منذ ثمانى سنوات سكنت الشماتةُ ديارنا كما سكنها الاستبداد والفقر والفساد، حدث هذا ساعة كرّسوا الانقسام المجتمعى وجعلوا الناس فريقين: معهم أو عليهم ولا ثالث لهما، ويومها أجازوا قتل وحرق وسرقة خصومهم، وغنوا للقاتل والحارق والسارق، وعلى من ينكر ما أقول فلينكر: «تسلم الأيادى»، و«احنا شعب وانتو شعب» وغيرها من الأعمال التى تحرِّض على التنكيل بمن طالبوا بالحرية والعيش بكرامة.

وإن نسى الناس وفنى الشهودُ فلن ينسى التاريخ تلك الأيام العصيبة التى أجلى فيها الجارُ جارَه عن مسكنه، أو أحرق سيارته، أو دمر محله وعيادته، ولن ينسى كذلك أم المحن «رابعة وأختها: النهضة» يوم رفض أتباع القتلة دفن الشهداء فى مقابر القرى، ويوم زغردت المرأة ووزعت «الشربات» حال وصول جثمان ابن جارتها من الميدان قائلة لها «فى داهية يا حبيبتى وعقبال ابنك الثانى»، ويوم طالب الإعلامى الراحل، الذى فجّر الشماتة من جديد، بالاحتفال بيوم فض «رابعة» عيدًا قوميًّا.

واليوم ينكرون على الضحية أن تبدى الشماتة، مجرد الشماتة، وهى قول دون الفعل، ونسوا أنهم قد فعلوها كثيرًا فوق القتل والهتك والمصادرة. لما مات السيد «محمد مهدى عاكف» فى سجنه، وكان فى عقده التاسع (89 سنة)، نشرت الصحيفة التى يتبعها المذيع الراحل خبرًا بعنوان: «الجنازة حارة والميت عاكف»، وقال أحدهم: «نفق مرسى» يوم استشهد الرجل النبيل. وهذا قليل من كثير نسمعه ونشاهده فى إعلامهم وعلى صفحاتهم، ولسان حالهم جميعًا يقول: عذّبوهم بالقول واجلدوهم بالكلام كما عذبتموهم بالسوط وقتلتموهم بالرصاص.

رأيت يومًا أستاذًا جامعيًّا جارًا لى يلتقط أرقام سيارة نقل جاءت لتنقل أغراض جارنا المشترك الحافظ لكتاب الله، والذى أُرغم على ترك بيته الذى عاش فيه نحوًا من ثلاثين سنة، ولم يُجْدِ العتاب مع الأكاديمى الجاسوس، غير أنه لم تمر سوى سنة واحدة حتى سمعنا خبر وفاة ابنته الوحيدة (طبيبة) فى مشهد عجيب؛ حيث ذهب لزيارتها ذات صباح، وما إن فتحت له الباب واحتضنته حتى سقطت على الأرض جثة هامدة. وقد شمتَ فيه من شمت، خصوصًا أنه يصلى خلف هذا الرجل المطارد ويعرف حقيقته، فلم أستطع منعهم من ذلك بعدما رأيت بنفسى خيانته وانخرام مروءته.

إن الذين ينكرون على الشامتين شماتتهم، ينكرون بشريتهم ويتناسون أن لهم قلوبًا وعاطفة، ويودون لو كانوا فى درجة دون الأنعام؛ إذ البهيمة تشكو إذا حُمِّلت ما لا تطيق، وينفطر قلبها على صغيرها إذا هُدد، وقد تقاتل صاحبها لأجله، فكيف بالإنسان الذى كرّمه الله على سائر خلقه وجعل له عقلًا وتمييزًا. وهؤلاء المطففون أغلبهم أعوان الظلمة وأتباعهم، السائرون فى ركابهم، المنتفعون ببقائهم، الذين صفقوا لهم وأعانوهم بشطر الكلمة فما فوقها، فمن الطبيعى أنهم يردون غيبة أحدهم إذا هلك، ويبررون ضلاله وتبجحه.

أما دين الله فليس فيه ما يمنع الشماتة فى الظالمين وأعوانهم، بل هناك من النصوص والأخبار ما يوجبها، فالمسلم ليس مطأطأ الرأس مَكبًّا لأذى الرائح والغادى، بل إنه عزيز النفس مرفوع الهامة قوى الحجة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن الواجب الذى يلزمه: أن يبيِّن للناس الحق، ويكشف لهم الزيف، ويحذرهم ممن قال الله فيهم (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا…) [آل عمران: 120]، وحيث لا يملك المسلم سوى الشماتة لغيظ ظالمه فهو أولى بها، منتظرًا قضاء الله فيه، وبها تبرد ناره ويُشفى صدره؛ إذ إنها الأكثر إيلامًا للمفترين (كلُّ المصائب قد تمرُّ على الفتى… فتهون غير شماتة الأعداء).

وعلى من ينكرونها أن ينكروا قول الله تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 45]، وأن ينكروا احتفاء النبى ﷺ بنجاة «موسى»، عليه السلام، وهلاك فرعون، وقد سنَّ فيه صيام يوم أو يومين فيما يُعرف بـ«يوم عاشوراء» شكرًا لله واعترافًا بفضله، وأن ينكروا على «أبى بكر»، رضوان الله عليه، سجوده ساعة علم بهلاك «مسيلمة»، وأن ينكروا على «الإمام الشعرواى» سجوده لهزيمة المجرم الطاغية، أو فرح «الإمام أحمد» لما علم بموت «ابن دؤاد» الذى تولى كبر فتنة خلق القرآن وأُوذى فيها «أحمد» وقد قال يومها: «ومن لا يفرح بهذا؟»، وإذا كان العلماء يجيزون الدعاء على الظالمين ألا تجوز الشماتة عند هلاكهم؟

ولا أُخفى أننى فرحتُ أشد الفرح فيمن أطلق جملة «جهاد النكاح»، ظلمًا وزورًا، يوم لُفقت له قضية اختلاس، ويوم فرّ هاربًا خارج البلاد، ويوم نشروا لابنته «فيديو» إباحيًّا، ويوم حُكم على ابنه البكر فى قضية سرقة بالإكراه، ويوم انتحر ابنه الصغير إثر ممارسته لعبة «الحوت الأزرق»، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدًا…

شمتُّ فى هذا الرجل وأفرح لمصائب من على شاكلته من المدلسين الذين والوا الطغاة وأعطوا ظهورهم للإنسانية، ومن سعوا إلى زرع الفتنة والوقيعة بين الناس، وفرحتى الأكبر عندما يكتوى هؤلاء الإمعات بنار الظالم، أو عندما يُشيَّعون فلا يشفع لهم فى الموت من تحدثوا بلسانه وباعوا لآخرتهم لأجله…

أفرح عندما أتذكر كبرهم ورعونتهم وجفاءهم وأدرك كم كانوا أغبياء، وأفرح لتحقق موعود الله فيهم، وهو -سبحانه- من جعل الأيام دولًا، وهذا ما لا يفهمه هؤلاء النتنى؛ (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 140]، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7، 8].

Facebook Comments