حذر الباحث المتخصص في شئون حوض النيل، هاني إبراهيم، مما يصفه بـ "المخطط الإثيوبي المتكامل" للسيطرة المطلقة على شريان الحياة الوحيد للمصريين والسودانيين. فبينما ينشغل العالم بتداعيات سد النهضة، تمضي أديس أبابا في وضع اللمسات الفنية لمنظومة سدود ثلاثية عملاقة في أعالي النيل الأزرق، تهدف من خلالها إلى احتجاز أكثر من 100 مليار متر مكعب من المياه خلف جدران خرسانية صماء، مما يضع دول المصب أمام خيار وحيد ومرير: العطش الدائم أو الارتهان الكامل للإرادة السياسية الإثيوبية.
في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها ملف حوض النيل، برزت تساؤلات ومخاوف جادة حول نوايا إثيوبيا المستقبلية بشأن التوسع في بناء السدود على مجرى النيل الأزرق، الرافد الرئيس لنهر النيل.
وفي هذا السياق، قدم الباحث هاني إبراهيم، عبر @HanyIbrahim17 قراءة تحليلية معمقة لما يُثار حول "السدود الثلاثة الجديدة" التي تخطط أديس أبابا لتشييدها، محذراً من أن هذه الخطوة، في حال تنفيذها، ستمثل الخطر الأكبر والأكثر استدامة على الأمن المائي لكل من مصر والسودان، بما يتجاوز في آثاره الهيكلية والمائية سد النهضة الحالي.
https://x.com/HanyIbrahim17/status/2050269477862887531
خارطة السدود الثلاثة وأرقام السعات التخزينية
استند هاني إبراهيم في استعراضه للمخطط الإثيوبي إلى دراسات فنية رسمية، أبرزها دراسة "يلما سلشي" عضو اللجنة العلمية الإثيوبية، التي تكشف عن عزم أديس أبابا بناء ثلاثة سدود عملاقة في أعالي النيل الأزرق. السد الأول هو سد "مندايا" بسعة تخزينية تصل إلى 27.7 مليار متر مكعب، يليه سد "بيكوابو" بسعة تبلغ 32 مليار متر مكعب، وأخيراً سد "كاردوبي" الأضخم بسعة 40.4 مليار متر مكعب.
وكشف أن الأرقام تتناول إجمالي سعة تخزينية مرعبة تتجاوز المائة مليار متر مكعب، موزعة على مساحات تخزين تصل إلى 1369 كيلومتراً مربعاً، مما يجعلها منظومة مائية قادرة على التحكم الكامل في تدفقات النهر الأزرق قبل وصولها إلى الحدود السودانية المصرية.
وأشار الباحث إلى أن تصميمات هذه السدود مرت بمراحل تعديلية، حيث بدأت بفكرة مشابهة لسد النهضة ولكن بسعات أقل، قبل أن يجري تعديلها وصولاً إلى المخطط الحالي الذي يسعى لتعظيم القدرة التخزينية.
ولفت الانتباه إلى نقطة تقنية مهمة تتعلق بسد "مندايا"، حيث إن موقعه الأصلي قد تعرض فعلياً للغمر نتيجة رفع سعة بحيرة سد النهضة (GERD)، وهو ما دفع الجانب الإثيوبي لتجهيز مواقع بديلة أو "ترحيل" الموقع تحسباً لهذه التغييرات.
وأكد إبراهيم أن الخطورة تكمن في غياب أي دراسات حقيقية للأثر البيئي لهذه المواقع، حيث يركز الجانب الإثيوبي فقط على دراسة قدرة الأرض على التخزين المائي دون الالتفات إلى الأضرار البيئية والهيدرولوجية الجسيمة التي ستلحق بدول المصب.
دوافع التخزين وتضارب المصالح الكهربائية
في تحليله للأهداف الإثيوبية من وراء هذه السدود، فند هاني إبراهيم الادعاءات التي تربط هذه المشروعات بالتنمية المستدامة أو توليد الطاقة فقط. وأوضح أن إنشاء ثلاثة سدود في أعالي النهر يعني فعلياً تقليص القدرة الكهربائية لسد النهضة نفسه، لأن حجز هذه الكميات الهائلة من المياه في السدود العليا سيمنع وصولها إلى توربينات سد النهضة، مما يؤدي إلى خسارة كهربائية واضحة.
وأشار إلى أن التوجه لاستخدام جزء من هذه المياه في أغراض الري سيعمق من الخسائر الكهربائية للمنظومة الإثيوبية بالكامل، وهو ما يشير إلى أن الغرض الأساسي قد يتجاوز التنمية الاقتصادية نحو الرغبة في بسط السيطرة السيادية المطلقة على المورد المائي.
