أطلقت المحامية نسمة الخطيب عبر حسابها الإلكتروني فرضية نسوية تطالب بوضع غطاء تشريعي، وحماية قانونية وصحية واجتماعية لممتهنات البغاء، متذرعة بأن "المهنة موجودة بالفعل" وتستوجب الفحص الطبي الدوري للحد من الأمراض المنقولة جنسياً.
وهذا التباين التشريعي يبرهن على انتكاسة معرفية داخل البيئة الإسلامية، حيث يجري تمييع المصطلحات القديمة وتخفيف بشاعتها، فتحول "الزنا والبغاء" إلى "جنس تجاري"، وجرى الترويج لمفهوم "الأمهات العازبات" للإيحاء بإمكانية ومشروعية الولادة خارج إطار مؤسسة الزواج الشرعي باسم الحرية الشخصية والتراضي
الجنائي، وباسم "المؤثرات" اللاتي ينشرن الفحش في المجتمع حتى يطالب أصحابه بحقوقهم باسم الديمقراطية واحترام رأي الأقلية.
الفضاء الرقمي
وحاول مرتادو منصات التواصل الاجتماعي من المغردين والحقوقيين تعرية هذه الهجمة الأخلاقية؛ حيث كتب عبد الله فيصل آل ربح عبر معرفه الإلكتروني @AbdullahAlrebh في مجلة "المجلة" كاشفاً عن أزمة الخلافة والهوية والانتقائية الفكرية، بينما تعجب المغرد أحمد عبر معرفه @SaidAsaadSaid قائلاً إننا وصلنا لزمان البجاحة والمجاهرة بالرذيلة، ومستنكراً أن تخرج امرأة مصرية عربية تطالب بالتقنين والرعاية الصحية لهن:
https://x.com/SaidAsaadSaid/status/2066273324108320936
وانتقد الحساب الحقوقي أحمد الكفافي عبر @a_kafafy السفلة الذين يبررون الزنا بالظروف الاقتصادية والاجتماعية ويطالبون المجتمع بالتطبيع مع الخطيئة كأمر واقع، في حين أشار المغرد منصور عبر @mansour17367847 إلى أن الرغبة في التقنين تنبع من رغبة بعض الأطراف الفاسدة في مشاركة المومسات في الأموال والعوائد المحرمة.
من جانب آخر، شن المغرد محمد عبر @Don__47 هجوماً ضارياً على المنظومة النسوية، مؤكداً أنهن يدافعن عن أصنامهن ورموزهن مثل "دعاء بارون" ولا يتجرأن على نقد دعوات تقنين الدعارة لأن المتهم هنا امرأة وليس رجلاً، واصفاً إياهن بـ "نواشز الفقه النسوي".
وعبر الحساب @Taherahmed8850 عن دهشته من المفارقة بين من يتركون الخمر والنساء ليعتنقوا الإسلام، وبين محامية مسلمة تطالب بنشر الفسق في بلد الأزهر دون محاسبة.
https://x.com/Taherahmed8850/status/2066030951298134094
وحذر حساب @GenZ002_eg من تحول مناطق حيوية مثل أسفل كوبري 6 أكتوبر إلى بؤر للدعارة والمخدرات بسبب الفوضى والإهمال الحكومي.
https://x.com/GenZ002_eg/status/2065876127986417758
بينما أكد الخبير القانوني محمد عبد الرحمن عبر @MuhammadEins أن القوانين المصرية والمواثيق الدولية تجرم كافة أشكال الاتجار بالبشر بما فيها الجنس مقابل المال ومؤجري المهابل، وأن الدعوة لها تقع تحت طائلة قانون جرائم المعلومات وتستوجب العقاب الجنائي لكونها تحريضاً علنياً.
https://x.com/MuhammadEins/status/2065580029757571286
وفي إطار رصد مظاهر الفساد، دون الحساب @wasekballah مستنكراً تحول مدينة العلمين الجديدة التي دُفعت فيها المليارات من قوت الشعب إلى ماخور مجهز بنوادي ليلية وغرف نوم للدعارة بأسعار باهظة (5 آلاف مقابل الليلة) تحت رعاية سياسية وفشل إداري.
https://x.com/wasekballah/status/2066114077026328808
بينما تهكم المهندس الاستشاري عبر @jan_revolt ناشراً من صفحة المحامية نسمة قوله: إن "اسمها أصبح الآن الجنس التجاري متهكماً على هذا التقدم".
https://x.com/jan_revolt/status/2065103368817631418
وعلى نقيض ذلك، حاولت بعض الأصوات تبرير الأزمة وتخفيف وطأتها، حيث دافعت الناشطة هدير شلبي عبر معرفها @hadirshalaby عن هؤلاء النساء معتبرة إياهن ضحايا للنظام السياسي والاقتصادي والفقر الذي دفعهن لبيع أجسادهن لعدم توفر فرصة عمل شريفة.
https://x.com/hadirshalaby/status/2066206273595412868
وساندت المغردة نيفين المحامية عبر @NeveinF زاعمة أنها لم تنشر الرذيلة بل توضح حكم القانون الحالي الذي يشترط الاعتياد والتقاضي المالي لتوصيف الجريمة، ودعا يوسف عبر معرفه @yussefya إلى فتح باب مناقشة الفكرة من منظور مجتمعي يربط الظاهرة بملف الفقر
https://x.com/yussefya/status/2065800349705818294
في حين أكد حساب @TehreekEtazaal على التحرك الرسمي الصارم ونبض الغضب الشعبي العارم الذي قاد نقابة المحامين لإحالة نسمة الخطيب للتحقيق العاجل بمقرها في شارع رمسيس تمهيداً للمحاكمة التأديبية بتهمة التحريض على نشر الفسق وهدم القيم الأخلاقية التي يجرمها القانون رقم 10 لسنة 1961 م.
غياب المصلحين
ويربط المحللون والحقوقيون هذا الانهيار القيمي المتسارع بالغياب الممنهج وتهميش المصلحين والعلماء في المجتمع؛ إذ يعبر المدونون عبر الفضاء الرقمي عن هذه المأساة بمرارة، مشيرين إلى أنه حين غُيبت الحركات الإصلاحية أُخليت الساحة تماماً لتخرج الأصوات المطالبة بتقنين الفجور علناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويعيد التاريخ الاجتماعي للأذهان الموقف الصارم للرموز الإصلاحية في القرن الماضي؛ ففي عام 1942 م، حين قرر الإخوان المسلمون خوض الانتخابات البرلمانية وعلى رأسهم الإمام حسن البنا، وتدخل الاحتلال البريطاني عبر الضغط على رئيس الوزراء النحاس باشا لإثنائهم عن الترشح في فندق "مينا هاوس"، اشترط الإمام البنا التنازل مقابل مطلب رئيسي واحد وعاجل وهو: إلغاء البغاء وغلق بيوت الدعارة الرسمية وتجريمها، بعد أن كانت تتم بموجب تصاريح معتمدة من وزارتي الداخلية والصحة، معلناً أنهم لا يسعون لتولي المناصب بل لخدمة الدين وحماية المجتمع.
وهذا التباين التاريخي يوضح كيف كان وجود المصلحين صمام أمان لحماية الطهارة المجتمعية، بينما أدى غيابهم في عام 2026 م إلى تجرؤ "نواشز الفقه النسوي" على الثوابت العقدية دون محاسبة رادعة.
النظرة للمرأة في باريس
وتكشف القراءة المقارنة للأنظمة التشريعية المعاصرة عن مفارقة كونية تثير الذهول؛ ففي الوقت الذي تتجه فيه المجتمعات الغربية نحو التضييق على البغاء وحماية المجتمع من آثاره المدمرة، يخرج في بلادنا الإسلامية من يطالب بتقنين هذا الفحش.
ففي باريس، ووفقاً للتقارير المنشورة في ديسمبر 2025 م، أثار اليمين المتطرف الفرنسي بقيادة النائب جان-فيليب تانجي، وبدعم من جوردان بارديلا ومارين لوبان، جدلاً واسعاً بمقترح لإعادة فتح بيوت الدعارة المغلقة منذ عام 1946 م تحت لافتة "نظام تعاوني أمني" لحماية العاملات من بطش القوادين، مبررين ذلك بأن قانون عام 2016 م الذي جرم الزبائن دفع بالمهنة إلى السرية المظلمة.
ورغم هذا المسعى اليميني، يواجه المقترح معارضة شرسة من اليسار والرأي العام الفرنسي المصر على سياسة إنهاء الدعارة كلياً ومكافحة استغلال الأجساد.
وفي المقابل، تنزلق الأوساط الثقافية والقانونية في مصر بلد الأزهر الشريف نحو شرعنة الرذيلة باسم الديمقراطية وحقوق الأقليات.
ويفضح الخطاب الداعي لتقنين الرذيلة النظرة الدونية العميقة للمرأة في الفكر الرأسمالي والنسوي المعاصر، حيث يجري التعامل مع الأنثى كسلعة مادية تباع وتشترى، وتتحول ميزاتها الإنسانية إلى أدوات للمتعة ومصدر لجمع المال والضرائب.
ويرتكز هذا الفكر التميعي على تبرير الانحراف بوجود أزمات اقتصادية واجتماعية، واعتبار الفرج مجرد مساحة استثمارية تخضع لعقود العرض والطلب.
وهذا الطرح وفق مراقبين، يرسخ لنموذج مهين يُسقط الكرامة الآدمية عن المرأة، ويشرعن استغلال حاجة الفقيرات والمهمشات لدفع بؤس الفقر عبر بيع أجسادهن، بدلاً من توفير بيئة اقتصادية شريفة تضمن لهن الحياة الكريمة والعمل المستقر، وهو ما يعكس تواطؤاً نسوياً خبيثاً يحمي المنظومة الفاسدة ويهدر كرامة الضحايا بدعوى الحماية الصحية والاجتماعية.