غادر الدنيا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي عن عمر ناهز 96 عاما، في رحلة قضاها بين ميادين العلم والدعوة والاجتهاد ليصبح “علّامة عصره” في علوم الإسلام و”داعية الوسطية” في الدعوة إليه، وسبقه في الرحيل أخوه في الدعوة والجهاد الشيخ العلّامة محمد الغزالي.

يقول الإمام الغزالي عن القرضاوي " القرضاوي من أئمة العصر، لقد سبق سبقا بعيدا، الشيخ يوسف كان تلميذي، أما الآن فأنا تلميذه" وتوفي الشيخ يوسف القرضاوي في العاصمة القطرية الدوحة ظهر الإثنين 26 سبتمبر 2022 بعد معاناة طويلة مع مرض عضال ألزمه الفراش، ومنعه عن كثير من الأنشطة العلمية والدعوية.

 

بصمات الشيخين 

ظهر نبوغ القرضاوي مبكرا وتجلى تأثيره الكبير في مشاريعه العلمية والمؤسسية التي تركت بصمات واضحة في الحياة المعاصرة، وجعلت منه اسما يشار إليه بالبنان في العالم الإسلامي.

وكان الشيخ الغزالي كلما ذكر الشيخ يوسف القرضاوي -رحمها الله- يذكره باعتزاز شديد، ويقول إنني "أعتبره الضابط الذي يضبط لي اندفاعاتي، فأنا مثل محمد عبده في اندفاعاته أو السيد الأفغاني، وهو مثل رشيد رضا يميل إلى التأصيل فيما يأخذ ويترك؛ ولذلك فإنه قادر على أن يُعبِّر عن كل ما أُعبِّر عنه دون أن يعطي فرصة لخصومه أن ينالوا منه، أما أنا فما جُبلت عليه وأسلوبي وطريقتي في التعبير وقلة عنايتي بالتأصيل؛ تجعلني هدفا أسهل لخصومي".

وحين نُشر كتاب الشيخ الغزالي "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" وثارت حوله تلك الضجة التي أدت إلى تأليف ثمانية عشر كتابا في الرد عليه وتسجيل عدد كبير من الأشرطة في مناقشة الأفكار التي أوردها، وذكرت له أن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سوف ينشر كتاب الشيخ القرضاوي "كيف نتعامل مع السنة؟" فرح فرحا شديدا وأكد على التعجيل بنشر الكتاب، وقال إن "الشيخ يوسف سوف يعالج جميع الجراح التي فتحتها ولو بدون تنسيق بيننا، وسوف يتقبلون منه كل ما قلته دون أن يجترئوا على الرد عليه؛ لأنه سوف يقوم بالتأصيل لكل ما قلته، ويقوله بحيث لا يدع مجالا للخصوم أن ينالوا منه وقد كان".

وحين نُشر كتاب الشيخ القرضاوي «كيف نتعامل مع السنة؟» أحسن الناس استقباله وطُبع طبعات عديدة، وتقبل الناس الأفكار الواردة فيه، وجلها لا تختلف عن أفكار الشيخ الغزالي كثيرا، لكنها كما يقول الأقدمون أوتي الشيخ يوسف السعادة في كتبه والقدرة على عرض ما يريد بأساليب مختلفة؛ يهش لها الدعاة ويتقبلها الفقهاء، ويهتم بها ويتبناها المفكرون، ويستفيد بها الطالبون على اختلاف مستوياتهم.

بدأت العلاقة بين الشيخين بالمطالعة حيث كان الشيخ الغزالي قد نشر مجموعة من الكتب التي نالت رواجا بين أوساط الشباب المصري رغم التعتيم والمراقبة والمتابعة القضائية والمصادرة التي كانت تمارسها السلطة المصرية.

وقد نقل الشيخ الغزالي في مذكراته وقائع الجلسة التي وقف فيها أمام القاضي مدافعا عن أشهر كتبه المصادرة وهو كتاب ” كفاح دين” الذي تحدث فيه عن المؤامرات التي تحاك في مصر ضد الصحوة الإسلامية.

وكان من أنجح كتب الغزالي في الأربعينات: الإسلام والأوضاع الاقتصادية، الإسلام والمناهج الاشتراكية، الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين.

كما لقيت مقالاته الأسبوعية في مجلة ” الإخوان المسلمون” قبولا كبيرا عند القراء، فكان الشيخ الغزالي يكتب في كل أسبوع مقالا نقديا في ركنه الثابت “خواطر حرة”.

وكان مقاله الأول بعنوان “الإخوان المسلمون والأحزاب” بعد أن اكتشفه الإمام الشهيد حسن البنا ضمن المقالات المهملة، ثم راسله ليثني على باكورة إنتاجه الرصين، ويشجعه على مواصلة الكتابة.

ولنترك الشيخ الغزالي يروي هذا الحدث الذي وقع له وهو ما زال طالبا في جامع الأزهر، وأثّر فيه كثيرا، قال الشيخ الغزالي  ” كتبت يوما مقالا، وأرسلته إلى مجلة الإخوان، وارتقبت نشره، فلم ينشر، وساء ظني بنفسي فتركت الكتابة، وبغتة تلقيت بالبريد رسالة من المرشد العام، عرفت فيما بعد نبأها، لقد دخل إدارة المجلة وسأل الأستاذ صالح عشماوي رئيس التحرير، لماذا لا أقرأ للإخوان مقالات جيدة ؟ وما السبب في ضعف المجلة؟ ومد يده – غير متعمد- إلى ملف المحفوظات المنتفخ بالمقالات التي رُئِي عدم نشرها، ووقع بصره على مقالي ، وغضب غضبا لإهماله، وأمر بجعله افتتاحية العدد المقبل ”.

 

فراسة الداعية

وأورد الشيخ الغزالي بعد ذلك النص الكامل لرسالة الإمام البنا التي تكشف عن فراسة هذا الداعية وقدراته القيادية العالية، وتحمل الثناء الجميل والتشجيع الصادق من أجل أن يواصل هذا الشاب الإبداع الفكري.

وهكذا دأب الشيخ الغزالي على الكتابة في مجلة “الإخوان المسلمون” حتى صار من أشهر كُتابها، وتشجيعا له مرة أخرى، عيّنه الشيخ حسن البنا سكرتيرا للتحرير فأصبح يكتب مقالات عديدة باسمه الصريح، وبتوقيعات مستعارة.

وفي فترة قصيرة، تجاوزت شهرة الغزالي مصر لتصل إلى القراء في الدول العربية والإسلامية التي تصل إليها هذه المجلة المصرية.

وكان من أكثر المعجبين بكتاباته الطالب يوسف القرضاوي الذي كان يحرص دائما على مطالعة هذه المجلة، قال في هذا السياق "كان يشدني إليه فكره الثائر، وبيانه الساحر، وأسلوبه الساخر".

وكان الغزالي يحمل روح الرافعي وتألقه، وسهولة المنفلوطي وتدفقه، وتأمل العقاد وتعمقه، وانعقدت بيني وبين الغزالي الكاتب – على بعد- صلة عقلية وروحية عميقة، من جانب واحد طبعا، بحيث كنت أترقب المجلة لأقرأ – أول ما أقرأ فيها- مقالتين: مقالة محمد الغزالي، ومقالة عبد العزيز كامل”.

وازداد القرضاوي حبا وتعلقا بالشيخ الغزالي حينما اكتشف أن هذا الأخير هو خريج جامع الأزهر الذي ينتمي إليه هو أيضا، بعد أن اعتقد ردحا من الزمن أنه من خريجي المدارس الحديثة نظرا لمعالجته لقضايا معاصرة بأسلوب جذاب.

وأصبح القرضاوي يتابع الغزالي عبر مقالاته في المجلات المختلفة، أو عبر كتبه المتعددة، كما كان يدافع عن أفكاره، وينصره في معاركه الفكرية مع الشيوعيين والحداثيين المتطرفين.

Facebook Comments