مشروع قانون الأحوال الشخصية الذى تصر حكومة الانقلاب على فرضه على الشعب المصرى أثار احتجاجات واسعة على الساحة القانونية والدينية خاصة مع ظهور مقترحات جديدة تمس قضايا الزواج والطلاق والحضانة والنفقة، ورفض حكومة الانقلاب عرض مشروع القانون على الأزهر .
وأكد خبراء أن هذه المقترحات والأفكار بحاجة إلى مزيد من الدراسة لأنها غير مدروسة بشكل كافٍ وتصطدم مع الواقع الدينى والإنسانى.
وانتقد الخبراء منح الزوجة حق فسخ العقد قضائيا خلال الأشهر الستة الأولى من الزواج إذا ثبت وجود تدليس أو إخفاء معلومات جوهرية تتعلق بالزوج أو ظروفه، وهو ما وصفه البعض بـ«الطلاق خلال فترة تجريبية». وقالوا إن مقترح تشديد العقوبات على الزوج حال زواجه بأخرى دون إخطار الزوجة الأولى بمثابة تعطيل لحق أباحته الشريعة الإسلامية.
الشريعة الإسلامية
فى هذا السياق قال المحامى بالنقض محمد راضى مسعود عضو مجلس نقابة المحامين: إن الدستور المصرى نص بوضوح على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، وهو ما يجعل من الأزهر الشريف الجهة المرجعية الأساسية فى كل ما يتعلق بالمسائل الشرعية .
وأوضح «مسعود» فى تصريحات صحفية أن الأزهر ليس مجرد مؤسسة دينية، بل هو المرجعية العليا المعنية بإبداء الرأى فى القضايا المرتبطة بالزواج والطلاق والمعاملات الأسرية، مؤكدًا أن أى تشريع يمس هذه القضايا ينبغى أن يعرض عليه بشكل مسبق حتى يخرج فى صورته النهائية متوافقًا مع أحكام الشريعة الإسلامية ولا يثير إشكالات دينية أو مجتمعية.
وأضاف أن عرض مشروع قانون الأحوال الشخصية على الأزهر يمثل خطوة ضرورية لضمان التوازن بين النص القانونى والمرجعية الدينية، مشيرًا إلى أن إغفال هذا الدور قد يؤدى إلى حالة من الجدل المجتمعى حول القانون، وقد يؤثر على مدى تقبله بين المواطنين، خاصة فى القضايا التى تمس الأسرة بشكل مباشر.
وتابع «مسعود» أن القانون محل النقاش يتناول قضايا حساسة تتعلق بالزواج والطلاق وتنظيم العلاقة بين الزوجين، إضافة إلى مسائل الحضانة ورؤية الأطفال، وهى جميعها موضوعات ترتبط بشكل مباشر بأحكام الشريعة الإسلامية، وبالتالى فإنها تحتاج إلى تدقيق شرعى واضح قبل إقرارها.
وأشار إلى أن بعض التفاصيل المثارة حول مشروع القانون، ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقة بين الأبناء ووالديهم بعد الانفصال، تحتاج إلى مراعاة دقيقة لمصلحة الطفل فى المقام الأول، مؤكدًا أن الهدف الأساسى من أى قانون للأحوال الشخصية يجب أن يكون تحقيق الاستقرار الأسرى وحماية الأطفال من أى آثار سلبية للنزاعات بين الأطراف.
منارة علمية
واعتبر «مسعود» أن قضايا الحضانة والرؤية والاستضافة يجب أن تبنى على أساس تحقيق مصلحة الطفل اولا، وليس على أساس الصراع بين الأب والأم، موضحًا أن الطفل ليس طرفًا فى نزاع، وإنما هو محور رئيسى يجب أن تحيطه التشريعات بالرعاية الكاملة والضمانات التى تضمن نشأته بشكل سليم.
وشدد على أن الأزهر الشريف يُمثل «بوصلة شرعية» للمجتمع المصرى، وأن الاستناد إلى آرائه فى مثل هذه التشريعات يُعزز من قوة القانون ويمنحه قبولًا أوسع على المستوى الاجتماعى والدينى، مشيرًا إلى أن مكانة الأزهر لا تقتصر على الداخل المصرى فقط، بل تمتد إلى العالم الإسلامى بأكمله باعتباره منارة علمية ومرجعية دينية.
وشدد «مسعود» على أهمية الحفاظ على دور الأزهر وتعزيزه فى العملية التشريعية، خاصة فى القوانين ذات الطبيعة الشرعية معتبرًا أن التعاون بين المؤسسات التشريعية والدينية يسهم فى الوصول إلى قوانين أكثر اتزانا وتوافقا مع احتياجات المجتمع، وفى الوقت نفسه متسقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
مرجعية دينية
وقال الباحث الإسلامى أحمد الطباخ إن الأسرة تمثل الركيزة الأساسية للمجتمع، وإن الله سبحانه وتعالى جعل الزواج آية من آياته، وأساسًا لبناء الأسرة التى تقوم على المودة والرحمة والسكينة، بما يسهم فى تنشئة أجيال صالحة قادرة على خدمة وطنها ومجتمعها.
وأوضح الطباخ فى تصريحات صحفية أن تحقيق هذا الاستقرار لا يكون إلا من خلال علاقة زوجية تقوم على الصدق والتفاهم والاحترام المتبادل بين الزوجين.
وأضاف أن الشريعة الإسلامية وضعت معايير واضحة لاختيار شريك الحياة، وأن نجاح الحياة الزوجية يرتبط بالمصارحة منذ البداية، مؤكدًا أن الصدق يمثل حجر الأساس لأى علاقة أسرية مستقرة.
وأشار الطباخ إلى أن التعدد وإن كان مباحًا شرعًا، فإنه ليس غاية فى حد ذاته، وإنما تحكمه ضوابط شرعية وأخلاقية تتعلق بالعدل وحسن المعاملة، لافتًا إلى أن الشريعة أمرت بأن تكون العلاقة بين الزوجين قائمة على الوضوح والتفاهم.
وحذّر من أن عدم عرض مشروع قانون الأحوال الشخصية على الأزهر الشريف وإشراكه فى مناقشاته منذ المراحل الأولى قد يؤدى إلى اتساع دائرة الجدل المجتمعى، خاصة أن القانون يتناول قضايا ترتبط بالأحكام الشرعية وباستقرار الأسرة المصرية .
وأكد الطباخ أن الأزهر باعتباره المرجعية الدينية الرئيسية فى مصر، له دور مهم فى إبداء الرأى الشرعى فى القوانين المتعلقة بالأسرة.
حوار مجتمعى
وأوضح أن بعض المقترحات التى أثارت نقاشا واسعا بين المواطنين تحتاج إلى دراسة كافية وحوار مجتمعى يضم علماء الشريعة والقانون والمتخصصين فى الشئون الأسرية، حتى يتم التأكد من توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية وتحقيقها للمصلحة العامة، مشددا على أن المقترحات المتعلقة بإخطار الزوجة الأولى عند الزواج بأخرى، أو منح الزوجة حق فسخ العقد إذا ثبت إخفاء معلومات جوهرية قبل الزواج، ينبغى النظر إليها فى إطار تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات والحفاظ على استقرار الأسرة ومنع أسباب النزاع والخلاف.
وأكد الطباخ أن أى قانون للأحوال الشخصية يجب أن يُراعى الثوابت الشرعية ومتطلبات الواقع فى الوقت نفسه، وأن الهدف الأساسى ينبغى أن يكون الحفاظ على كيان الأسرة وحماية حقوق جميع الأطراف، مشددا على أهمية فتح حوار واسع والاستماع إلى آراء أهل العلم والخبرة قبل إقرار القانون، للوصول إلى تشريع متوازن يُعالج أوجه القصور والمشكلات القائمة، ويُحقق الاستقرار الأسرى والمجتمعى بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية .