تتزايد في الآونة الأخيرة قراءات المراقبين والمحللين الاقتصاديين للواقع المالي في مصر، وتحديداً مع توالي التقارير الصادرة عن مؤسسات التمويل الدولي. وكان لافتاً للمراقبين مؤخراً صدور استطلاع "الشركات" عن البنك الدولي، الذي أظهر تراجع معدلات الفساد المرتبطة بالأعمال في مصر مقارنة بمتوسط دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حيث أفادت 3.1% فقط من الشركات بتعرضها لطلب رشوة مقابل 13.2% إقليمياً، وتوقعت 16.8% من الشركات تقديم هدايا لتراخيص البناء مقارنة بـ20.8% في المنطقة، في حين أشارت 2% فقط إلى توقع تقديم هدايا لمسؤولي الضرائب مقابل 12.4% إقليمياً.
ويرى الخبراء أن هذا المديح الدولي والإشادات الرقمية ببيئة الأعمال يوضعان في سياق سياسي ووظيفي يهدف إلى منح صكوك ثقة تشرعن استمرار سياسات التقشف وإغراق البلاد في دوامة جديدة من الديون، خاصة وأن هذه الأرقام تأتي في وقت لا تزال تندرج فيه مصر ضمن مؤشرات الفساد والشفافية العالمية المستقلة بأرقام مغايرة، مما يثير تساؤلات المراقبين حول دلالة التوقيت وطبيعة العينة المستطلعة. ويأتي هذا التقرير ليضع دور هذه المؤسسات في موضعها الفعلي حيال المشهد المصري، مسلطاً الضوء على التناقضات التصريحية بين أطراف الإدارة وصندوق النقد، والالتجاء المستمر لأدوات الدين المتنوعة كالسندات الدولية.
الناشط شريف عثمان (ضابط سابق في الجيش) في كتاباته وتحليلاته المستمرة عبر حسابه على منصة إكس @SherifOsmanUSA يشير إلى أن البنية الاقتصادية الراهنة تحتاج إلى مراجعة حقيقية تتجاوز لغة الأرقام الصماء والمديح الدبلوماسي لمؤسسات التمويل؛ حيث يؤكد عثمان في قراءاته للمشهد المالي والسياسات النقدية أن معالجة عجز الموازنة والتضخم لا يمكن أن تتحقق بالاستدانة المستمرة أو تحميل الطبقات المتوسطة والفقيرة عبء التكيف الهيكلي، بل عبر إصلاحات هيكلية حقيقية تدعم الاستثمار الإنتاجي، وتكبح جماح التوسع في الديون الخارجية بشتى مسمياتها وسنداتها.
واعتبر @SherifOsmanClub أن "البنك الدولي هو من ركائز الاحتلال الجديد للأمم.. يتم استخدامه لإغراق الحكام الفسده بالأموال السهله .. حتى يعجزوا عن سد ديونهم.. و تبدأ المؤسسات و الحكومات المموله.. لبرامج البنك الدولي، الذي ليس لديه اموال بل يدير عملية الدين فقط، في التحكم عن بعد في الدول التي تم السيطره عليها، ودعا إلى قراءة كتاب اعترافات قاتل اقتصادي (الطبعه الثالثه).. لكي تفهم لماذا يشكر البنك الدولي في مصر.. حتى تعلم إلى اي مدى تم احتلال الدولة على الطريقة الحديثه.".
أزمات عالمية
يتناول الكاتب أسامة دياب الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها الدول النامية، وبشكل خاص مصر، نتيجة الصدمات الخارجية مثل الحروب وتقلبات أسعار الطاقة العالمية وتشديد السياسات النقدية الأمريكية.
وفي تحليل لـ"المنصة" ورغم أن جذور هذه الأزمات لا تعود إلى تقصير محلي، فإن صندوق النقد الدولي يستمر في فرض شروطه التقليدية التي تطالب بتسريع الخصخصة وجذب رءوس الأموال، مما يحمل هذه الدول أعباء تكيف داخلي لا تتناسب مع طبيعة المشكلة.
ويرى المقال أن تحويل الأزمات العالمية إلى معضلات محليّة في ميزان المدفوعات يمثل آلية مكررة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين تسببت طفرات أسعار النفط وفوايد الديون الأمريكية في أزمات واسعة لدول الجنوب العالمي. ويوضح الكاتب أن برامج التكيف الهيكلي التي طورها الصندوق آنذاك واليوم تعيد إنتاج الأزمة نفسها، حيث تُجبر الدول المتضررة على دفع ثمن اختلالات لم تساهم في صنعها أساساً.
وينتقد المقال السياسات المتبعة من قِبل صندوق النقد الدولي، مثل تعويم العملة ورفع أسعار الفائدة، معتبراً إياها أدوات تعمق الأزمة وتزيد من معدلات التضخم وتكلفة الدين العام. وتفقد هذه الحلول فعاليتها تماماً عندما يكون التضخم مدفوعاً بارتفاع الأسعار العالمية للغذاء والطاقة وليس بالطلب المحلي، مما يضعف الاستثمار والإنتاج ويحمّل الأسر منخفضة الدخل أعباءً معيشية قاسية دون تقديم علاج حقيقي.
ويخلص المقال إلى ضرورة إحداث تغيير جذري في فلسفة إدارة الأزمات المالية العالمية عبر تبني نموذج اقتصادي أكثر استقراراً وعدالة. ويتطلب ذلك دعم الإنتاج الوطني والطلب المحلي، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات كثيفة العمالة والخدمات الأساسية، مع معالجة الاختلالات البنيوية في النظام المالي العالمي وتوزيع أعباء التكيف بشكل عادل بدلاً من تحميل الدول النامية وحدها فاتورة الأزمات الدولية.
صكوك الثقة وبوابة التقشف
ووفقاً للعديد من القراءات الاقتصادية، فإن الإشادات التي توزعها مؤسسات التمويل الدولي عند اعتماد المراجعات الدورية لبرامج الإصلاح الهيكلي غالباً ما تُستخدم كشهادات ثقة لجذب الاستثمارات الأجنبية الساخنة أو القروض الإضافية.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذه الشهادات تأتي مغلّفة بشروط قاسية يدفع ثمنها المواطن البسيط؛ فإجراءات مثل تحرير أسعار الصرف، وخفض دعم الوقود والطاقة، ورفع أسعار الفائدة لكبح التضخم الناجم عن تراجع العملة، تؤدي إلى إضعاف القدرة الشرائية وتراجع معدلات الاستثمار المحلي في القطاعات الإنتاجية.
وبدلاً من أن تسهم هذه البرامج في بناء اقتصاد إنتاجي مستدام، فإنها تركز على ضبط المؤشرات الرقمية الكلية لضمان قدرة الدولة على سداد التزاماتها للمقرضين الدوليين، مما يضع هذه المؤسسات في موضع "الدائن الحريص" بدلاً من "الشريك التنموي".
بين التقييم والالتزام الحتمي
يتجلى هذا المأزق الاقتصادي عند رصد التناقض الواضح في الخطاب السياسي والاقتصادي الرسمي تجاه شروط الصندوق. فمن جهة، يعلن عبد الفتاح السيسي، في تصريحات وتوجيهات معلنة، عن ضرورة مراجعة وتعديل الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي إذا كانت الضغوط والاضطرابات الإقليمية ستضع المواطنين في وضع غير محتمل وبأعباء تفوق طاقتهم المعيشية. هذا الخطاب يحاول مراعاة البعد الاجتماعي والتحذير من تداعيات الغلاء المفرط.
وفي المقابل، يسير الخطاب التنفيذي لرئيس الحكومة ووزارة المالية في اتجاه مغاير يعكس التزاماً حتمياً وصارماً بالجدول الزمني للصندوق؛ إذ تؤكد التقارير الحكومية وخطابات النوايا الموجهة للصندوق المضي قدماً في خطط "استرداد التكلفة" للخدمات والمحروقات، ومواصلة برنامج الطروحات الحكومية والخصخصة وتخفيض عجز الموازنة بأي ثمن.
هذا التناقض يوضح الفجوة بين الطموح السياسي في تخفيف الأعباء وبين الواقع الاقتصادي المرتبط بتعهدات دولية لا تملك الحكومة رفاهية التراجع عنها نظراً لحاجتها المستمرة لتدفقات النقد الأجنبي.
سندات الساموراي: تنويع الديون لا إلغاءها
وفي سياق البحث عن حلول لسد الفجوات التمويلية العاجلة وسداد أقساط الديون القديمة، تتجه حكومة السيسي نحو الأسواق الآسيوية عبر إصدار أدوات دين بديلة مثل "سندات الساموراي" اليابانية (المقومة بالين).
ورغم أن المروجين لهذه الخطوة يرون فيها ذكاءً مالياً لتنويع مصادر التمويل والاستفادة من أسعار الفائدة المنخفضة نسبياً في السوق اليابانية مقارنة بالدولار، فإن المراقبين ينظرون إليها باعتبارها مجرد "إعادة تدوير للأزمة".
فالاعتماد على سندات الساموراي يظل في النهاية نوعاً من الديون السيادية الخارجية التي تضيف أعباءً مستقبلية على ميزان المدفوعات، وتؤكد المؤشرات أن الهروب من شروط المقرضين الدوليين عبر الاستدانة من أسواق جديدة لا يحل المشكلة البنيوية الأساسية المتجسدة في ضعف الصادرات والاعتماد المفرط على القروض.
ووضع مؤسسات التمويل الدولي في موضعها الصحيح يتطلب إدراكاً بأن وصفاتها الاقتصادية تهدف بالأساس إلى حماية النظام المالي العالمي واسترداد أموال الدائنين، وأن الاستقرار الحقيقي لن ينبع من المديح الخارجي، بل من صياغة سياسات وطنية تعيد ترتيب الأولويات لصالح الإنتاج المحلي والعدالة الاجتماعية.