في نهاية الستينات لم يُعرف في جامعة القاهرة إلا فتاة واحدة محجبة “أمينة قطب” رحمها الله، واليوم كيف الوضع في الجامعات المصرية؟ من جديد وبعد نحو ما يزيد على 60 عاما مثل التي مضت، أثار حقد الصحفي الأمنجي محمد الباز على شعائر الإسلام (الحجاب) وربطه بجماعة الإخوان المسلمين ردود فعل ساخرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر العديد من المغردين أن تصريحاته تمثل تجاوزاً للثوابت الدينية ومحاولة لتسييس فريضة شرعية.
وفي هذا السياق، جاء تفاعل الحسابات الرقمية ليربط بين تصريحات الباز ومحاولات ترهيب المجتمع من المظاهر الدينية، وهو ما عبَّر عنه المغرد وليد عبر معرفه الرسمي @Walid_B_007، واصفاً هذه التوجهات بأنها استراتيجية ترهيب ممنهجة ضد الثوابت كالحجاب واللحية.
وفي ذات السياق، شن المغرد سعد جميل عبر معرفه @SaadGamil539072 هجوماً حاداً على الأداء الإعلامي للباز، معتبراً أن إقحام فصيل سياسي كالعصابة أو الجماعة في مسألة الحجاب ليس سوى محاولة لصناعة "عصفورة" تهدف إلى التغطية على الأزمات الاقتصادية والإدارية الحالية وإلهاء الرأي العام عن التحديات الحقيقية.
من جانبه، انتقد المهندس سيف الحق عبر حسابه الموثق @Engr_Saif_Elhaq هذه التصريحات بحدة، مؤكداً أن الأمر بالحجاب لم يصدر عن جماعة أو حزب سياسي، بل هو أمر إلهي صريح ورد في النص القرآني الموجه للرسول والمؤمنين، معتبراً الهجوم على الحجاب بمثابة حرب على الدين مدعومة من توجهات إعلامية ومؤسسية معينة.
https://x.com/Engr_Saif_Elhaq/status/2058548840383361382
خلط أوراق
وتطرق المغردون أيضاً إلى الأبعاد التاريخية والاجتماعية للحجاب وتوظيفه في فرز المجتمع، حيث أشارت المغردة عبر حسابها @lhalybw12 إلى أن الحجاب تاريخياً يمثل رمزاً للحرية والعفة وليس شعاراً تنظيمياً، معتبرة أن محاولات خلط الأوراق تهدف إلى إرباك الوعي المجتمعي وتمرير أجندات معينة ضد الهوية المحافظة.
https://x.com/lhalybw12/status/2058293111453798469
وعلى الصعيد الفكري، تفاعل حساب وحي اللحظة @Elbokhary57 بأسلوب تهكمي مع الاتهامات الموجهة للإخوان، مشيراً إلى أن لوم الجماعة على فرز المجتمع بين المحجبة والسافرة، أو الملتزمة والخليعة، يعكس رغبة في تمييع المعايير القيمية والأخلاقية، وخلط المفاهيم حتى يتساوى الشريف واللص، والوطني والمهرج.
https://x.com/Elbokhary57/status/2058100599355584845
بينما استنكر حسام حمدي في تدوينته عبر معرفه @hssm_hamdy المنطق الذي يربط بين التدين والانتماء السياسي، متسائلاً بسخرية عما إذا كانت كل امرأة ترتدي الحجاب في مصر تنتمي بالضرورة للجماعة، واصفاً هذا النوع من التحليل الفكري بالإفلاس الذي لا يصدر إلا عن غياب تام للموضوعية والعقلانية.
https://x.com/hssm_hamdy/status/2058434779272364127
الامتدادات السياسية والفقهية للنزاع حول الحجاب
لم يكن هذا الجدل وليد اللحظة، بل هو امتداد لصراع فكري وسياسي قديم يعود إلى عقود مضت. وتستحضر الذاكرة الرقمية دائماً مواقف المفكرين والسياسيين في هذا الشأن؛ حيث أشار مراقبون إلى تصريحات الكاتبة فريدة الشوباشي التي ادعت فيها أن الحجاب لم يظهر في مصر إلا على يد الإخوان، وهي أطروحات تعبر عن جهل بالقرآن والسنة النبوية المطهرة والنصوص الشرعية وثوابت الأمة الثقافية.
وما زال العلمانيون حتى المعارضين منهم للنظام بينهم وبين الحجاب مشكلة، كالتي بينهم وبين جماعة الإخوان، فالأكاديمي د.محمد الشريف @MhdElsherif يرى أن قطاعاً كبيراً من النساء يرتدين الحجاب نتيجة تراكمات ثقافية بدأت مع صعود الخطاب الديني للإخوان ثم التيار السلفي، بالإضافة إلى تأثير فترات الهجرة والعمل في الدول العربية المحافظة خلال العقود الماضية، مما خلق حالة من الفرض المجتمعي بعيداً عن القناعات الفردية الصرفة.
الدكتور حمزة زوبع في تدوينة له عبر معرفه @drzawba، يؤكد أن المعركة الدائرة في الفضاء الإعلامي ليست موجهة ضد فصيل الإخوان المسلمين كتنظيم سياسي فحسب، بل هي حرب أوسع تستهدف المظاهر والهوية الإسلامية بشكل عام، والدليل الأبرز على ذلك هو استمرار استهداف قضايا الحجاب والنقاب في الخطاب الإعلامي الرسمي.