أما بالنسبة لدول المصب، فإن الخسارة المائية ستكون مركبة؛ حيث ستفقد مصر والسودان حصصاً مائية كبيرة نتيجة "فواقد التبخر" السنوية من خزانات السدود الثلاثة الجديدة، بالإضافة إلى الخصم المباشر من الإيراد السنوي للنهر في حال استخدام تلك المياه في مشاريع الري الإثيوبية.
ورأى أن هذا التناقص في الإيراد المائي سيضع ضغوطاً غير مسبوقة على السد العالي في مصر وخزانات السودان، مما يهدد استقرار الزراعة ومياه الشرب والقدرة على توليد الطاقة الكهرومائية في البلدين.
مناقصات "غامضة" وتساؤلات حول المصدر
تطرق هاني إبراهيم إلى الأنباء التي تناقلتها بعض المواقع الإخبارية حول طرح إثيوبيا لمناقصة دولية للبدء في تنفيذ هذه السدود بتكلفة تقدر بـ 10.5 مليار دولار. وأكد من خلال متابعته وتقصيه أنه لا يوجد مصدر إثيوبي رسمي يؤكد وجود هذه المناقصة حالياً، مشيراً إلى أن غالبية المنصات الإثيوبية استندت في أخبارها إلى تقارير عربية ومصرية.
وأعرب الباحث عن اعتقاده بأن تداول مثل هذه الأخبار في هذا التوقيت قد يكون محاولة لجس نبض ردود الفعل الدولية، أو ربما "إلهاء" عن الأزمة القائمة المتعلقة بسد النهضة، خاصة وأن إثيوبيا تتبع في الغالب نظام "الإسناد بالأمر المباشر" لشركات بعينها مثل "ويبيلد" الإيطالية، ولا تفضل المناقصات الدولية العلنية في مشروعاتها السيادية الحساسة.
وبين إبراهيم أن التضارب في أرقام التكلفة المذكورة في التقارير الإعلامية، التي تراوحت بين 3.5 مليار دولار و10.5 مليار دولار، يعكس غياب التوثيق الرسمي لهذه الأنباء. وأوضح أن الرقم الأخير (10.5 مليار) قد يكون جرى خلطه مع أخبار استثمارات صينية في قطاعات الطاقة المتجددة والأمونيا الخضراء، مشدداً على ضرورة الحذر في التعامل مع هذه التسريبات دون نفي "المخطط" الإثيوبي الأصلي، حيث تظل المواقع مدروسة وجاهزة للتنفيذ متى توافر التمويل والظرف السياسي المناسب.
الأولويات الإثيوبية الحالية وسدود "التعثر"
ختم هاني إبراهيم تقريره بالإشارة إلى أن إثيوبيا تركز في الوقت الراهن على إنهاء مشروعات السدود التي تعثرت سابقاً بسبب عيوب إنشائية أو نقص في التمويل. ومن أبرز هذه المشروعات سد "ميجيش" في أعالي النيل الأزرق، الذي بدأ العمل فيه منذ عام 2010 وتوقف لفترات، وسد "ارجو ديديسا" الذي واجه مشاكل تتعلق بتسريب المياه منذ عام 2015. هذه السدود، رغم صغر سعتها مقارنة بالسدود الثلاثة الكبرى المخطط لها، تؤكد النهج الإثيوبي المستمر في "احتجاز المياه" بكل الوسائل الممكنة، مما يستوجب متابعة دقيقة ومستمرة للتحركات الإثيوبية على الأرض بعيداً عن ضجيج التقارير الإعلامية غير الموثقة، لضمان حماية الحقوق المائية التاريخية لدول المصب.
ولفت الباحث الانتباه إلى "مفارقة" غريبة، وهي أن الحسابات الإثيوبية المهتمة بملف النيل (مثل مدونة الأصوات/Asrat Blog) استندت في نقل هذا الخبر عن وزيرها إلى مصادر إعلامية مصرية وعربية وليس إلى بيان رسمي من وزارة المياه والطاقة الإثيوبية أو وكالة الأنباء الإثيوبية. وهذا في تقديره يعزز فرضية أن الخبر يفتقر للدقة المهنية، أو أنه مجرد "بالونة اختبار" لمعرفة ردود الفعل في دول المصب.
وهاني إبراهيم في إشاراته السابقة ينفي صحة "خبر المناقصة" وتصريحات الوزير المرتبطة بها حالياً، لكنه لا ينفي وجود "المخطط"؛ فهو يؤكد أن الدراسات الإثيوبية لهذه السدود (مندايا، بيكوابو، كاردوبي) موجودة بالفعل وجاهزة فنياً، إلا أن الإعلان الرسمي عنها أو البدء في تنفيذها لم يتخذ طابع "المناقصة الدولية" المزعومة حتى الآن.