بدأ المنتدى الاقتصادي العالمي أعماله في مدينة "دافوس" السويسرية الإثنين 19 يناير إلى الجمعة 23 من الشهر نفسه، حيث يلتقي عبد الفتاح السيسي نظيره الأمريكي دونالد ترامب، وذلك على هامش فعاليات منتدى دافوس، وفقا لما أعلنته كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض.
ومن المتوقع أن تتناول القمة المصرية الأمريكية عددا من الملفات المهمة على رأسها تطورات الأوضاع في غزة وقضية المياة وسد النهضة الإثيوبي.
وعلى إثر هذا اللقاء الذي عادة ما يذعن فيه السيسي للامريكان والصهاينة (كما في صفقة الغاز 35 مليار من الخزينة المصرية لصالح الصهاينة) حذر مراقبون من خطورة تحويل قضية النيل من مسألة وجودية إلى مجرد نزاع قابل للإدارة أو المساومة.
واعتبر المراقبون أن الأمن المائي المصري حق سيادي غير قابل للتفاوض أو المقايضة، وأن أي قبول بالمنطق الأمريكي يعني تقزيم القرار المصري.
واعتبر المراقبون أن قضية مياه النيل ترتبط بتشابكات خارجية (غزة، القرن الإفريقي، السعودية والإمارات وأوروبا، تركيا وقطر)، وإدخال أطراف أخرى يضعف الموقف المصري.
ودعا المراقبون إلى تحرك منظم وموقف مصري صلب، سواء عبر رفض المقايضات أو عبر خطة عمل دبلوماسية منهجية تستفيد من التجارب الدولية.
خسائر من "ري" الانقلاب
ومن جانبه، اعترف وزير ري الانقلاب هاني سويلم بالخسائر التي تكبدتها مصر بسبب سد النهضة وتتعلق برأيه بسبب "إجراءات ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي" ومنها:
فقدان 38 مليار متر مكعب من حصة مصر السنوية من مياه النيل، مما أدى إلى خسائر كبيرة في الموارد المائية.
إلا أنه عبر عن قبول المساومة عندما أعلن أن "مصر تحتفظ بحقها في المطالبة بتعويضات مستقبلية بسبب الأضرار التي لحقت بالمصبين المصري والسوداني"!
الكاتب والأكاديمي مأمون فندي كتب عبر إكس "خطاب ترمب للسيسي ليس كمينا بل اختبار كفاءة: تصوري للتعامل مع هذا التحدي " وأوضح @mamoun1234
أن خطاب ترمب إلى السيسي بشأن سد النهضة ليس حلًا، بل اختبار لكفاءة الدبلوماسية المصرية، والنتيجة تتوقف على تحويله إلى فعل سياسي منظم أو تركه مجرد وثيقة في الأرشيف.
وانتقد العقلية التي ترى في كل مبادرة خارجية "كمينًا"، معتبرًا أن هذا التفكير الحذر أضاع فرصًا تاريخية، مؤكدًا أن الحقوق تُستعاد بالعمل القانوني والسياسي كما حدث في قضية طابا.
واقترح فندي إعادة تأطير القضية باعتبارها ملفًا دوليًا لإدارة الأنهار العابرة للحدود، مع الاستفادة من نماذج مقارنة مثل اتفاق نهر السند (ملزم رغم الحروب)، ونهر لا بلاتا (إدارة جماعية)، مقابل تجربة الفرات التي عانت من غياب الإلزام.
ودعا (الكاتب بالشرق الأوسط اللندنية) إلى بناء كتلة إفريقية واقعية قائمة على الأمن الغذائي والاستقرار، وربط الملف بالعلاقات الأوروبية مع إثيوبيا، خصوصًا عبر إيطاليا، لتحويل السد إلى عنصر سياسي في الشراكة الدولية.
وإقليميًا، اقترح تنسيق أدوات ضغط هادئة مع السعودية وتركيا وقطر لرفع كلفة التعنّت الإثيوبي دون عسكرة النزاع.
في واشنطن، يرى أن الخطاب يجب أن يركز على الهجرة والأمن الغذائي وعدم الاستقرار بدلًا من الاكتفاء بلغة القانون، وصولًا إلى صفقة دولية تضمن التنمية لإثيوبيا مقابل تشغيل ملزم وقابل للتحقق.
يطرح نموذجًا هجينًا لإدارة حوض النيل يجمع بين الإلزام القانوني (السند)، والمنافع المشتركة (لا بلاتا)، والخطاب البيئي العالمي (الأمازون).
يؤكد أن نجاح هذا المسار يتطلب تجميع أفضل الكفاءات وإيفاد فريق عمل مقيم في واشنطن، مشددًا أن خطاب ترمب فتح الباب، لكن الطريقة التي تدخل بها مصر هي التي ستحدد النتائج.
ليست وساطة أو طمأنة
وحذر الكاتب والباحث سيد مشرف Sayed Meshref من أن الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي ترامب إلى السيسي بشأن سد النهضة ليست وساطة أو طمأنة، بل محاولة لإعادة تعريف الدور المصري وحدود تحركه.
ووصف الرسالة، أنها فرّغت القضية من مضمونها القانوني والوجودي، وحوّلتها من مسألة حياة أو موت إلى نزاع قابل للإدارة والمساومة.
