على الدوام تظل القدس هي المحور الأساسي في القضية الفلسطينية، هذه القضية التي لا تزال حتى اليوم تمثل المعيار الأصيل لمدى ولاء النظم والحركات والأشخاص لله ثم للأوطان، لا يكون ولاؤهم تاما ودينهم خالصا وانتماءهم للوطن حقيقيا إلا بمقدار ما يناضلون من أجل حقوق هذا الشعب المظلوم الذي يجري التنكيل به على مدار 8 عقود تحت ظل احتلال (صهيوني) اجتثاثي لا يشبهه سوى احتلال البيض للأمريكيتين قبل خمسة قرورن واجتثاث السكان الأصليين من الوجود وهي الحرب الهمجية التي راح ضحيتها نحو 100 مليون إنسان من أجل أن يبقى البيض الأوربيين سادة على أمريكا في يدهم مدفع وفي الأخرى صليب.
واليوم يستكمل الاحتلال الإسرائيلي مؤامراته من أجل اجتثاث من تبقوا من شعب فلسطين؛ فاعتداءات الصهاينة تتواصل والنظم العربية تتوطأ، بعضهم وصل إلى مراحل غير مسبوقة في الخيانة والتطبيع مع العدو كالإمارات ومصر والأردن والسعودية والسودان وحتى السلطة الفلسطينية التي باتت حارسا لحماية الاحتلال وعينا له على المقاومة تتلقى المكافآت الضخمة مقابل هذه الخيانة الكبيرة.
الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على المصليين في المسجد الأقصى ثم محاولات التهجير القسري لسكان حي الشيخ جراح الفلسطيني بالقدس المحتلة تتزامن مع الذكرى الثالثة السبعين لذكرى النكبة وإعلان قيام دولة الاحتلال بعدما ارتكبت العصابات الصهيونية عشرات المذابح بحق الفلسطينيين.
وبحسب الكاتب والباحث حسام كنفاني في مقاله "القدس وفرصة الانتفاضة" المنشور بصحيفة "العربي الجديد" اللندنية، فإن «هبّة القدس اليوم في وجه الاحتلال تمثل فرصة لإعادة توجيه البوصلة إلى واقع الاحتلال، وهو ما يحتاجه الفلسطينيون بشدّة اليوم، شعبياً ورسمياً، ولا بد من توظيفه لتسليط الضوء على ممارسات الاحتلال، ليس في القدس وحدها، بل في مجمل الأراضي الفلسطينية، واسترجاع الاهتمام العربي والدولي بالقضية. الأمر الذي بدأنا نشهده على المستوى الشعبي، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما لا يجب أن يكون موسمياً على غرار حملات الدعم التي تشهدها قضايا كثيرة، ثم ما تلبث أن تختفي بعد فترة وجيزة. الشيء نفسه يحصل على المستوى الرسمي، الغربي بشكل خاص، إذ بدأنا نقرأ إدانات وانتقادات، أوروبية بالأساس، لمحاولات إسرائيل تهجير أبناء حي الشيخ جرّاح، وهو ما غاب كلياً خلال السنوات الماضية، وخصوصاً في فترة حكم دونالد ترامب، حين بدا أن القضية الفلسطينية أسقطت كلياً من الأجندة الدولية».
أما السلطة الفلسطينية فعليها اليوم مراجعة مسارها كله فإن أسلو لم تأت إلا بالعار والخيانة وتمكنين الاحتلال مما تبقى من أرض فلسطين وحولت حركة فتح التي كانت تمثل العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية خلال منتصف القرن العشرين إلى حفنة من الجواسيس الذين يتقاضون مرتبات ضخمة مقابل حماية الاحتلال، لم تحقق أسلو للفلسطينيين الدولة التي كانوا يحلمون بها، ولم يبق منها سوى التنسيق الأمني بمعناه النجس فتحولت مؤسسات السلطة إلى عيون وجواسيس للاحتلال على حساب شعبيهم ووطنهم. من دواعي الأسف أنهم باعوا شعبهم ووطنهم وشرفهم بثمن بخس دراهم معدودات وكانوا فيه من الزاهدين.

لماذا أشعل نتنياهو المواجهة في القدس؟
في المقابل، اعتبر إلداد ينيف، مستشار رئيس الوزراء السابق إيهود باراك، أن نتنياهو من خلال التصعيد في القدس، وتحديداً ضد المسجد الأقصى، يحاول "تخريب" الجهود الهادفة إلى تشكيل حكومة "التغيير وهو مستعد في سبيل ذلك لإشعال الدولة". وفي تغريدة على حسابه على "تويتر"، أوضح ينيف أن الشرطة التي تخضع لتعليمات وزير الأمن الداخلي الليكودي المقرب من نتنياهو أمير أوحانا "أشعلت حريقاً في المسجد الأقصى بعد أن أشعل بن غفير (زعيم الحركة الكهانية) حي الشيخ جراح".
وبحسب الباحث صالح النعيمي فقد حذر ينيف من أن ذروة الانفجار الذي يخطط له نتنياهو ستتم الأحد (9 مايو) عبر السماح لغلاة المتطرفين من أتباع الحركة الكهانية بتنظيم "مسيرة الأعلام" في البلدة القديمة من القدس المحتلة، داعياً معسكر "التغيير" إلى الإسراع في تشكيل الحكومة قبل أن يحقق نتنياهو مبتغاه. واتفق المعلق أمير أورن مع ينيف على أن مصلحة نتنياهو تقتضي أن تشتعل القدس حتى يتكرس واقع إسرائيلي داخلي يقلص من قدرة منافسه يئير لبيد على تشكيل حكومة بعد أن كلفه الرئيس بهذه المهمة قبل ثلاثة أيام.
وفي سلسلة تغريدات كتبها على حسابه على "تويتر"، دعا أورن قادة المعسكر المعارض لنتنياهو، والذي يطلق على نفسه "معسكر التغيير" إلى إصدار بيان واضح يدعو إلى التهدئة، محذراً من خطورة الوقوع في "الشرك" الذي نصبه لهم نتنياهو، الذي احتضن زعيم الحركة الكهانية إيتمار بن غفير، المعني بإشعال الأوضاع في القدس. وحث أورن حزب العمل وحركة "ميريتس" على المطالبة بالحصول على وزارة الأمن الداخلي حتى يقلصا دور الشرطة في إشعال الأوضاع، مطالباً بإعادة النظر في أوامر إطلاق النار المعمول بها حالياً.
أما شموئيل مئير، رجل الاستخبارات الإسرائيلي السابق فرأى أن عدم تحرك نتنياهو لمنع استفزازات المستوطنين اليهود المنظمة في القدس أسهمت في إشعال الأوضاع. وفي تغريدة على حسابه على "تويتر"، اعتبر مئير إقدام شرطة الاحتلال على اقتحام المصليات في قلب المسجد الأقصى الليلة الماضية تحولا خطيرا، مشدداً على أن التداعيات التي يمكن أن تسفر عن هذا الاقتحام يجب أن تشعر رئيس هيئة أركان الجيش أفيف كوخافي ورئيس جهاز المخابرات الداخلية نداف أرغمان بالقلق، على اعتبار أنها يمكن أن تفضي إلى مواجهة تخرج عن السيطرة.
ورأت كسينيا سفيتولوفا، العضو السابق في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أن الأحداث في القدس دليل على أن القضية الفلسطينية مازالت حية. وكتبت على حسابها على "تويتر" أنه من غير الحكمة ربط المواجهات في القدس بالأسباب المباشرة التي أدت إلى انفجارها، مشددة على أن بقاء الصراع مع الشعب الفلسطيني بلا حل سيظل دائماً السبب الذي يقود إلى مثل هذه المواجهات.
وحذرت سفيتولوفا، التي تعمل حالياً باحثة في "معهد دراسة السياسة الخارجية والإقليمية لإسرائيل" (ميتيفيم)، من ميل إسرائيل لتجاهل الصراع، محذرة من أن المواجهات في القدس ومظاهر ضعف السلطة الفلسطينية يجب أن تدفع إسرائيل لمغادرة حالة اللامبالاة إزاء القضية الفلسطينية. من ناحيته، رأى ألون بن دافيد، المعلق العسكري في قناة "13" الإسرائيلية أن المواجهات في القدس المحتلة تدل على أن القضية الفلسطينية مازالت حية.
وفي سياق متصل، قال طال لفرام، معلق الشؤون العسكرية في صحيفة "معاريف"، إن مواجهة شاملة بين حركة "حماس" وإسرائيل يمكن أن تندلع في أعقاب أحداث القدس. وفي تحليل نشرته الصحيفة، لفت لفرام إلى أن البيان الذي أصدره قائد الذراع العسكري لحركة "حماس" محمد الضيف والذي هدد فيه إسرائيل في حال أقدمت على طرد الفلسطينيين من حي الشيخ جراح، أعاد للأذهان الظروف التي سبقت الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في صيف 2014.
وعلى الرغم من تحميل معلقين كبار نتنياهو المسؤولية عن تفجر الأوضاع في القدس، إلا أن زعيم المعارضة يئير لبيد والمكلف بتشكيل الحكومة قد غرد داعماً إجراءات شرطة الاحتلال القمعية ضد الفلسطينيين في القدس.

Facebook Comments