تتزايد حالات الانتحار في عهد العسكر بصورة غير مسبوقة في تاريخ مصر، فلا يكاد يمر يوم دون أن يفاجأ المصريون بشاب أو فتاة يلقي أو تلقي بنفسها أمام قطار مترو الأنفاق أو من فوق مبنى مرتفع أو بالشنق بالحبال أو باشعال النار في الجسد إلى آخر هذه الوسائل التي يفارق بها الإنسان الحياة.
كانت فتاة في العشرينات من عمرها، قد أقدمت على الانتحار أسفل عجلات مترو محطة الدمرداش، كما قفز شاب في العشرينات من العمر من شرفة شقته بالطابق التاسع في شارع فيصل بالجيزة، قبل أيام.
وتكشف أحدث الإحصاءات المتاحة على الموقع الإلكتروني لمنظمة الصحة العالمية، عن أن هناك 88 حالة انتحار من بين كل 100 ألف مصري، علمًا أن عدد سكان مصر يبلغ 100 مليون نسمة، وهناك قرابة 88 ألف شخص ينتحرون كل عام.
وتعتمد هذه الإحصاءات على آخر البيانات المتوافرة والتي تعود الى العام 2014 ومنذ عام 2015 تتزايد حالات الانتحار، لكن سلطات الانقلاب لا تتعامل بشفافية مع هذه الظاهرة، ولا تصدر وزارة الصحة بحكومة العسكر إحصاءات واضحة بعدد الحالات.
وتشير أرقام غير رسمية إلى ارتفاع معدلات الانتحار خلال السنوات القليلة الماضية، وكشفت دراسة لوزارة صحة الانقلاب عن أن 21.7% من طلبة الثانوية العامة بالقاهرة يفكرون في الانتحار.
إحصاءات صادمة
أحدث تقرير لـ”المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان” رصد 101 حالة انتحار في دولة العسكر خلال أشهر مارس، وأبريل، ومايو 2019، منها 39 حالة في مارس، و36 في مايو، و26 في أبريل.
وأظهر التقرير الصادر في يونيو الماضي أن الوسيلة المفضلة للذكور هي الشنق بنسبة 53%، والإناث بالأقراص السامة، وأن الانتحار أمام قطارات مترو الأنفاق بات المفضل مؤخرا أمام المتعثرين اقتصاديا.
وكشف عن أن المنتحرين غالبيتهم من الطلاب والعمال في المقدمة، يليهم ربات المنازل والشريحة العمرية من 21 – 30، وأسباب الانتحار تتراوح بين الضائقة المالية أو الخلافات العائلية، أو الأزمات العاطفية، والأزمات والأمراض النفسية أو الفشل في الامتحانات.
كات المركز القومي للسموم قد أعلن أن عدد المنتحرين سنويا تجاوز 4250 منتحرا، وبحسب “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات” هناك 5 أو 6 حالات انتحار تأتي إلى مستشفى قصر العيني بالقاهرة يوميا.
استبداد سياسي
وأرجعت دراسة حديثة لـ”المعهد المصري للدراسات” تزايد انتحار المصريين لأسباب اقتصادية تتعلق بتزايد نسب الفقر، وأخرى ترتبط بالضغوط النفسية والاجتماعية والاستبداد السياسي وغياب الديمقراطية.
وكشفت الدراسة عن أن أحدث إحصاءات منظمة الصحة العالمية تؤكد أن هناك 88 حالة انتحار من بين كل 100 ألف مصري، علمًا أن عدد سكان مصر يبلغ 100 مليون نسمة، وهناك قرابة 88 ألف شخص ينتحرون كل عام.
وأشارت إلى أن دولة العسكر شهدت موجات متلاحقة من الانتحار مؤخرًا لشبان تحت عجلات مترو الأنفاق أو بالقفز من برج القاهرة أو مبانٍ عالية، وأحدثها شنق أنفسهم “أون لاين” في بث مباشر على “فيسبوك” إمعانًا في الصراخ بمعاناتهم.
وأكدت الدراسة أن تلك الظاهرة زادت في المجتمع المصري بين قطاعات الشعب، خاصة الشباب؛ حيث أصبح لا يمر أسبوع تقريبًا إلا ونسمع عن أكثر من حالة انتحار، إلا أنه لا توجد إحصاءات رسمية منشورة حول عدد حالات أو محاولات الانتحار، وتتحفظ الجهات الرسمية على نشر تلك البيانات لأسباب مختلفة قد يكون سببها عدم إثارة الفزع ومنع تصدير صورة سلبية عن المجتمع إلى الخارج.
تحت خط الفقر
وحددت أسباب الانتحار في الفقر وتدني الدخل الفردي؛ إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة الفقراء في مصر عام 2004 – 2005 بلغت 19.56%؛ أي حوالي 13.6 مليون مصري كانوا غير قادرين على الحصول على حاجاتهم الأساسية، بينما زادت تلك النسبة في العام 2015 إلى 27.8%؛ ما يعني وجود نحو 30 مليون مصري تحت خط الفقر، وبلغت عام 2019 قرابة 60%، وفق تقارير البنك الدولي المنشورة في أبريل 2019.
وقالت الدراسة إن السبب الثاني هو البطالة التي تنتشر بين الشباب؛ ما يدفعهم لعدم الشعور بالأمان في المستقبل، وعدم جدوى الدراسة في ظل غياب فرص العمل، موضحة أن السبب الثالث يتمثل فى الاستبداد السياسي وغياب الديمقراطية، ويُعد ذلك أبلغ دليل على ضياع مسارات التنمية وتتابع أخطاء الأنظمة الشمولية وانحسار الفكر التنموي، إضافة إلى خبرات الفشل المتراكمة في أداء الدول النامية ذاتها بأنظمتها التي تنهض جميعها على قاسم مشترك هو استحالة العمل التنموي الفاعل في مناخات ديكتاتورية.
قفزات سريعة
من جانبه قال سامح راشد باحث متخصص في العلاقات الدولية والشئون الإقليمية للشرق الأوسط: إن المصري ينتحر لأنه لا يساوي شيئًا عند الدولة، ولا عند أقرانه، إلى حد جعل مدير قطار أي موظف صغير يجبر مواطنا فقيرا مثله على القفز والموت تحت عجلات القطار موضحا أنه عندما يشعر المواطن أن دوره في الحياة هو البذل والعطاء والتحمّل والصبر والانصياع.. وفقط، فلا تكون للحياة قيمة، وتفقد أي مبرّر لها، خصوصًا عندما يكتشف بفتوى رسمية أن الانتحار ليس كفرًا وإنما مجرّد ذنب، فيكون الانتحار وتحمّل عاقبته عند أعدل الحاكمين أفضل عند المنتحر من حياة كلها عقاب تلو عقاب، من دون ذنوب.
وأوضح راشد، في تصريحات صحفية، أن ازدياد حالات الانتحار في مصر ليس وليد الأيام ولا الأسابيع الماضية، لافتا إلى أنه بالرجوع إلى أرقام منظمة الصحة العالمية وتقاريرها، يتضح أن المعدل في تزايد منذ خمسة أعوام، وأن دولة العسكر حققت قفزاتٍ سريعةً على سلم أكثر الدول العربية انتحارًا، حتى تصدّرته منذ عام 2016. قبل السودان واليمن التاليين لها مباشرة، ومتقدّمة بنسبة كبيرة على العراق وسوريا وليبيا التي تعاني من اقتتال أهلي وفوضى أمنية. ومتقدّمة أيضًا على لبنان وموريتانيا وجزر القمر وجيبوتي، وهي دول تعاني اقتصاديًا بشدة.
وتساءل: لماذا تتفوق دولة العسكر على هذه الدول، انتحارًا، وهي أكثر أمانًا وتماسكًا كدولة من المجموعة الأولى. واقتصادها ليس أكثر معاناة من الثانية؟
ويجيب راشد: إنها الحرية.. نعم، الحرية. الحق في التعبير. التنفس أفكارا وتعاطي الآراء وأضدادها. الشعور بأن للمواطن في وطنه صوتاً يُسمع، وكلمة يؤخذ بها أو يُردّ عليها، فالعوز والفقر وانخفاض مستوى الدخل وتضاؤل فرص العمل وآفاق الحراك المجتمعي، كلها أمراضٌ مزمنةٌ في الجسد المصري منذ عقود. كما أن تماسك الدولة والاستقرار المجتمعي خصيصة مميزة للدولة المصرية الضاربة في عمق التاريخ، فإذا كانت مصر تتميز عن دولٍ تكاد تنهار، أو انهارت بالفعل، بوجود مؤسساتٍ قويةٍ وسيادةٍ كاملةٍ للدولة، فهذا التميز لا يترجَم إلى شعور بالعزّة أو فخر لدى مصريين كثيرين بمصريتهم.
وأكد أنه رغم أن المعاناة الاقتصادية والعجز أمام أعباء الحياة اليومية البسيطة هي الأصل في حياة المصريين، فإنها تجاوزت، في الأعوام الأخيرة، قدرة تحمّل المصريين، وهي قدرة عالية، ولكن الأسوأ أن الإفقار الاقتصادي لم يعد يتخفى أو يتجمّل كدواء مُرّ بطعم حلو خادع، وإنما يتجرّعه المصريون بحالته الخام الفجّة إلى حد الاستفزاز. ولا حق لأحد حتى في التبرّم أو التأوه ألمًا.
الوضع الاقتصادي
وقال أحمد عبدالله، خبير نفسي: إن الوضع الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، وصعوبة توفير الشباب إمكانيات العمل المناسب والدخل المناسب للزواج وتكوين أسرة، وعدم قدرة الأسر على توفير احتياجاتها كل ذلك يؤدي دورًا في أسباب الانتحار، مشيرًا إلى أن الأعباء المالية والديون تسبب الاكتئاب والانتحار.
وأكد، في تصريحات صحفية، أن إقدام الشباب على الانتحار بطرق مختلفة شنقًا أو أسفل عجلات المترو مؤشر على تفاقم مشكلات الشباب وعدم القدرة على مواجهة الواقع القاسي الحالي والبطالة والغلاء والأزمات الأسرية الناتجة عنها.
احتجاجي
وقال الدكتور عمرو أبو خليل، اخصائي استشارات نفسية واجتماعية بالإسكندرية، أن الانتحار الذى تشهده دولة العسكر هو “انتحار احتجاجي” إزاء الأوضاع “المتردية” حاليا.
وأضاف أبو خليل في تصريحات صحفية أن هناك قاسما مشتركا بين كل حالات الانتحار في عهد العسكر؛ الأول هو العوز والحاجة نتيجة تردي الأوضاع المعيشية حتى المنتحرين لأسباب تبدو عاطفية، التدقيق فيها يكشف أنها اقتصادية في المقام الأول، لأنه لولا ضيق ذات اليد لارتبط المحبوب بمحبوبته ولتمكن الشاب من تحقيق طموحاته في الحياة بشكل يجعله يتمسك بها لا أن يهرب منها منتحرا.
وأشار إلى أن الإنسان في عهد العسكر لا يجد سوى روحه ليحتج بها، وهي صورة احتجاج إنسانية معروفة في كل دول العالم تكررت كثيرا أمام السفارات ومبنى الأمم المتحدة، وكأن المنتحر يأبى إلا أن يرسل بموته رسالة احتجاجية لشعبه وحكومته.
ولفت أبو خليل إلى أن موجة الانتحار حرقا تفشت في مصر أواخر عهد المخلوع حسني مبارك عقب انتحار البوعزيزي التونسي مباشرة؛ وذلك لأن المصريين آنذاك شعروا بأن الحياة المهينة التي ارتضوها منذ سنوات ضاقت بهم ولم تعد ترتضيهم.
وأوضح أن القاسم الثاني هو أن المنتحرين غالبيتهم من الشباب؛ وذلك لأن هذه المرحلة العمرية مرتبطة بتحقيق الإنجازات والأمل والتفاؤل لتحقيق الذات، فإذا ما عجز الشاب عن تحقيق كل ذلك أصبح عمره دافعا مثاليا للانتحار.
وكشف أبو خليل عن أنه كطبيب نفسي لمس بنفسه كيف تفشى مرض الاكتئاب بين حالاته مؤخرا، وأنه بفحص الحالات يتبين أن المكتئب بات يعاني من أسباب عامة تتعلق بالوضع الحالي في دولة العسكر، تماما كما يعاني من أسباب تتعلق بحياته الخاصة على عكس ما حدث إبان ثورة 25 يناير2011، حينما انحسرت أعداد مرضى الاكتئاب وباتت مهمته كطبيب في علاج الاكتئاب أسهل؛ لأن روح التغيير التي دبت في العروق بفضل الثورة كانت تقنع الناس بأنه لا داعي للاكتئاب فالقادم أفضل.
