في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الضحايا والمصابين بفيروس كورونا وتسود العالم توترات غير مسبوقة عقب اعلان منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا تحول إلى وباء وجائحة تجتاح البشرية.. ترفض شركات الأدوية تصنيع علاج لهذا المرض الذي يهدد شعوب العالم كله.
ورغم أن العديد من العواصم والمدن بدت شبه مهجورة مع اتخاذ الحكومات إجراءات قاسية لاحتواء فيروس كورونا، كما طالبت منظمة الصحة العالمية كل الحكومات ببذل المزيد من الجهود، لمواجهة الفيروس الذي يواصل انتشاره بأنحاء العالم.
وطالب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم دول العالم بمزيد من الإجراءات، وقال: إن الطريقة المثلى لتفادي الإصابات وإنقاذ الأرواح هي كسر سلسلة انتقال العدوى من خلال الفحص والعزل.
وأكد قادة دول مجموعة السبع أن فيروس كورونا يشكل مأساة إنسانية وأزمة صحية عالمية، وأن مخاطره كبيرة على الاقتصاد العالمي، وأشاروا إلى أن تحديات انتشار الفيروس تتطلب مقاربة دولية قائمة على العلم والبراهين، وأن دولهم ستنسق الجهود للحد من انتشاره ومن ضمنها اتخاذ تدابير تتعلق بالحدود، رغم ذلك كله ترفض شركات الأدوية الكبرى تطوير علاج لفيروس كورونا.
شركات الأدوية
ومع بداية انتقال فيروس كورونا الجديد في يناير الماضي من الصين إلى كثير من دول العالم ليتحول إلى ما يشبه الوباء، توقع كثيرون أن انتشار هذا الفيروس التاجي القاتل بمثابة مفاجأة سارة لشركات الأدوية الكبرى التي ستتسابق على تطوير لقاح مضاد للفيروس تربح بفضله مليارات الدولارات.
لكن حتى الآن لم تعلن أي من شركات الأدوية العالمية الكبرى المعروفة عن توجهها لتطوير لقاح مضاد للفيروس الجديد، وهذا التقاعس وصفه مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بالولايات المتحدة “أنتوني فوشي” بأنه شيء “صعب جدًا ومحبط للغاية”.
وبينما يقف العالم أجمع اليوم على قدميه في انتظار ظهور علاج للفيروس الجديد بإمكانه وضع حد للمأساة، لا يزال الكبار بقطاع الأدوية غير متحمسين للمضي قدمًا في عملية تطوير لقاح للفيروس الذي أطلق عليه مؤخرًا اسم “كوفيد 19″، فما السر وما الأسباب التى تجعل هذه الشركات لا تلقي بالاً للضحايا والمصابين بهذا المرض؟ ويؤكد الخبراء أن شركات الأدوية الكبرى تخشى أن تنتهي أزمة كورونا بسرعة كما حدث مع أوبئة أخرى ظهرت خلال العقدين الماضيين!
“مودرنا”
في مقدمة الشركات الخاصة التي تبذل جهودًا من أجل تطوير لقاح لفيروس كورونا الجديد تأتي شركة صغيرة لا يزيد عمرها في السوق على تسع سنوات تعرف باسم “مودرنا”، والتي يدعم جهودها “تحالف ابتكارات التأهب للأوبئة” (CEPI) وهو عبارة عن شراكة بين الحكومات وصناعة الدواء والمنظمات الخيرية أنشئت قبل ثلاث سنوات لمكافحة الأمراض المستجدة التي تهدد الصحة العالمية.
بدأت “مودرنا” في العمل على اللقاح في العاشر من يناير الماضي وذلك بمجرد نشر العلماء الصينيين للكود الوراثي الخاص بفيروس كورونا على الإنترنت. وبحلول السابع من فبراير تمكن علماء الشركة من تصنيع جرعات من عشرات اللقاحات المختلفة التي تستعد لاختبارها في أبريل القادم.
وعلى الرغم من هذا “الريتم” السريع، يقول العلماء إن الأمر قد يستغرق في أحسن الأحوال ما يتراوح بين عام و18 شهرًا قبل أن يتاح أي لقاح للفيروس في السوق. فبعد تجربة الأمان الأولية التي ستجريها الشركة الشهر القادم لا تزال هناك حاجة لإجراء كم هائل من التجارب السريرية لاختبار مدى كفاءة اللقاح، وهو الأمر الذي يستغرق عادة شهورا وربما سنوات.
وبناءً على ذلك لن يكون اللقاح مفيدًا من الناحية المالية لمطوريه إلا إذا استمرت أزمة كورونا فترة طويلة تتجاوز العامين، أو لو عاد الفيروس للانتشار مرة أخرى بعد انحساره وأصبح مرضًا مستوطنًا مثل الإنفلونزا الموسمية.
الشركات الكبرى
في المقابل يمتنع الكبار بصناعة الأدوية عن الاستثمار في تطوير لقاح مضاد لكورونا، واكتفت شركات مثل “جلاكسو سميث كلاين” و”جونسون آند جونسون” بتقديم الدعم للمؤسسات التي تقود جهود مكافحة كورونا.
