ردًّا على تحركات مصر الفاشلة في الترويج لموقفها في أزمة سد النهضة، بعدما تلقت الخارجية المصرية ردود فعل باهتة من الدول الإفريقية التي زارها وزير خارجية الانقلاب سامح شكري، وتراوحت الردود بين العمل على تقريب وجهات النظر ودعم الحلول السلمية، وعدم الانحياز للطرف المصري، وهو ما تجلّى أكثر في ردود الصومال وجيبوتي والسودان. وإزاء ذلك أعلنت إثيوبيا- عبر دوائر أوروبية- عن استعدادها للجلوس على طاولة المفاوضات مع مصر، بشرط إلغاء كافة التفاهمات التي تبنتها الإدارة الأمريكية.
وكشفت مصادر دبلوماسية أوروبية في القاهرة عن أنّ إثيوبيا تروج حاليا- عبر سفرائها في العواصم الغربية والإفريقية- أنها على استعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات مع مصر حول قواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة، بشرط إبعاد وزارة الخزانة الأمريكية عن الملف، وإلغاء جميع الصيغ التي سبق وتمّ الاتفاق عليها خلال مفاوضات واشنطن التي امتدت على مدار 3 أشهر تقريبا.
وكانت أديس أبابا قد قاطعت الجولة الأخيرة من هذه المفاوضات نهاية فبراير الماضي، والتي كان من المفترض تخصيصها للتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق، بحجة أنّ الصيغة التي أعدها فريق الوزير الأمريكي، ستيفن موشين، بالتعاون مع البنك الدولي، “لم يتم التوافق على بنودها بين جميع الأطراف”.
مكر إثيوبي
وذكرت المصادر أنّ المحاولات الإثيوبية لتحميل الوزير الأمريكي مسئولية فشل المفاوضات وما تصفه بـ”العنجهية المصرية”، تمتدّ للتظاهر باستعداد وزيري الخارجية والمياه الإثيوبيين غيدو أندارغاشيو وسيليشي بيكيلي لاستئناف المفاوضات بشكل مباشر من دون وسطاء، أو بوسطاء غير ملزمين، من دون تطبيق المادة العاشرة من اتفاق المبادئ الموقع في مارس 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان، والتي تتعلّق بتسوية النزاعات وطلب الوساطة في هذا الشأن.
وأضافت المصادر أنّ الفريق الإثيوبي الذي يلعب دورا رئيسيا في هذه المحاولات، هو الموجود في بروكسل بقيادة السفير المخضرم جروم أباي، المقرب من رئيس الوزراء آبي أحمد، والذي شكّل فريقا من الدبلوماسيين، عقد اجتماعات مطولة مع عدد من الوفود الأوروبية الدائمة لدى الاتحاد الأوروبي؛ إذ ركز الفريق الإثيوبي على 3 نقاط أساسية هي: رفض أديس أبابا تدويل القضية وتدخل الوسطاء “غير المعنيين” كالولايات المتحدة لفرض حلول بعينها، واستحقاق إثيوبيا تاريخيا وتنمويا واقتصاديا بالاستفادة بمواردها المائية بحجة أنّ مصر هي الدولة الأكثر استفادة من مياه النيل على مدار التاريخ، والزعم بأنّ الاتفاق الثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان يعتبر خروجا على الاتفاق الإطاري لدول حوض النيل الموقع في عنتيبي عام 2010.
وذكرت المصادر الأوروبية أنّ المسئولين الغربيين المطلعين على مجريات القضية عن كثب، وكذلك سفراء الدول في العواصم المعنية بالملف، “يدركون أنّ إثيوبيا تحاول استهلاك مزيد من الوقت، وأنها غير جادة في العودة للمفاوضات أو اللجوء لوساطة جديدة حاليا”.
وأوضحت في الوقت نفسه أنّ الجانب المصري “يراقب هذه التحركات على ضوء التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإثيوبي غيدو أندارغاشيو، أخيرا عن تحضير بلاده لحلّ”، وهو التصريح الذي جاء مفاجئًا ومغايرًا للهجة العلنية المتبعة منذ بداية الأزمة الأخيرة.
حشر السيسي في زاوية
وبحسب مراقبين، فإن إثيوبيا تلعب على حشر السيسي ونظامه في دائرة ضيقة، ترفض الرؤى المصرية، إذ إنه ليس من مصلحة مصر تفعيل أي وساطة أوروبية في هذا الملف؛ نظرًا لسابقة إفصاح العديد من العواصم الأوروبية عن وجهة نظرها المنحازة للإثيوبيين، بحجة توفير سبل التنمية العادلة لهم، فضلا عن سماح الدول الرئيسية بالاتحاد الأوروبي لمستثمريها بالمشاركة في إنشاء السدّ والمشروعات الخاصة به.
وكان نظام السيسي تهرب من محاولات ألمانية للوساطة في الملف عام 2017، بعدما تبيّن أنّ هناك اقتناعا في برلين بضرورة مراجعة مصر لسياستها المائية، وخفض إهدارها للمياه العذبة لتحقيق أفضل استفادة من حصتها من مياه النيل، الأمر الذي تنفيه القاهرة، وتقدّم بيانات تفيد بتحقيقها معدلات استفادة مرتفعة بنسبة 90%، فضلا عن تعظيم اعتمادها في السنوات الثلاث الأخيرة على إعادة تدوير المياه المستخدمة سلفاً.
وفي نوفمبر الماضي، قبل الدخول في المفاوضات الأمريكية خاطبت مصر كلا من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والصين، بضرورة وقف الخدمات المقدمة من شركات في هذه الدول في إطار بناء السد، لضمان التزام إثيوبيا والأطراف المتعاونة معها، بمبدأ عدم إحداث ضرر جسيم لمصر والعمل على التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح الأخيرة المائية، لكن أيا من تلك الدول لم تستجب للمطالبات المصرية.
وتنشط في مشروع سدّ النهضة شركة “جيچوبا” الصينية، وهي المسئولة عن الهيكل الصلب، وشركة “سينوهيدرو” الصينية كذلك، وهي المسئولة عن تجميع هياكل الصلب المستوردة وتكوين الوحدات الكهرومائية، وشركة “جي أو هيدرو فرانس” الفرنسية المسئولة عن توريد وتشغيل المولدات والتوربينات وهي بصدد تجميع أغلفة التوربينات استعدادا لبدء الإنتاج الكهربائي التجريبي العام المقبل في السدّ، فضلا عن مشاركة شركات إيطالية وألمانية في أعمال المقاولات والكهرباء.
أخطاء متتالية
فيما يذهب خبراء إلى أن مصر تدفع ثمن سلسلة من الأخطاء السياسية التي تعترف بها المصادر الدبلوماسية والحكومية في القاهرة، وعلى رأسها توقيع عبد الفتاح السيسي على اتفاق المبادئ في مارس 2015، الذي اعترف أولا بحقّ إثيوبيا في بناء السدّ، الأمر الذي لم تكن مصر قد بادرت به من قبل، وأقرّ ثانيا بحقها السيادي في إدارته، فيما لم يقرّر أي جزاء قانوني دولي عليها حال مخالفة الاتفاقات السابق توقيعها في إطار الإدارة المشتركة لمياه النيل، خاصة عامي 1902 و1993.
وجاء انقلاب إثيوبيا على المسار التفاوضي ومقاطعة جولة واشنطن نهاية شهر فبراير الماضي، في ظلّ دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر ضدّ آبي أحمد، وتداول شائعات على نطاق واسع في الشارع الإثيوبي وفي أوساط المعارضة في الخارج والمغتربين، تركز على أنّ آبي أحمد- المنتمي لقومية الأورومو- يقدّم مصالح مصر وأمريكا على المصالح الإثيوبية، ويعطل إنجاز مشروع السدّ. فيما الحقيقة هي أنه لولا الثورة الإدارية والأمنية التي قام بها آبي أحمد فور وصوله إلى السلطة، لما كان السدّ قد بلغ هذه المستويات المتقدمة من الإنشاءات، بعد إبطاء لسنوات عدة بسبب سوء الإدارة والفساد.
وكان رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلاميريام ديسالين، قد صرّح من الخرطوم، الشهر الماضي، برغبة إثيوبيا في تأجيل الاتفاق لفترة إضافية غير محددة، لحين تهدئة الأوضاع السياسية المتوترة في إثيوبيا، بسبب الاستعدادات للانتخابات التشريعية، والتي ستشهد المواجهة الأولى بين رئيس الوزراء آبي أحمد وحزبه “الرفاه/ الازدهار”، وبين قومية التجراي التي رفضت الانضمام للحزب ولا تزال حركاتها السياسية هي أبرز المعارضين على الساحة المحلية للتوصّل إلى اتفاق حول السدّ.
أيضًا وعلى مدى سنوات التفاوض، تخلى السيسي عن حقوق مصر في التقدم بشكوى دولية أو تصعيد قضائي كان كفيلا بوقف الدعم المالي والاستثمارات الدولية المتدفقة على إثيوبيا، بل ذهب السيسي كالنعامة ليتهم ثورة يناير بأنها هي السبب في أزمة سد النهضة.
يشار إلى أنه وقبل أيام، سرّبت إثيوبيا أنباء عن مقترحات أوروبية بأنه يمكن للسيسي إسكات إثيوبيا عبر تقديم دعم مالي كبير لها، كبديل عن الإبطاء في عملية ملء السد واستخراج الكهرباء، وهو ما يصب في اتجاه تسعير المياه وبيعها.
