)، أكد أن الضابط المسؤول عن سجن العاشر من رمضان للنساء يصر على ملاحقة المعتقلات حتى في لحظات العبادة والخصوصية داخل غرفهن، ويفرض هذا السجان أوامر متعنتة تمنع تماماً التجمع لأداء صلاة الجماعة داخل العنابر، متعمداً مصادرة حق المعتقلات في التواصل الوجداني والدعم النفسي المتبادل ولو خلال الصلاة، وذلك سعيًا لكسر عزيمتهن ومضاعفة إحساسهن بالوحدة والقهر داخل محبسهن.
وقال د. محمد الصغير في شهادته: "التجرؤ على منع المعتقلات من صلاة الجماعة يفضح واقعًا يوميًّا من التنكيل البشع في سجون مصر، والذي تستهدف فيه السلطات أرواح هؤلاء الأمهات والفتيات قبل أجسادهن."
ويمتد هذا التنكيل بحسب حقوقيون ليشمل استغلال الروابط الأسرية كأداة للضغط السياسي؛ حيث وُثق نمط احتجازي تعسفي يتمثل في إلقاء القبض على عدة نساء من أسرة واحدة واحتجازهن في سياق مرتبط بنشاط سياسي أو إعلامي لأحد أفراد العائلة المتواجد خارج البلاد.
ويحدث هذا الاحتجاز على الرغم من غياب أي مضبوطات أو أدلة مادية تربطهن بالاتهامات الموجهة إليهن، مما يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ "فردية المسؤولية الجنائية" الدستوري، ويحول النساء والفتيات بصفة فعلية إلى رهائن سياسية في يد الأجهزة الأمنية.
وتُشكل الأوضاع الإنسانية والقانونية للنساء المحتجزات في السجون المصرية أحد أكثر الملفات قتامة في مشهد العدالة الجنائية.
ويتناول هذا التقرير الشامل، المعتمد على أحدث التقارير الميدانية والأوراق التحليلية الصادرة حتى عام 2026، واقع الانتهاكات الموجهة ضد السجينات السياسيات، مستعرضاً تداخل الأبعاد الجندرية والاقتصادية والسياسية التي تحول منظومة العدالة إلى أداة للتنكيل الممنهج.
مقصلة الحبس الاحتياطي
يمثل الحبس الاحتياطي المعضلة القانونية والإجرائية الأكبر في منظومة العدالة الجنائية بمصر، بعدما انحرف عن مساره التشريعي كإجراء وقائي استثنائي، ليتحول إلى عقوبة سياسية مفتوحة تتجاوز المدد القانونية المحددة بعامين.
وتعتمد السلطات القضائية والأمنية على آلية "التدوير" لإبقاء المحتجزات في دوامة احتجاز لا تنتهي عبر إدراجهن في قضايا جديدة بذات التهم الفضفاضة، وهو ما توثقه بانتظام منظمات حقوقية كبرى مثل مؤسسة حرية الفكر والتعبير (afteegypt.org) ومعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (timep.org).
وفي إطار هذا التفاعل الحقوقي المستمر، أطلقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات عبر معرفها الرسمي (@ECRF_ORG) ورقة تحليلية معمقة تسلط الضوء على هذه الأزمة من منظور غير تقليدي. جاءت الورقة تحت عنوان:
"الحبس الاحتياطي ضد النساء في مصر: تقاطع الفقر مع النوع الاجتماعي وجسامة الاتهامات"
ترصد المفوضية المصرية للحقوق والحريات (@ECRF_ORG) من خلال هذه الدراسة أنماط استخدام الحبس الاحتياطي بحق النساء المتهمات في قضايا سياسية، وتكشف كيف يؤدي تداخل الأبعاد الجندرية والاقتصادية والإجرائية إلى تعميق آثار الاحتجاز، بما يتجاوز المتهمات أنفسهن ليطال أسرهن وأطفالهن بشكل مباشر، واعتمدت الورقة في تحليلها على منهجية "التقاطعية"، التي تدرس كيفية تفاعل الجندر والوضع الاقتصادي والبنية الأسرية وطبيعة الاتهامات والإجراءات القانونية في إنتاج أنماط مركبة من الهشاشة والاستهداف داخل منظومة العدالة الجنائية.
واستندت الدراسة إلى مراجعة تحليلية دقيقة لأوراق ثلاث قضايا من أصل أربع عشرة قضية أحيلت إلى المحاكمة خلال عامي 2024 و2025، وتضم هذه القضايا عشرات المتهمين والمتهمات، بينهم عدد من النساء اللواتي واجهن اتهامات بالغة الجسامة، وكشفت الورقة الحقوقية عن أربعة أنماط ممارساتية متكررة تجسد حجم الخلل الإجرائي:
حيث وجود تضارب واضح بين الروايات الأمنية الرسمية للقبض على المتهمات والواقع الفعلي للتوقيف والاحتجاز.
ويتم توجيه اتهامات مالية بالغة الخطورة، مثل "تمويل جماعات إرهابية"، إلى نساء يعشن أوضاعاً اقتصادية واجتماعية متواضعة وهشة للغاية كشفت عنها أوراق التحقيقات الرسمية نفسها.
فضلا عن ضعف أو انعدام الأدلة الملموسة المؤيدة للاتهامات الفضفاضة، والاعتماد شبه الكامل على تحريات الأجهزة الأمنية غير السرية.
مع استمرار دوامة الحبس الاحتياطي وتجديده التلقائي رغم الدفوع القانونية المتكررة بانتفاء مبرراته، وتقديم طلبات مستمرة لإعمال بدائل أقل تقييداً للحرية يقرها القانون.
الفجوة التشريعية والآثار
تُبرز الورقة التحليلية الصادرة عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات (@ECRF_ORG) فجوة واضحة وعميقة بين الضمانات القانونية التي يقررها المشرع المصري في النصوص والتشريعات وبين التطبيق العملي على أرض الواقع؛ إذ تنص القوانين المحلية على ضرورة مراعاة الظروف الاجتماعية والالتزامات الاقتصادية والروابط الأسرية للمتهم عند تقدير مدى لزوم الحبس الاحتياطي، إلا أن هذه الاعتبارات لا تنعكس بصورة فعلية أو عادلة على قرارات النيابة العامة ودوائر الإرهاب المعنية باستمرار الحبس في القضايا محل الدراسة.
تتضاعف مأساوية هذه الفجوة عند النظر في الآثار الممتدة والمدمّرة لاحتجاز النساء المعيلات أو الحاضنات لأطفالهن، حيث ينتقل الأثر العقابي للحبس الاحتياطي مباشرة ليشمل الأبناء والرضع الذين يجدون أنفسهم فجأة دون عائل أو رعاية أسرية أساسية، في ظل غياب تام لأي تقييم جدي أو إنساني لهذه التداعيات المجتمعية عند النظر في استمرار سلب الحرية، إن استمرار هذه السياسات التعسفية يفضح زيف الخطاب الرسمي المتعلق بالاستراتيجيات الوطنية لحقوق الإنسان وحماية الأسرة، ويؤكد أن هذه الجرائم الموثقة بحق النساء لا يمكن تبريرها قانونياً، وهي انتهاكات جسيمة لا تسقط بالتقادم.