يواجه نظام الانقلاب الدموى بقيادة عبدالفتاح السيسي موجة انتقادات دولية عنيفة؛ احتجاجا على تصاعد انتهاكاته لحقوق الإنسان، ومواصلة القمع والكبت والاعتقالات والإخفاء القسرى والتصفيات الجسدية وغيرها من الجرائم فى حق المصريين والمعارضين السلميين.
موجة الانتقادات تتزعمها منظمات حقوقية دولية، منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ومراسلون بلا حدود ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بجانب الكونجرس الأمريكى والبرلمانات الأوربية، وانضمت للرافضين لانتهاكات الانقلاب، الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة الديمقراطى جو بايدن، وكذلك ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول.
كانت فرنسا قد انتقدت احتجاز سلطات العسكر حقوقيا بتهمة "الانضمام لجماعة إرهابية" ونشر "أخبار كاذبة"، وأعربت وزارة الخارجية الفرنسية فى بيان لها عن قلقها "العميق" تجاه إلقاء القبض على مدير "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" محمد بشير.
وقالت الخارجية الفرنسية، فى بيان نشرته عبر حسابها بموقع التواصل الاجتماعى "تويتر"، إن فرنسا تقيم حوارا صريحا ومتطلبا مع دولة العسكر حول مسألة حقوق الإنسان، بما في ذلك القضايا الفردية، وتعتزم مواصلة الحوار. وشددت على التزامها بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم.
فى المقابل زعم سامح شكري وزير خارجية السيسي، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الفرنسي "جان إيف لودريان"، أنه ليس هناك حجز تعسفي في دولة العسكر، ولكن احتجاز قانوني بقرارات من النيابة والسلطات القضائية وفق تعبيره.
 
تحالف حرية الإعلام
وأعربت المجموعة التنفيذية لتحالف حرية الإعلام عن قلقها من استمرار القيود على حرية الإعلام في دولة العسكر. وقال بيان صادر عن المجموعة التنفيذية للتحالف موقع من 5 دول هي، كندا وألمانيا ولاتفيا وهولندا والمملكة المتحدة، وتم نشره على موقع الحكومتين الكندية والبريطانية، إنهم قلقون من استمرار القيود المفروضة على حرية الإعلام في دولة العسكر، بما في ذلك الاعتقال والترهيب. وحث التحالف سلطات العسكر على السماح للصحفيين بممارسة مهنتهم دون خشية تعرضهم للاعتقال أو الانتقام.
يشار إلى أن "تحالف حرية الإعلام" عبارة عن شراكة بين أكثر من 30 دولة بينها عدد من الدول الأوربية وكذلك بريطانيا والولايات المتحدة وكندا. وجاء إطلاق بيان التحالف بشأن حرية الإعلام في مصر مع انطلاق المؤتمر العالمي الثاني لحرية الإعلام الذي استضافته كندا وبوتسوانا افتراضياً، في ظل الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا.
وكانت دول التحالف تعاهدت، خلال مؤتمرها الأول الذي استضافته المملكة المتحدة في يوليو من العام الماضي 2019، على صون حرية الإعلام والتزام كل منها العمل على تعزيز هذه الحرية والحفاظ على سلامة الصحفيين.
وطالب البيان الختامي للاجتماع الوزاري الصادر عن المؤتمر العالمي الثاني لحرية الإعلام الذي استضافته كندا وبوتسوانا الدول الأعضاء بـ”العمل على توفير مزيد من الحماية للصحفيين بما في ذلك الفضاء الرقمي، وإنهاء الإفلات من العقاب ليتمكن الصحفيون حول العالم من القيام بمهامهم بحرية.
وندد بالاعتداءات على الصحفيين مشددا على أن حرية التعبير ضمانة أساسية لحقوق الإنسان، وأن الإعلام حجر أساس للديمقراطية، ولا يمكن للرأي العام أن يقوم بمحاسبة السياسيين أو لعب دور رقابي من دون إعلام حر ومستقل. وأثار البيان المخاوف من تراجع الحريات الإعلامية في ظل الأنظمة الديكتاتورية، واستخدام الأدوات الرقمية التي تحد من حرية التعبير، وانعكاس ذلك عبر القوانين العقابية والرقابية والممارسات القمعية ضد الصحفيين التي تعوق تداول المعلومات في الفضاء الرقمي.
مؤسسات مستقلة
وقال الدكتور جمال حشمت، البرلماني السابق، إن هناك مؤسسات دولية ومحلية معنية بمتابعة حقوق الإنسان لها استقلالية، مشيرا إلى أن هناك مؤسسات فى فرنسا تتابع أحوال حقوق الإنسان بالبلاد المشبوهة حقوقيا، ولا علاقة لها بماكرون وسفهه.
وكشف حشمت فى تصريحات صحفية، أن السبب الرئيسي لاعتقال بشير هو الاجتماع بدبلوماسيين من ١٥ سفارة بمقر المركز، وهذا ما يرعب نظام الانقلاب بخروج تقارير من الداخل تدعم التعديات والخروقات بملف حقوق الإنسان وبشكل رسمي من ١٥ دولة أجنبية، ما أثار غضب العسكر. وأضاف: يبدو أن منهم دبلوماسيين من السفارة الفرنسية، وكان المتوقع أن تعترض 15 وزارة خارجية أجنبية وليس فرنسا فقط على هذا التعسف والاعتقال الأهوج الذي تمارسه سلطات الانقلاب.
 
ضغوط دولية
وأكدت هبة حسن مديرة "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" أن الموقف الفرنسي الأخير لا يعتبر الصدام الأول مع نظام العسكر بملف حقوق الإنسان، مشيرة إلى أنه سبقه موقف مماثل تعليقا على ما يتعرض له المدافعون عن حقوق الإنسان والنشطاء بمصر من انتهاكات، واعتقالات، ومنع من النشاط والسفر.
وقالت "هبة" فى تصريحات صحفية إن قول ماكرون أثناء زيارته القاهرة في يناير ٢٠١٩، إن الاستقرار والأمن مرتبطان باحترام حقوق الإنسان، دفع السيسي للرد عليه، وزعم أن عدم تفهم فارق الوضع بين مصر والغرب، ومحاربة الإرهاب هو واقع مختلف لا يسمح بالقياس على حقوق الإنسان بأوروبا وأمريكا.
وأضافت: يبدو أن ملف المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء ومفهوم المجتمع المدني لدى فرنسا مع ضغط المنظمات الدولية على ماكرون، تغير عن موقفه الذي أعلنه بالعام ٢٠١٧، حين تجاهل ما أثير حينها حول ملف حقوق الإنسان. ولفتت مديرة "التنسيقية" إلى أن تصريح ماكرون حينها بأن فرنسا ليس من دورها توجيه دروس لمصر بحقوق الإنسان، عرضه لانتقادات شديدة موضحة أن موقفه في ٢٠١٩ جاء مصححا، ومعتبرا أن تزايد وتيرة الانتهاكات ضد النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان بعد ٢٠١٧، لا يمكن الصمت عنه، ووصفه بالأسوأ من أوضاع عهد مبارك. وشددت على أن الانتقادات الفرنسية تظل تصريحات مجردة تحافظ بها فرنسا على واجهتها وشعاراتها دون فعل حقيقي وضاغط لوقف تداعيات الوضع الحقوقي فى دولة العسكر، ومنع استمرار نظام الانقلاب من غلق كل متنفس للمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، فضلا عن المجتمع نفسه للتعبير والدفاع عن حقوقه.

Facebook Comments