تتسع في مصر بزمن المنقلب السفيه السيسى ، دائرة الجدل حول طبيعة الصفقات والاستحواذات التي جرت خلال السنوات الأخيرة لصالح مستثمرين وصناديق خليجية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مدى خضوع هذه الصفقات للرقابة البرلمانية والمجتمعية، وما إذا كانت الحاجة المتزايدة إلى النقد الأجنبي وسداد أعباء الديون قد دفعت الحكومة إلى تقديم تنازلات واسعة على حساب أصول الدولة وحقوق المصريين.
ويبرز ملف الساحل الشمالي بوصفه أحد أكثر النماذج إثارة للجدل، في ظل تصاعد الخلافات بين ملاك مصريين وشركات تطوير عقاري خليجية، وعلى رأسها شركة «إعمار مصر» المملوكة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، وما رافق ذلك من شكاوى بشأن القيود المفروضة على الملاك، وفرض رسوم مرتفعة مقابل استخدام الشواطئ، إلى جانب اتهامات بالإخلال ببعض الالتزامات التعاقدية.
وتعيد هذه التطورات طرح سؤال أكبر يتجاوز حدود الخلافات العقارية: هل تحولت سياسة جذب الاستثمار الأجنبي في زمن المنقلب السفيه ، عبد الفتاح السيسي إلى وسيلة لتوفير السيولة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك عبر التوسع في بيع أو تخصيص أصول وأراضٍ استراتيجية لمستثمرين خليجيين؟
الساحل الشمالي.. نموذج مصغر لأزمة أكبر
تفجرت الأزمة الأخيرة حول منتجع «مراسي» بعد تداول مستندات تتعلق بفرض عضوية شهرية بقيمة 3 آلاف دولار خلال موسم الصيف، مقابل ثلاث زيارات إلى شاطئ فندق «العلمين»، وهو ما أثار اعتراضات من ملاك مصريين رأوا في تلك الإجراءات انتقاصاً من حقوقهم التعاقدية.
وبحسب ما ورد في الشكاوى، فإن إدارة المنتجع تحتفظ لنفسها بحق تعديل شروط العضوية والأسعار والطاقة الاستيعابية وإجراءات التشغيل، الأمر الذي اعتبره متضررون مؤشراً على اختلال العلاقة بين المالك والشركة المطورة.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يقول فيه عدد من ملاك «مراسي» إنهم يواجهون قيوداً متزايدة على استخدام الشواطئ والمرافق، فضلاً عن ارتفاع رسوم الصيانة والغرامات، فيما لجأ عدد منهم إلى القضاء في مواجهة الشركة، في محاولة لاستعادة ما يرونه حقوقاً تعاقدية جرى الانتقاص منها.
وبغض النظر عن تفاصيل كل نزاع تعاقدي، فإن القضية الأهم تتمثل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر الأجنبي، وما إذا كانت العقود المبرمة تمنح الشركات الخاصة نفوذاً يتجاوز حدود الاستثمار إلى فرض قواعد داخل مجتمعات سكنية وسياحية على الأراضي المصرية.
من الاستثمار إلى التفريط في الأصول
يرى منتقدون للسياسة الاقتصادية الحالية أن الأزمة لا يمكن فصلها عن توجه أوسع تبنته الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة، يقوم على بيع حصص في شركات وأصول عامة، وتخصيص مساحات واسعة من الأراضي، والدخول في شراكات واستحواذات مع صناديق وشركات خليجية، بهدف توفير العملة الصعبة وسد فجوات التمويل.
وبهذا المنطق، تصبح الأزمة في جوهرها مرتبطة بالسؤال عن السبب الذي يدفع الدولة إلى بيع أصولها في لحظة احتياج مالي، بدلاً من معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والإنتاجية.
ويحذر منتقدون من أن اللجوء المتكرر إلى بيع الأصول قد يحول دون بناء اقتصاد قادر على توليد موارده، إذ تحصل الدولة على سيولة فورية، لكنها في المقابل تفقد ملكية أصول يمكن أن تحقق عوائد مستقبلية، فضلاً عن نقل جزء من الأرباح الناتجة عنها إلى المستثمرين الجدد.