وهذا ليس سلوكًا جديدًا، فقد كان هناك تجاهل شبه تام من قبل شركات الأدوية الكبرى للأوبئة الفيروسية التي ظهرت خلال العقدين الماضيين. فمن بين فيروسات “سارس” و”ميرس” و”إيبولا” و”زيكا” لم يتم تصنيع سوى اللقاح الخاص بفيروس “إيبولا” والذي تمت الموافقة عليه العام الماضي، ومن غير المرجح أن يحقق هذا اللقاح أي أرباح للشركة المطورة له.
ويؤكد خبراء أن شركات الأدوية الكبرى لا تستثمر أموالها ومواردها إلا في الأمراض واسعة الانتشار والمستمرة التي يمكن أن تبيع علاجها للناس إلى الأبد، موضحين أن الصيد الثمين بالنسبة لهذه الشركات والذي يستحق المخاطرة هو لقاح مثل “جارداسيل” المضاد لفيروس الورم الحليمي البشري والذي أصدرته شركة “ميرك” عام 2006 وتجني بفضله اليوم حوالي مليار جنيه إسترليني سنويًا.
يشار إلى أن شركة “ميرك” – تعد ثالث أكبر شركة أدوية في العالم من حيث القيمة السوقية – هي واحدة من الشركات الكبرى التي ترفض حتى الآن المضي قدمًا في استثمار مواردها في تطوير علاج لفيروس كورونا الجديد؛ لأنها ترى أن عملية تطوير لقاح طويلة ومكلفة وما لم يكن هناك سوق كبير لذلك العقار فإن الأمر من وجهة نظر الشركات الكبيرة لا يستحق ذلك العناء.
وحتى لو تحمست شركات الأدوية الكبرى فجأة لتطوير لقاح لكورونا فإن العمل عليه قد يتوقف في أي لحظة إذا ما انحسرت رقعة انتشار الفيروس. وهذا ما حدث خلال أزمتي فيروسي “سارس” و”ميرس” اللذين ينتميان إلى عائلة كورونا الفيروسية، حيث توقف العمل على تطوير لقاحات لهما بمجرد انتهاء الأزمة بعد عدة شهور.
إنفلونزا الخنازير
في عام 2009 تحمس عدد من شركات الأدوية الكبرى لتطوير لقاح مضاد لإنفلونزا الخنازير، وتم الانتهاء منه بسرعة ومع انحسار رقعة انتشار الفيروس قامت الكثير من الحكومات التي تعاقدت مع شركات مثل “جلاكسو سميث كلاين” لشراء كميات كبيرة من اللقاح بفسخ عقودها؛ ما أثر سلبًا على أرباحها.
وما زاد الطين بلة بالنسبة لـ”جلاكسو سميث كلاين” هو اضطرارها لسحب لقاحها الخاص بإنفلونزا الخنازير – الذي تم إعطاؤه لستة ملايين شخص من السوق – بعد أن اكتشف لاحقًا أنه يسبب “الخدار” وهي حالة مرضية تدخل الشخص في نوبات نوم مفاجئة عدة مرات في النهار.
وفي عام 2014 وقعت نفس الشركة في أزمة بسبب مرض فيروسي آخر. فبعد استثمارها في تطوير ثلاثة لقاحات لفيروس “إيبولا” اضطرت الشركة للتوقف بعد وصولها للمرحلة النهائية من التجارب السريرية وذلك على خلفية تضاؤل عدد المصابين بالفيروس بشكل كبير قرب نهاية عام 2014.
ومع عدم وجود إمكانية تحقيق أي أرباح استسلمت “جلاكسو سميث كلاين” في نهاية المطاف وسلمت النتائج لمؤسسة غير ربحية بالولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه التجربة بمثابة عبرة لشركات الأدوية الكبرى الأخرى والتي أصبحت تفضل التركيز على علاجات الأمراض التي يوجد لها أسواق مضمونة كالسرطان والسكر.
البورصة
ويؤكد رئيس الاتحاد الدولي لمصنعي الأدوية أن الشركات تخشى أن يكون مصير “كورونا” مثل “سارس”، وقال: قبل نحو 17 عامًا كانت هناك شركات بدأت في تطوير لقاحات لعلاج سارس، ولكن عندما حان وقت إجراء التجارب السريرية لم يكن هناك المزيد من المرضى لأن الفيروس قد رحل.
واشار الى ان شركات الأدوية الكبرى لم تلق حتى الآن بثقلها في عملية تطوير لقاح مضاد لفيروس كورونا؛ لأنها لا تمتلك ضمانات كافية لأن تحقق أي أرباح معتبرة إذا ما قررت الخروج في هذا الطريق وصرف مليارات الدولارات من أموالها في ذلك المسعى.
وأضاف رئيس الاتحاد الدولي لمصنعي الأدوية: لا يجب أن ننسى أنها شركات مدرجة بالبورصة لها مساهمون لن يرحموا مجالس الإدارات إذا ما تراجعت ربحية السهم بسبب فشل استثماراتها، موضحا أنه لا يوجد سيناريو أسوأ بالنسبة لشركات الأدوية من أن تستثمر أموالها في تطوير لقاح ثم يختفي الفيروس!