الجذور التاريخية للدعوى
تستند السردية التي تربط بين فرض الحجاب والأجندات السياسية إلى رواية تاريخية شهيرة يعود تاريخها إلى الخمسينيات، أشار إليها الرئيس الهالك جمال عبد الناصر في أحد خطاباته الجماهيرية المصورة. في ذلك الخطاب، روى عبد الناصر تفاصيل لقاء جمعه بمرشد جماعة الإخوان المسلمين آنذاك، حسن الهضيبي، عام 1953؛ حيث ذكر عبد الناصر أن المرشد طالب بفرض الحجاب على النساء في مصر، ليرد عليه عبد الناصر بالرفض، مشيراً إلى أن ابنة المرشد نفسه لا ترتدي الحجاب، وأن تطبيق مثل هذا القرار لا يمكن أن يتم بفرض قسري من السلطة.
وتُوظف هذه الحادثة تاريخياً من قِبل معارضي الجماعة ومخالفيها كدليل على أن الحجاب يُمثل ركيزة في الفكر التنظيمي وسعياً لتغيير الهوية البصرية للمجتمع المصري.
أجيال علمانية
وامتدت هذه الرؤية عبر أجيال متعاقبة من الكتاب، والسياسيين، والإعلاميين الذين اعتبروا أن الحجاب تحول من خيار شخصي أو تأويل ديني إلى "شعار سياسي" تم نشره بشكل منهجي.
وتُعد الكاتبة والإعلامية فريدة الشوباشي (كانت نصرانية وأسلمت) من أشد المناهضين لظاهرة الحجاب في الفضاء العام، وتكرر دائماً في لقاءاتها أن مصر حتى أواخر الستينيات كانت تخلو تقريباً من الحجاب، معتبرة أن انتشاره جاء نتيجة ما تسميه "الغزو الثقافي الوهابي" وتغلغل الفكر الإخواني.
كما سار شقيقها، الكاتب ووزير الثقافة الإنقلابي شريف الشوباشي بذات النهج "التنويري" برفض المظاهر التي اعتبرها غريبة عن الثقافة المصرية الأصيلة وربطها بالتوظيف السياسي للدين.
ومن الناحية الفقهية والأكاديمية، برز الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، بطروحات مثيرة للجدل في هذا السياق. فرغم كونه أستاذاً أزهرياً، إلا أنه قدم تفسيرات فقهية ترى أن الحجاب ليس من الثوابت القطعية، وجادل بأن الآيات الواردة في سورة النور وسورة الأحزاب نزلت في سياق تاريخي واجتماعي معين لحماية النساء في ذلك العصر، معتبراً أن تيار الإسلام السياسي ضخّم من المسألة واختزل الدين في المظهر الخارجي.
والإعلامية والناشطة السياسية بثينة كامل انتقدت في مواقفها المتعددة ما اعتبرته تراجعاً في حقوق المرأة وحريتها الاجتماعية في العقود الأخيرة. وترى أن تصدير الحجاب كمعيار وحيد لعفة المرأة كان جزءاً من "المد الصحراوي" والأجندات الحزبية والدينية التي سعت لتقييد دور المرأة في المجال العام وفرض وصاية مجتمعية عليها.
وهناك رموز فكرية أخرى أسست تاريخياً لهذه الرؤية المعارضة للحجاب والمظاهر الإسلامية عموما، ومنهم؛ المستشار محمد سعيد العشماوي: مفكر وقاضٍ مصري راحل، صنف كتاباً شهيراً بعنوان "حقيقة الحجاب وحجية الحديث"، جادل فيه من منظور قانوني وفقهي بأن الحجاب ليس فريضة دينية بالمعنى المتداول، بل هو زي ارتبط بظروف بيئية وتاريخية معينة، وأن الجماعات السياسية حولته إلى شعار حزبي. أما الدكتور فرج فودة فكان من أوائل من حذَّروا من ظاهرة التأسلم الشكلي، وجادل في كتاباته ومناظراته بأن التيارات المتطرفة تبدأ بفرض المظاهر والشعارات لتصل في النهاية إلى السلطة. واعتبرت الطبيبة والكاتبة الدكتورة نوال السعداوي الحجاب والنقاب أدوات لتقييد عقل المرأة وجسدها، وربطت بين انتشار هذه المظاهر والنفوذ السياسي والاقتصادي للتيارات الدينية المحافظة!
في المقابل، لا تعرف المؤسسة الدينية الرسمية، هذا الازدواج وهناك تلاسن قائم بين "أستاذ" الفقه المقارن سعد الدين الهلالي الذي اعتبر الحجاب والآيات الواردة فيه آراءً بشرية قابلة للنقاش والتأويل التاريخي، وبين الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الأسبق، الذي هاجم هذا الطرح بشدة مؤكداً أن الحجاب فرض إسلامي ثابت بإجماع الأمة لا مجال للجدل أو التشكيك فيه، وهو ما اعتبره المنتقدون قمعاً للنقاش التنويري.
ويظل الموقف الرسمي للمؤسسات الدينية التقليدية (كالأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية) والعلماء المستقلين ثابتاً على أن الحجاب فرض قطعي على المسلمات، مستندين في ذلك إلى الآيات المحكمات في سورة النور (مثل آية إدناء الخُمُر على الجيوب) وما جاء في السنة النبوية وإجماع الأمة عبر العصور.
التيار الإسلامي العام يرفض محاولات ربط الحجاب بالإخوان، أو بأي فصيل سياسي، معتبرين ذلك محاولة للالتفاف على النص الشرعي وتسييس فريضة تعبدية يلتزم بها ملايين المسلمات دافعُهن في ذلك هو الامتثال الديني البحت، وليس التبعية.