وتزداد حساسية هذا الملف عندما يتعلق الأمر بأراضٍ ساحلية ومواقع استراتيجية وشركات رابحة أو قطاعات حيوية، إذ لا يقتصر الأمر عندها على صفقة مالية، وإنما يرتبط بأسئلة تتعلق بالسيادة الاقتصادية والأمن الوطني وحقوق الأجيال المقبلة.
أين البرلمان والصحافة؟
من أبرز علامات الاستفهام التي يطرحها هذا الملف محدودية الرقابة العامة على العقود الكبرى التي أبرمتها الدولة خلال السنوات الماضية.
ففي الوقت الذي جرى فيه الإعلان عن صفقات بمليارات الدولارات، ظلت تفاصيل عدد من العقود وشروط التخصيص والبيع والاستحواذ بعيدة عن النقاش العام، وسط غياب دور رقابي برلماني قادر على مناقشة هذه الاتفاقات بصورة تفصيلية، فضلاً عن ضعف المساحة المتاحة للصحافة المستقلة لفتح ملفات بيع الأصول والاستحواذات الأجنبية ومساءلة المسؤولين عنها.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض الاستثمار الخليجي أو الأجنبي من حيث المبدأ، وإنما بالسؤال عن مدى شفافية الصفقة، وقيمتها الحقيقية، وشروطها، وضمانات الدولة، وآليات الرقابة عليها، وما إذا كانت تحقق مصلحة اقتصادية طويلة الأجل أم توفر فقط تمويلاً مؤقتاً لأزمة مالية متفاقمة.
وفي الأنظمة التي تتمتع برقابة مؤسسية قوية، تخضع الصفقات الكبرى المتعلقة بالأصول العامة عادة لمراجعات قانونية واقتصادية وبرلمانية، بينما تتيح الصحافة المستقلة للخبراء والمجتمع مناقشة آثارها قبل إتمامها. أما عندما تتم الصفقات في ظل ضعف الرقابة وغياب المعلومات التفصيلية، فإن المجتمع لا يملك سوى التعامل مع نتائجها بعد وقوعها.
الحاجة إلى الدولار.. دافع رئيسي للصفقات
يربط خبراء ومراقبون بين موجة الاستحواذات الخليجية وبين الأزمة المالية التي تواجهها مصر، خصوصاً ارتفاع أعباء الديون الخارجية والحاجة المستمرة إلى تدفقات نقدية بالدولار.
وبحسب هذا الطرح، فإن ضغوط الدين ومواعيد السداد دفعت الحكومة إلى البحث عن مصادر سريعة للعملة الأجنبية، وهو ما جعل بيع الأصول وجذب الاستثمارات الخليجية خياراً متكرراً.
غير أن هذا النهج يطرح معضلة اقتصادية واضحة: هل ينبغي بيع الأصول المنتجة لتوفير الدولار، أم استخدام تلك الأصول كمحرك للنمو والإنتاج وتوليد العملة الأجنبية على المدى الطويل؟
فإذا كانت الدولة تبيع أصلاً رابحاً للحصول على سيولة فورية، فإنها تحصل على عائد مرة واحدة، بينما ينتقل حق الاستفادة من أرباح الأصل مستقبلاً إلى المالك الجديد، الذي يمكنه أيضاً تحويل أرباحه إلى الخارج وفق القواعد المنظمة للاستثمار الأجنبي.
ومن هنا يرى منتقدون أن سياسة بيع الأصول قد تتحول إلى دائرة مغلقة: ديون تدفع الدولة إلى بيع أصول، وبيع الأصول يوفر سيولة مؤقتة، ثم تعود أزمة التمويل من جديد، فتضطر الدولة إلى بيع أصول أخرى.
من «الاستثمار» إلى السيطرة على قطاعات استراتيجية
لا تقتصر المخاوف على القطاع العقاري أو السياحي، إذ امتدت صفقات الاستحواذ الخليجية إلى قطاعات صناعية وصحية وتعليمية ولوجستية وموانئ وأراضٍ ذات أهمية استراتيجية.
ويحذر منتقدون من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي تدريجياً إلى انتقال ملكية قطاعات مؤثرة من الاقتصاد المصري إلى كيانات خارجية، خصوصاً إذا جرى ذلك في ظل ضعف الشفافية وعدم الإعلان الكامل عن تفاصيل العقود.
