مع إعلان إثيوبيا عن أنها ستبدأ ملء خزانات سد النهضة، يونيو المقبل، دون التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب مصر والسودان، وأن لها الحق فى اتخاذ كل ما يحقق مصالحها من إجراءات، شهدت دولة العسكر حالة من التوتر، دفعت قائد الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي إلى عقد اجتماع، مساء أمس، مع قيادات القوات المسلحة بمقر وزارة الدفاع، وطالب السيسي خلال الاجتماع الجيش بالاستعداد لأى مهام قد توكل إليه لحماية الأمن القومي .
وتوقع خبراء أن السيسي يلمح إلى إمكانية توجيه ضربة عسكرية إلى سد النهضة بعد فشل المفاوضات التى عقدت على مدار شهرين فى واشنطن برعاية أمريكية، وقالوا إنه بعد انسحاب إثيوبيا من المفاوضات ورفضها التوقيع على الاتفاق النهائي الخاص بملء وتشغيل سد النهضة، بل وتحديها لمطالب مصر والسودان، وإعلانها البدء فى ملء السد بدون التوقيع على أى اتفاق، لم يعد أمام دولة العسكر إلا إعلان الحرب على إثيوبيا لحفظ حقوق مصر في مياه نهر النيل .
فى المقابل، استبعد خبراء أن يوجه السيسي أية ضربات عسكرية لسد النهضة، مؤكدين أن إمكانيات جيش العسكر أقل بكثير من تهديد إثيوبيا؛ لأنه لا يستطيع الوصول إلى الأراضي الإثيوبية لا جوا ولا برا ولا بحرا .
وتوقعوا أن يكون الاجتماع الذى عقده السيسي كان يهدف لإقناع قيادات الجيش بإعدام ضابط الجيش السابق هشام عشماوي– والذي تم تنفيذه بالفعل صباح اليوم- وإبلاغهم بهذه الخطوة قبل تنفيذها حتى لا يثوروا على السيسي .
وقال الخبراء: إن السيسي لا يستطيع توجيه ضربة عسكرية لسد النهضة؛ لأن دولا كثيرة تشارك باستثمارات كبيرة فيه، من بينها السعودية والإمارات والصين وإيطاليا وغيرها، مؤكدين أن السيسي لا يستطيع الدخول فى صراع قد يطول مع هذه الدول .
إثيوبيا
كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد أكد، في وقت سابق، أن بلاده مستعدة لخوض حرب للدفاع عن سد النهضة إذا اضطرت لذلك .
وشدد آبى أحمد، خلال جلسة للبرلمان الإثيوبي، على أن بلاده مصممة على إتمام مشروع السد الذي بدأه قادة سابقون، لأنه مشروع “ممتاز”، بحسب تعبيره.
وقال رئيس الوزراء الإثيوبي: “يقول البعض أمورا عن استخدام القوة (من قبل مصر)، ينبغي التأكيد على أنه ما من قوة تستطيع منع إثيوبيا من بناء سد”، مشيرا إلى أنه “إذا كانت هناك ضرورة للحرب فنستطيع حشد الملايين، وإذا كان البعض يستطيع إطلاق صاروخ، فالآخرون قد يستخدمون القنابل، لكن هذا ليس في مصلحتنا جميعا” .
وأوضح أن الحروب لن تفيد أي طرف، لا مصر ولا السودان ولا إثيوبيا، وقال إن السد سيُستكمل بطريقة لن تضر دول حوض النيل .
أزمة كاشفة
من جانبه قال أحمد عطا الله، المحلل السياسي: إن أزمة سد النهضة كاشفة للغاية عن تفاعلات السياسة في دولة العسكر، فيتناسب مع قوتها الحالية وتأثيرها في دوائرها الدولية والعربية والإفريقية والتماشي مع مقتضيات الموازنة بين تعقيدات المشهد الداخلي السياسي والأمني والاقتصادي والقدرة الذاتية، وتعضيد الشرعية وتوازنات القوى الإقليمية.
وأكد عطا الله، فى تصريحات صحفية، أن تخبط القرار السياسي بدولة العسكر بخصوص السد وعدم تبلور رأي حاسم تجاهه، استطاعت إثيوبيا استغلاله جيدًا لصالحها– رغم أزماتها الداخلية– مشيرا إلى أن إثيوبيا استطاعت إخراج دولة العسكر من حالة التفكير والتلويح بالقوة للاعتراف بالواقع، وإجبارها على الجلوس لطاولة المفاوضات ثم انسحبت ورفضت التوقيع؛ لأن الهدف النهائي هو الانتهاء من بناء السد .
واستبعد توجيه نظام العسكر ضربة لسد النهضة، مؤكدا عدم إمكانية استخدام الطيران لطول المسافة بين مصر وإثيوبيا، وعدم امتلاك الجيش لطائرات تزوّد بالوقود، مما يجعل عملية التحليق لفتراتٍ طويلة غير ممكنة.
وأضاف عطا الله أنه “كان من المفترض أن النظام الذي يقف على رأسه عسكري سابق، يفترض فيه إدراك المخاطر التي يشكلها بناء السد والطريقة الإثيوبية في فرضه كأمر واقع، وتكتيل دول حوض النيل ضد دولة العسكر هو خطر على الأمن القومي المصري وتهديده لنظرياته الأساسية ومناطقه الأصيلة، موضحا أن عملية عسكرية ناجحة أو التلويح بها قد تكون مصدرًا لشرعية قوية للنظام، بل قد تعطيه فرصة لتجاوز الأزمة السياسية الداخلية.
وأشار عطا الله إلى أن هذه المبادرة بمثل تلك الضربة قد تجلب المزيد من الأتباع، وتطرح نظام العسكر باعتباره نموذجًا في الدفاع عن أمنه، وقد تعيد مصر لمكانتها، خاصة أن إثيوبيا تعاني عدة أزمات داخلية وأزمات مع جيرانها.
مستحيلة
وأكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن توجيه ضربة عسكرية لسد النهضة مستحيلة؛ ﻷن إثيوبيا باتت دولة ذات علاقات دولية داخل وخارج إفريقيا، ويمكنها أن تجمع كل الدول المتحالفة معها ضد دولة العسكر.
وقال نور الدين، فى تصريحات صحفية، إن الفترة منذ 2011 حتى 2014 كانت فرصة زمنية كبيرة لـ«إثيوبيا»، مستغلة الاضطرابات السياسية في مصر آنذاك، حتى أصبح التعامل مع القضية على أنها أمر واقع، وبالتالي يصعب التعامل من نفس النقطة التي كان يقف فيها مبارك.
وكشف عن أن إثيوبيا ليست وحدها، فهناك شركات هولندية وإسرائيلية وعربية لها مصالح مع السلطات الإثيوبية، كما أن الصين وفرنسا لها استثمارات هناك كلفتها المليارات .
وأشار نور الدين إلى أنه في حالة ضرب سد النهضة دون اتفاق دولي مسبوق- وذلك أمر مستبعد- فسنعلن الحرب على أنفسنا، ولا نعلم مدى عواقب هذه الضربة فيما بعد.
عملية برية
وأكد اللواء عادل سليمان، الخبير العسكري، أنه في كل الحالات فإن دولة الانقلاب لا تمتلك قواعد عسكرية في إفريقيا، خاصة دول حوض النيل لشن عملية جوية لقصف السد وجعله ركاما، لافتا إلى أن الحل العسكري هو عملية برية سرية لا يظهر تورط مصر فيها بشكل مباشر .
وأوضح سليمان، في تصريحات صحفية، أن مثل هذه العمليات تحتاج لمجال جوي سواء مباشرة من مصر إلى هناك، أو مجال متغير من دولة إلى أخرى، مشيرا إلى أن إفريقيا بلاد حرب لا نملك فيها سوى سفارات لا شأن لها بهذا الأمر.
خيارات محدودة
وأكد اللواء جمال مظلوم، الخبير العسكري، أن الخيار العسكري مستبعد ولن يحدث، مؤكدا أن خيارات دولة العسكر تنحصر على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية في ظل أوضاع دولية وإقليمية تمنع اللجوء لخيار الحرب بأي حال.
وقال مظلوم، فى تصريحات صحفية، إن التطورات السياسية في كل من إثيوبيا والسودان تعقد الأمور بالنسبة لنظام الانقلاب، وتقلل من الخيارات أمام صانع القرار الذي عليه أن يتعاون مع دول تمتلك نفوذًا اقتصاديًّا بأديس أبابا كالرياض وأبو ظبي، في محاولة حلحلة موقف إثيوبيا المتعنت.
