الصراع على ارض فلسطين وفي القلب منها القدس ليس صراعًا على ارض احتلت يعمل العرب والفلسطينيون على تحريرها، بل في الحقيقة انه صراع حول مقدسات لها وضعية خاصة في النفوس تمتلك المشاعر والارواح، ولا يتوقف اليهود طوال فترة احتلالهم الأرض المقدسة عن السعي لضم المدينة المقدسة لسيطرتهم، وكانت اخر هذه المساعي محاولة سحب الوصاية الأردنية على الأوقاف الاسلامية بالقدس، فمنذ عام 1924 المدينة المقدسة والاوقاف الإسلامية تحت وصاية المملكة الأردنية لا ينازعها فيها منازع.
وكان المحامي الإسرائيلي-الأمريكي دانيال سيدمان قد حذر من أن أي خطة أمريكية-إسرائيلية لسحب الوصاية الأردنية الهاشمية على المسجد الأقصى في القدس المحتلة ستؤدي إلى "اندلاع موجة من العنف" في الشرق الأوسط. وقال سيدمان، في تصريحات لموقع "ميدل إيست آي"، إن "ما يبدأ في القدس لا يبقى في القدس"، مضيفا أن "هذه الخطوة ستُحدث صدمة في أنحاء العالمين العربي والإسلامي".
ويُعد سيدمان، مؤسس منظمة "تيريستريال جيروزالم" غير الحكومية التي تتابع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في شرق القدس المحتلة، من أبرز الخبراء المتخصصين في شئون القدس والمواقع المقدسة فيها. وأكد سيدمان في تقرير حصري نشره الموقع كشف عن وجود خطة أمريكية-إسرائيلية تهدف إلى إنهاء الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى وتحويله إلى "مركز متعدد الأديان".
وقال: "عندما تتم إدارة الأقصى بصورة مناسبة، يكون مستقرا إلى حد كبير، لكن عندما يتم تجاهل تعقيداته، فإنه يتحول إلى واحد من أخطر الأماكن على وجه الأرض"، مضيفا "الوصاية الأردنية ضرورية بشكل مطلق للحفاظ على استقرار الأقصى".
وكان مسئولون أمريكيون وأردنيون وفلسطينيون، إلى جانب مصادر غربية وخليجية، قد أبلغوا "ميدل إيست آي" في مايو الماضي أن الخطة، التي يدعمها جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تقضي بإنهاء صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية المدعومة من الأردن وإنشاء هيئة جديدة من قبل الحكومة الإسرائيلية تعلن المسجد الأقصى "مركزا متعدد الأديان"، ويُشار إلى أن كوشنر لا يشغل أي منصب رسمي في إدارة ترامب. وبحسب المسئولين، الذين طلبوا جميعا عدم الكشف عن هوياتهم نظرا لحساسية الملف، فإن "الترتيب الجديد" سيمنح اليهود "وصولا متساويا" إلى الموقع الإسلامي، كما سيسمح رسميا بإقامة صلوات جماعية يهودية واسعة النطاق فيه.
عارٍ تماما عن الصحة
وقال مسئول غربي ومصدر مطلع على موقف الحكومة الأردنية للموقع إن بعض المقترحات المتداولة تنص على منح دول عربية حق الإشراف على المسجد الأقصى بشكل "تناوبي". وكتب سيدمان عبر منصة "إكس": "سمعنا من مصدر موثوق أن هناك بالفعل مقترحا أمريكيا لاستبدال أو إلغاء الوصاية الأردنية على الأقصى".
وأضاف: "أُبلغنا بأن وثيقة جرى تداولها تقترح استبدال الوصاية الأردنية بوصاية تتولاها مجموعة من الأطراف الدولية والمتعددة الأديان، تضم ممثلين مسلمين وعربا ويهودا". وأمضى سيدمان عقودا في متابعة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في شرق القدس المحتلة، كما حظي بتقدير رسمي من بريطانيا وفرنسا بسبب عمله، وتستعين به حكومات أجنبية في قضايا تتعلق بالجغرافيا السياسية للقدس.
وسيطرت إسرائيل على شرق القدس والضفة الغربية من الأردن عقب حرب عام 1967، وهو احتلال يعتبر غير قانوني بموجب القانون الدولي. وذكر التقرير أن البحرين ومصر والمغرب والإمارات أُحيطت علما بالمقترح الأمريكي. وبحسب مصدرين خليجيين ومصدر آخر مطلع على توجهات الحكومة الأردنية، فإن السعودية، التي تربطها بالأردن علاقات تاريخية وتحالف وثيق، تعارض هذا المقترح.
في المقابل، أصدر مسئول أمريكي بيانا مقتضبا نفى فيه أن يكون البيت الأبيض يعمل بشكل فعلي على سحب الوصاية الأردنية، واصفا التقرير بأنه "عارٍ تماما عن الصحة".
أساس شرعية الدولة الأردنية
وخلال جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي في وقت سابق من الشهر الحالي، سُئل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن التقرير، فأجاب: "لم أسمع بذلك من قبل مطلقا"، مضيفا أن الولايات المتحدة تتمتع بعلاقة "رائعة" مع الأردن.
ولم تعلن إدارة ترامب بشكل صريح اعترافها بالوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وتُعد الوصاية على المسجد الأقصى وسائر الحرم القدسي من الركائز الأساسية لشرعية النظام الملكي الهاشمي في الأردن. وتعود الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس إلى عام 1924، حين كانت فلسطين خاضعة للانتداب البريطاني. وحصل الهاشميون على هذه الوصاية بعد فقدانهم السيطرة على مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة لصالح أسرة آل سعود.
كما جرى الاعتراف بالدور الأردني رسميا في معاهدة السلام الموقعة مع إسرائيل عام 1994، التي أقرت بـ"الدور الخاص" لعمان في رعاية المقدسات الإسلامية في القدس. وقال سيدمان: "الوصاية هي الأساس، وهي سبب وجود الأردن"، مضيفا: "من دون الوصاية على الأقصى، سيُنظر إلى الأردن، بوصفه دولة، على نطاق واسع باعتباره كيانا مصطنعا".