نقاش مجتمعي محتدم بشأن قدرة مصر على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية، وهو نقاش يتكرر بعدما صرّح رأس الانقلاب عبدالفتاح السيسي بأن مصر «لا تمتلك ما يكفي من الأرض أو المياه» لتحقيق هذا الهدف.
ويعكس الخطاب الشعبي حالة غضب واسعة تجاه ما طرحه السيسي، إذ يرى كثيرون أن مصر تمتلك من الموارد الطبيعية ما يجعل هذا الادعاء غير دقيق، خاصة أن المصريين يعيشون فعليًا على 10% فقط من مساحة البلاد، بينما تبقى مساحات شاسعة قابلة للاستصلاح لم تُستغل بعد بالشكل الأمثل.
والحديث عن «عدم وجود أرض كافية» يُشبه تصريحاته السابقة التي قللت من ثروات مصر الطبيعية، وهو ما يثير شكوكًا حول دقة هذا الخطاب الرسمي. أما فيما يتعلق بالمياه، فيربط النص بين أزمة الموارد المائية الحالية وبين اتفاق إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة، معتبرًا أن توقيع الاتفاق كان نقطة تحول أثرت على أمن مصر المائي، وأن تصريحات المسئولين حول نقص المياه تتجاهل هذا البعد السياسي.
فالرئيس الشهيد محمد مرسي في خطابه كان يدعو إلى الاعتماد على الذات في الغذاء والسلاح، أم خطاب السيسي فيركز على محدودية الموارد ويقدم صورة سلبية عن قدرات الدولة. ويعكس هذا التباين حالة من الإحباط الشعبي تجاه السياسات الزراعية والمائية الحالية، خاصة في ظل ما يعتبره البعض تراجعًا في مكانة مصر الإقليمية وقدرتها على إدارة مواردها.
ونشر حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats عبر حسابه الشخصي تقريرًا بعنوان "نحو تحقيق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الزراعية " أكد أن قضية الأمن الغذائي أصبحت من أهم التحديات الاستراتيجية، وأن تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الأساسية لم يعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل ضرورة قومية ترتبط بالاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ويرى حزب تكنوقراط مصر أن البلاد تمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية والعلمية ما يؤهلها للوصول إلى مستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتي إذا تم تبني رؤية حديثة تعتمد على التخطيط طويل الأجل والبحث العلمي.
إمكانات مصر الزراعية
واستعرض التقرير الإمكانات التي تمتلكها مصر، وعلى رأسها التنوع المناخي الذي يسمح بزراعة محاصيل استراتيجية طوال العام، مثل القمح والذرة والأرز والبنجر والمحاصيل الزيتية والخضراوات والفاكهة. كما تمتلك مصر ملايين الأفدنة القابلة للاستصلاح في مناطق مثل الدلتا الجديدة وتوشكى وشرق العوينات وسيناء والساحل الشمالي الغربي، وهي مناطق يمكن أن تضيف طاقات إنتاجية ضخمة عند استكمال البنية التحتية اللازمة.
وأضاف التقرير أنه رغم التحديات المائية، فإن تحسين كفاءة استخدام المياه عبر الري الحديث وإعادة التدوير والتحلية يمكن أن يوفر كميات كبيرة تكفي للتوسع الزراعي. ويؤكد التقرير أن الفلاح المصري يمتلك خبرة تاريخية عميقة، وأن الجامعات والمراكز البحثية تمتلك كوادر متقدمة في الهندسة الوراثية والزراعة الذكية وإدارة المياه.
القمح وفرص الاكتفاء الذاتي
ويرى التقرير أن مصر قادرة على تحقيق نسب اكتفاء مرتفعة للقمح من خلال استنباط سلالات عالية الإنتاجية، والتوسع في الزراعة بالمناطق الجديدة، وتقليل الفاقد، ورفع إنتاجية الفدان. أما الذرة، وهي أساس صناعة الأعلاف، فتواجه تحديات مثل ضعف المساحات المزروعة وارتفاع التكلفة، ويمكن تجاوزها عبر الزراعة التعاقدية ودعم البذور المحلية. وفيما يتعلق بالزيوت النباتية، يشير التقرير إلى أن الفجوة الزيتية من أكبر نقاط الضعف، وأن الحل يكمن في التوسع بزراعة عباد الشمس وفول الصويا وإنشاء مصانع استخلاص حديثة. أما السكر، فقد حققت مصر تقدمًا ملحوظًا بفضل التوسع في بنجر السكر وتطوير المصانع، ويمكن الوصول إلى الاكتفاء الكامل عبر زيادة الإنتاجية الرأسية.
التقرير أشار إلى أن تطوير البذور والسلالات المحلية هو المفتاح الأساسي لزيادة الإنتاجية ومقاومة الأمراض وتحمل الملوحة والجفاف. كما يمكن للتكنولوجيا الحديثة — مثل الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد وتحليل التربة — أن تُحدث تحولًا جذريًا في الإنتاج الزراعي.
https://x.com/egy_technocrats/status/2056035412624167203
ومن جانب آخر تداول نشطاء ما نشره الاثنين 18 مايو الدكتور عادل عبد العظيم، رئيس مركز البحوث الزراعية، من أن الدولة المصرية تضع ملف الأمن الغذائي في مقدمة أولوياتها، خاصة في ظل التحديات المناخية والاقتصادية العالمية التي تؤثر على إنتاج الغذاء وسلاسل الإمداد. ويشير إلى أن تطوير إنتاج الحبوب يمثل محورًا أساسيًا في استراتيجية الدولة لتقليل الفجوة الغذائية وتعزيز القدرة على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية. وقد جاءت تصريحاته خلال قمة مشروع SEEDS التي ينظمها اتحاد الغرف التجارية، حيث أوضح أن المشروع جزء من سلسلة مشروعات بحثية إقليمية تضم مصر والمغرب ولبنان وفلسطين، وتهدف إلى دعم التعاون العلمي في مجال الأمن الغذائي.
وأكد رئيس المركز عمله باستمرار على استنباط أصناف جديدة من المحاصيل والحبوب قادرة على تحمل التغيرات المناخية، وذات إنتاجية أعلى وقيمة غذائية أفضل، بما يعزز قدرة مصر على تحقيق تنمية زراعية مستدامة.
وقال عبد العظيم إن مصر حققت مراكز متقدمة عالميًا في إنتاجية وحدة المساحة؛ إذ تحتل المركز الأول عالميًا في إنتاجية القمح، والرابع في الأرز، والخامس في الذرة الشامية. ورغم هذه النجاحات، لا تزال تستورد أكثر من 50% من احتياجاتها من القمح والذرة، وهو ما يدفع الدولة إلى تكثيف الجهود لسد الفجوة الغذائية وتقليل فاتورة الاستيراد. ويؤكد أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الكامل ليس هدفًا سهلًا، لكنه قابل للتحقيق تدريجيًا من خلال التوسع في زراعة الأصناف عالية الإنتاجية وتحسين إدارة الموارد المائية.
ويكشف رئيس المركز أن المؤسسة نجحت خلال السنوات الماضية في استنباط أكثر من 450 صنفًا وهجينًا من المحاصيل المختلفة، وهو ما ساهم في زيادة الإنتاجية الزراعية وتحقيق معدلات نمو ملحوظة في القطاع. كما ارتفعت المساحة المزروعة بالقمح إلى 3.7 مليون فدان، مع خطط لمضاعفة الإنتاجية خلال السنوات المقبلة، بهدف الوصول إلى 70% اكتفاء ذاتي من المحاصيل الاستراتيجية بحلول 2030.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1415470543941913&set=a.149141137241533
القمح كركيزة للأمن الغذائي المصري
ونشر معهد بحوث الاقتصاد الزراعي في مصر عن ورشة عمل نظمها المعهد بعنوان “الموقف الحالي والتصور المستقبلي للقمح” لتؤكد توجه الدولة نحو ربط البحث العلمي بصناعة القرار. فقد شدد وزير الزراعة على ضرورة تطوير الأصناف عالية الإنتاجية، وتوسيع الإرشاد الزراعي، وتحسين منظومة التوريد، بما يعزز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج. ويؤدي مركز البحوث الزراعية دورًا محوريًا في هذا الإطار، من خلال استنباط أصناف جديدة أكثر قدرة على تحمل الظروف البيئية، ورفع الإنتاجية الرأسية بدلًا من التوسع الأفقي المكلف مائيًا.
واستعرضت الورشة أحدث البيانات المتعلقة بمساحة وإنتاجية القمح في مختلف المحافظات، وأهم الأصناف المزروعة، وتكاليف الإنتاج، وأسعار التوريد، وأربحية الفدان. كما تناولت تطورات السوق العالمي للقمح، والواردات المصرية وتوزيعها الجغرافي، ومتوسط نصيب الفرد من الاستهلاك، ومعدل الاكتفاء الذاتي خلال فترة الدراسة. وتوضح هذه المؤشرات أن مصر حققت تقدمًا في الإنتاجية، لكنها لا تزال تعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من نصف احتياجاتها، ما يجعل تحسين الإنتاج المحلي ضرورة استراتيجية.
وتتوقع الورشة أن تصل إنتاجية فدان القمح في موسم 2025/2026 إلى 3.05 طن، بما يرفع الإنتاج المحلي إلى نحو 10.5 مليون طن. ومن المستهدف أن يورد المزارعون للحكومة حوالي 4.4 مليون طن، أي ما يعادل 41.5% من الإنتاج المحلي. ووفق هذه التقديرات، يمكن لمصر تحقيق نحو 51% اكتفاء ذاتي من القمح خلال الموسم المقبل، مع استمرار العمل على رفع هذه النسبة تدريجيًا عبر تحسين الإنتاجية وتطوير منظومة التوريد.
https://www.arc.sci.eg/products/details/9681
وقبل عامين أكد الخبير الزراعي خالد جاد أنه من الممكن أن تصل مصر إلى نسبة 70% من الاكتفاء الذاتي من القمح خلال السنوات المقبلة.
https://www.facebook.com/AsharqbEGY/videos/1220510518980497/.
وتشير هذه التقارير إلى أن الدعوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح تستند إلى تصور صحيح من أن الإنتاج المحلي هو الضامن الوحيد للأمن الغذائي.