أشار إلى أن التحذير من الصدام العسكري ليس نصيحة، بل قيد سياسي يقيّد أي تحرك مصري مستقل، ويُصوّر الدفاع عن الأمن المائي كخروج على "الإجماع الدولي" الذي ترسمه واشنطن.
الأخطر، وفق تحليله، هو ربط ملف سد النهضة بملفات أخرى مثل غزة والقرن الإفريقي، وزجّ أطراف إقليمية (السعودية والإمارات) لتقزيم القرار المصري وتخفيف الضغط عن إثيوبيا.
شدّد على أن مياه النيل ليست ملف تفاوض ولا خلاف دبلوماسي، بل شريان حياة، والتعامل معها بمنطق الضبط الأمريكي يعني مطالبة مصر بالتخلي عن حقها في الوجود.
واعتبر أن الرسالة الأمريكية أوضحت أن مصر يمكنها التحرك فقط في إطار تفاوضي دون حسم، والدفاع عن أمنها دون استقلالية القرار.
خلص الكاتب إلى أن المطلوب ليس الصدام، بل رفض تحويل الأمن المائي المصري إلى ورقة تفاوض وظيفية، والتأكيد أن النيل خط أحمر لا يُدار بالمقايضات الإقليمية.
وختم بالدعوة إلى موقف مصري أكثر صلابة، منتقدًا التوقيع على الاتفاق الإطاري الذي اعتبره سببًا في أزمات لم تظهر آثارها كاملة بعد.
الطمع في ثروات مصر
واعتبر الاعلامي مصطفى عاشور المذيع بقناة (الجزيرة مباشر) أن القضية مرتبطة بثروات مصر متسائلا عن توقيت الرسالة الأمريكية لمصر بشأن سد النهضة، في ظل انشغال العالم بملفات أخرى مثل فنزويلا وإيران وأوكرانيا والشأن الداخلي الأمريكي.
وأضاف أن القضية ليست حرصًا على مصر أو شعبها، بل مرتبطة بما تمتلكه مصر من قناة السويس وتحركاتها الإقليمية، خصوصًا في الصومال والسودان وليبيا، والتوجه نحو تحالف تركي–مصري–سعودي–باكستاني.
واعتبر الرسالة بمثابة تحذير لمصر بأن أي تحركات لتغيير المخطط الأمريكي–الإسرائيلي في المنطقة مرفوضة وتحت المراقبة، وأن واشنطن تملك أوراق ضغط على القاهرة.
وأشار إلى أن الحديث عن سد النهضة الآن لا يرتبط بتطورات فنية أو طبيعية (كوقت الفيضان أو حجم البحيرة)، بل هو رسالة سياسية ناعمة بلهجة شديدة معناها: "نحن نراقبكم، ولدينا ما يقلقكم، ولنا عندكم ما يلزمنا".
وخلص إلى أن الرسالة الأمريكية ليست عن السد بحد ذاته، بل عن السيطرة على القرار المصري وتحجيم تحركاته الإقليمية، فيما يُستخدم ملف النيل كأداة ضغط إضافية.
مسئولية 25 يناير
وباعتبار شهر يناير عادة ما يتهم الانقلاب وزعيمه السيسي وأذرعه الإعلامية الثورة (25 يناير2011) بالمسئولية عن بناء سد النهضة وجمعت منصة "متصدقش" بعضا من أباطيل هذا الادعاء الذي ردده أخيرا أحمد موسى ومحمد الباز.
وتوصلت المنصة إلى أن مسئولية ثورة 25 يناير عن بناء سد النهضة سردية غير صحيحة، رُوّج لها إعلاميًا أكثر من مرة، بينما الحقائق والوثائق تؤكد أن المشروع كان قائمًا ومخططًا له منذ سنوات طويلة قبل الثورة، وأن مصر تعاملت معه بالفعل في عهد مبارك.
2001 – أعلنت إثيوبيا نيتها إقامة سدود على الأنهار الدولية داخل أراضيها، وكان سد النهضة ضمن خططها الاستراتيجية. .
2009 – بدأت مصر رسميًا دراسة تأثيرات سد النهضة على حصتها من مياه النيل، وشكلت لجنة من وزارات الدفاع والخارجية والداخلية والري والكهرباء. .
– 2010 (قبل الثورة بعام) أنهت إثيوبيا خطتها وشرعت في التنفيذ، بينما اتخذت مصر عدة إجراءات للتعامل مع الأزمة في عهد الأسبق حسني مبارك. .
– في أغسطس 2010، أنهت أديس أبابا عملية مسح موقع سد النهضة. .
– في نوفمبر 2010، انتهت من التصميم وأعلنت اعتزامها التنفيذ في 2011. .
– وقّعت إثيوبيا اتفاقية عنتيبي مع خمس دول من حوض النيل، لتنهي الحصص التاريخية لمصر والسودان وفق اتفاقيتي 1929 و1959. .
– بحسب وثائق ويكيليكس (2013)، طلب مبارك من السودان إنشاء قاعدة عسكرية للقوات الخاصة المصرية إذا أصرت إثيوبيا على المضي في بناء السد. .
2011 – بدأت إثيوبيا التنفيذ كما كان مقررًا، دون أن يكون لثورة 25 يناير أي علاقة بالأمر. .
