الأحمق فقط من يظن أن قيس بن سعيد انقلب على جماعة الإخوان المسلمين، وذلك غير حقيقي فلا الإخوان يحكمون ولا لهم وزير واحد في الحكومة المُقالة ولا يمثلون في البرلمان إلا 26 نائبا، لقد انقلب أحمق قرطاج علي الدستور والديمقراطية وليس على الإخوان، أما ما يفمفم به إعلام الانقلاب بمصر فهو من مقولات الاسترزاق.
لم يصرح ساسة الغرب ولن يصرحوا علانية بأنهم ضد الديمقراطية التي تصل بالإسلاميين للحكم سواء في تونس أو بقية البلدان العربية، ولكن أفعالهم التي يمارسونها تقول إن "مصالحنا في بلدانكم لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود أنظمة ديكتاتورية، تعمل حسب برامجنا ومخططاتنا وليس حسب تطلعات شعوبكم".

انقلاب قرطاج
بعد انقلاب قيس بن سعيد الذي تم في تونس بتمويل إماراتي وتخطيط صهيوني وتوافق غربي، يبدو بالفعل أن هناك مسائل بدت اليوم تتضح، ليس فقط بشأن علاقات الغرب مع العرب والمسلمين؛ إنما بشأن علاقات الغرب بما يعرف بقيام ديمقراطية في بلد مسلم، ما حدث في تونس وقبلها مصر واليمن ثم تركيا يكشف بعمق مدى قناعة الغرب بحجب الديمقراطية عن العالم الإسلامي.
ما حدث في تونس وقبلها تركيا وما حدث قبل ذلك في الجزائر سنة 1992 وفي مصر عام 2013 بعد الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي، يبين أن مكمن الخوف الغربي هو في مستوى السؤال التالي: وماذا لو تمكن بلد مسلم من الاستفادة من التجربة الغربية دون أن يتعلمن ويفصل الدين عن الدولة؟، أليس هذا ما بدا واضحا من خلال الموقف الغربي غير الرافض للانقلاب في تونس؟.
اصطدم الغرب بالتجربة الديمقراطية الناجحة في تركيا، وساد شعور لدى الغربيين بأن ”أردوغان” تجاوز حدود التعامل مع الديمقراطية وأصبح بإمكانه أن يحولها على مسارها التغريبي؛ ليصنع منها أداة وفقط أداة لتنظيم التداول على الحكم من غير نقل محتواها الفكري والقيمي الذي يراهن الغرب عليه.
تلك الحقيقة تأكدت أكثر من مرة من خلال خوف زعماء أوربيين من أن تنشأ مرة أخرى دولة مسلمة في القارة الأوربية أو قريبة منها، لقد سجل على الرئيس الفرنسي ميتران أنه أسر لبعض مقربيه إبان حرب الإبادة على مسلمي البوسنة أنه لا مجال لظهور أندلس أخرى في أوروبا، مؤيدا بهذه الكيفية حملات الإبادة الجماعية التي كانت تُمارس آنذاك على المسلمين في هذا البلد.
لم يستطع الأوروبيون التخلص من تلك الخلفية التاريخية والشعور بالسعادة عندما يسقط حاكم في بلد مسلم من خلال الدبابة ولو كانت الديمقراطية هي التي أوصلته إلى الحكم، وما نموذج الرئيس الشهيد مرسي ببعيد، حيث أنهم تقبلوا بكل بساطة الإطاحة عسكريا به، وهو المنتخب بطريقة لا غبار عليها، بل إن بلدا مثل فرنسا سارعت لتعزيز الحكم العسكري الجديد بترسانة من الأسلحة بعد أسابيع فقط بعد الانقلاب.
ويدعي الغرب دائما أنه رسول الديمقراطية والمبشر بها في بلاد العرب قاطبة، ولطالما ضغط على دول بعينها من أجل ممارسة هذه الديمقراطية، ولكن من خلال تجارب حية أمامنا، نرى أنه بمجرد أن تتحقق ديمقراطية في بلد عربي ينقلب عليها الغرب ويدعم العسكر في الانقلاب على خيارات الشعوب. تُرى لماذا يدعو الغرب ويضغط على بعض الدول العربية من أجل تصدير ديمقراطيته لها، وحين يتحقق ذلك ينقلب على نفسه؟.

تحت الطاولة
حقوق الإنسان تُنتهك في كثير من الدول العربية وعلى المباشر، وتتناقل الفضائيات ما يندى له الجبين، من قتل على الهوية، وإعدامات ميدانية، وتعذيب في الأقبية الأمنية، وقصف بالطيران والأسلحة الكيماوية، ولم يتدخل الغرب حسب شعاراته المزعومة.
وفي أغلب الأحيان إن لم يعق مجلس الأمن والأمم المتحدة فإنه يندد باحتشام عبر وسائل الإعلام أو يعبر عن قلقه، لرفع الحرج عن نفسه أمام شعوبه فقط، وتحت الطاولة يمارس الدعم لأعداء حقوق الإنسان ومجرمي الحروب والمنتهكين لإنسانية الإنسان.
في مصر، بعد ثورة 25 يناير 2011 على نظام حسني مبارك، شهدت عدة مناسبات انتخابية اعترف العالم بنزاهتها وشفافيتها، وقد أدت هذه الديمقراطية التي أشاد بها الغرب إلى فوز الرئيس الشهيد محمد مرسي وتولى منصبه رسميا في 30 يونيو 2012، وكان بذلك أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر منذ العهد الفرعوني.
غير أن هذا لم يدم طويلا، وتدخل الغرب وبالتحالف مع بعض العرب، من أجل إسقاط هذه الديمقراطية الفتية والحكم المدني، فدعموا وزير الدفاع السفاح عبد الفتاح السيسي الذي انقلب على رئيسه وزجّ به في السجون حتى تم اغتياله في قاعة المحكمة.
لم يتحرك الغرب فهو من يقف وراء الانقلاب برمته، بل صار السيسي يستقبل في دول ديمقراطية تزعم أنها حامية حقوق الإنسان.
في حين أن الرئيس الشرعي المنقلب عليه، الشهيد محمد مرسي، حُكم عليه بالإعدام وقتل بالإهمال في ساحة المحكمة، هل من السذاجة تصديق الغرب الذي يطالب بالديمقراطية وهو يدعم الجنرالات كي ينقلبوا على الحكام المنتخبين ديمقراطيا؟.

Facebook Comments