وتزداد المخاوف عندما يتعلق الأمر بشركات تحقق أرباحاً بالفعل أو تمتلك حصة كبيرة من السوق، لأن بيعها لا يعني فقط دخول استثمار جديد، بل يعني أيضاً انتقال جزء من أرباحها المستقبلية إلى الخارج.
أما في القطاعات الحيوية، مثل الصحة، فإن تحويل مرافق تقدم خدمات بأسعار مدعومة إلى نموذج استثماري ربحي يثير سؤالاً آخر حول من يتحمل تكلفة التحول؛ فالمواطن قد يجد نفسه في النهاية أمام خدمات أعلى سعراً، بينما تتحول الدولة من مقدم مباشر للخدمة إلى جهة تنظيمية أو مستأجرة لخدمات المستثمر.
الأراضي.. الأصل الذي لا يمكن تعويضه
يبقى ملف الأراضي الأكثر حساسية في هذه المعادلة، خصوصاً أن الأرض مورد محدود لا يمكن استيراده أو تعويضه بعد بيعه.
ولهذا يرى منتقدون أن السماح لشركات ذات رؤوس أموال أجنبية بالحصول على مساحات واسعة من الأراضي ثم تطويرها وبيع وحداتها، يحتاج إلى ضوابط أكثر صرامة، تضمن ألا تتحول المناطق الساحلية والاستراتيجية إلى مجتمعات مغلقة ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية منفصلة عن محيطها.
كما أن الخلافات التي نشبت حول بعض المنتجعات تطرح تساؤلات بشأن حدود سلطة الشركات الخاصة داخل مشروعاتها، ومدى قدرتها على فرض رسوم وشروط جديدة على الملاك، وما إذا كانت العقود الأصلية تمنحها هذه الصلاحيات بالفعل.
وتتضاعف حساسية الملف في ضوء المادة 45 من الدستور المصري، التي تنص على التزام الدولة بحماية البحار والشواطئ والبحيرات والممرات المائية والمحميات الطبيعية، بما يفرض على الدولة مسؤولية حماية حق المواطنين في الانتفاع بهذه الموارد وفقاً للقانون.
المطلوب.. مراجعة شاملة لا مجرد تسويات مؤقتة
في ضوء تصاعد الجدل، تبدو الحاجة قائمة إلى مراجعة شاملة للعقود والاتفاقات المتعلقة ببيع وتخصيص الأراضي والاستحواذ على الأصول العامة، خصوصاً تلك التي تمت خلال سنوات الأزمة الاقتصادية.
ولا تعني هذه المراجعة بالضرورة إلغاء الاستثمارات الأجنبية أو طرد المستثمرين، وإنما تعني إخضاع الصفقات لمعايير واضحة من الشفافية والرقابة، والتأكد من حصول الدولة على القيمة العادلة للأصول، وضمان عدم الإضرار بحقوق المصريين أو تحويل المناطق الاستراتيجية إلى كيانات مغلقة.
كما أن البرلمان، وفق هذا الطرح، مطالب بممارسة دوره الرقابي في مراجعة الصفقات الكبرى، بينما تقع على عاتق الصحافة مسؤولية فتح الملفات الاقتصادية ومناقشة شروط العقود وتقييم آثارها، بدلاً من ترك الرأي العام أمام معلومات متفرقة لا تظهر إلا بعد اندلاع الأزمات.
في النهاية، فإن جوهر القضية لا يتعلق فقط بمستثمر خليجي أو شركة عقارية، وإنما بسياسة اقتصادية كاملة اتجهت إلى استخدام الأصول العامة كوسيلة لتوفير التمويل. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كانت تلك الصفقات جزءاً من استراتيجية اقتصادية طويلة الأجل، أم أنها جاءت استجابة لضغوط الديون والحاجة العاجلة إلى الدولار؟
فإذا كان الخيار الثاني هو الأقرب إلى الواقع، فإن المشكلة لا تتوقف عند قيمة الأصول التي بيعت، بل تمتد إلى ما يمكن أن تخسره مصر مستقبلاً من عوائد وحقوق ونفوذ اقتصادي، في ظل غياب رقابة برلمانية وإعلامية ومجتمعية فعالة على واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع ملكية الأصول في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث.